From sudaneseonline.com

مقالات و تحليلات
مؤتمر أوسلو (مجرد تعهدات ووعود) مصعب المشــرّف
By
May 8, 2008, 14:49

 

مؤتمر أوسلو

(مجرد تعهدات ووعود)

 

 

مصعب المشــرّف

mosaab5@gmail.com

 

شهد يوم الأربعاء 7/5/2008م إنتهاء تظاهرة المانحين في أوسلو بإعلان يشوبه الكثير من التعميم ، وعلى نحو اختلفت فيه ترجمة وصياغة العنوان الرئيسي لهذا القرار فهو قد أتى مرة بعنوان :

1)         التعهد (شفاهة) بتخصيص  5 مليار دولار لدعم السلام في كافة أرجاء السودان.

2)                           الدول المانحة توافق على منح السودان مساعدات بقيمة 5 مليار دولار.

وهذا القرار في حقيقة الأمر ينبئ عن أن المقصود هو غير الذي يروج له البعض ... وأن جهود السلام المشار إليها هنا تعني في حقيقة الأمر تغطية نفقات قوات الأمم المتحدة في دارفور والجنوب ... وغوث اللاجئين ، أكثر مما تعني ضخ أموال لإعادة التنمية والإعمار بتحسين البنية التحتية والتعليم والصحة ..... وبالطبع لا يتوجد إشارة من قريب أو بعيد لإقامة مشاريع تنموية مملوكة للحكومة مباشرة ، لأن الدول المانحة تتبنى النظام الرأسمالي الذي يرفض تماما إدارة وهيمنة الدولة المباشرة على النشاط الاقتصادي...  

وعلى الرغم من أن تفاصيل المبالغ التي تعهدت النرويج وبريطانيا والإتحاد الأوروبي واليابان وألمانيا ((بتخصيصها)) خلال السنوات الثلاث القادمة تبلغ في مجملها (1.935 مليار دولار) وهي لا تصل حتى إلى نصف المليارات الخمس .... وعلى الرغم من أن باقي مبلغ ((الخمسة)) هو مجرد تعهدات شفهية غير ملزمة للدول الأخرى المشاركة في المؤتمر .... وعلى الرغم من أن التجارب السابقة تؤكد أن مثل هذه التعهدات الشفهية تشكل بالنسبة لمتلقيها مجرد حلم من ((أحلام زلوط)) لا تجد طريقها عادة إلى ((التحقق)) وتصطدم بافتعال شروط تعجيزية في وجه أنظمة شمولية ، ترفض التطبيق الأمثل الفعلي للديمقراطية وتداول الثروة والسلطة حسب مقتضيات الغرب طالما كانت هي على قمة السلطة ...... إلاّ أن المثل الشعبي يقول :- ((خليك مع الكضاب لحدي باب الدار)) .... و ((الغرقان يتعلق بالقشة)) ... ولا مانع وفقا لذلك من بعض البهجة والفرح وعودة الوفدين الشمالي والجنوبي وهما نافشان الريش ((كـذكور الطواويس)) في فصل الخريف.

 

هناك فرق كبير وبون شاسع في مفهوم ومعنى ومقصود عبارة (مساعدات بقيمة 5 مليار دولار) من عبارة (منح السودان 5 مليار دولار).

وقد استبق الأستاذ على عثمان محمد طه قرار الدول المانحة بطلب تركيز المنح على التنمية وليس الجوانب الإنسانية ..... وكان واضحا أنه يشير إلى حقيقة أن كل التعهدات الباقة قد جرى تسديدها بعيدا عن مرمى التنمية... ولكن على ما يبدو لم تكن هناك حياة لمن ينادي. 

 

ولعل ما جرى على أرض الواقع من حقيقة أن 80% من الدعم الذي كان قد تعهد به المانحون في اجتماعهم السابق قد تغير مساره ، وتحول إلى أقاليم دارفور لتغطية تكاليف قوات الأمم المتحدة وغوث اللاجئين ...... .. لعل في ذلك ما أثار حفيظة ((سيلفا كير)). فوجد أن تكبد المشاق بالسفر إلى حيث مقر الاجتماع إنما هو تحصيل حاصل وجهد لاطائل من ورائة... وأن المقاطعة أبلغ إنباء من الخطب في إيصال احتجاج الحركة الشعبية إلى آذان المؤتمرين بوصفها  كانت تتوقع الكثير المثير. فلم يقع في يدها سوى الفتات القـليـل .. وعلى نحو بدت فيه كيتيم يتسول الطعام في موائد اللئـام.

 

إبتداء ؛ لم تعد مجتمعات الدول الغـنية (قبل حكوماتها) تثق في أمانة ومصداقية ، ونظافة يد حكام وقادة ومسئولي دول العالم الثالث . ولم تعد هناك حاجة لإثبات ذلك في زمن الشفافية المعاصر . وقد باتت أرصدة هؤلاء المتخمة بالمليارات في حساباتهم المصرفية  وعقاراتهم في عواصم العالم الحر ، المسجلة بأسمائهم أو أسماء زوجاتهم وأبنائهم وبناتهم ... باتت مكشوفة شاهدة على فسادهم المالي ، ومعروفة لكل قادرعلى القرءاة والكتابة بل ومجرد فـك الخط .

ثم من المؤسف أن حكومات دول الغرب عامة والدول المانحة خاصة ، لا تتعامل مع قضايا ومشاكل العالم الخارجي إلا من واقع الضغوط المحلية في بلادها ..... ولا يتشكل الرأي العام في تلك البلاد التي تضع صناديق الانتخاب (النزيهة) في مقدمة حساباتها .. لا يتشكل إلا عبر الإعلام وكاميرا التلفزيون  ، وأنشطة حقوق الإنسان ومواعظ صلوات السبت والأحد في الكنيسة .

 

ولقد أصبحت مشكلة الجنوب بالنسبة للعديد من الشعوب قضية ((قديمة)) وليست بذاك القدر من الوهج والزخم الإعلامي والإنساني الذي كانت عليه قبل سنوات ؛ وقد حل السلام الآن ربوع الجنوب. ولم يعد هناك ما ستدعي العجلة والتعاطف المليودرامي مع قوم باتوا الآن يأكلون ويشربون ويرقصون ويتناسلون وينامون في أمن وأمان ودعة ......

 

ثم لا ننسى ولا نقلل من حجم الخسارة الفادحة التي تعرضت لها الحركة الشعبية ، بوصفها عراب حل مشاكل الجنوب جراء فقدانها لزعيمها الكاريزمي ((جون قرنق)) ، الذي استطاع خلال جولاته المتعددة في العواصم السياسية والقـلاع الدينية الكنسية في الغرب والولايات المتحدة أن يخلق  لقضية الجنوب  زخما إعلاميا ، وحشدا لا يستهان به من التعاطف وسط القواعد الانتخابية للأحزاب في تلك الدول الديمقراطية .. فكان أن أفسح  العديد من المرشحين لمقاعد الرئاسة والبرلمان في تلك البلدان ..... أفسح لحل مشكلة الجنوب مكانا بارزا ضمن برنامجه الانتخابي .... وكان اهتمام شخصيات حزبية رفيعة ذات ثقل سياسي مؤثر في بلدانها وحرصهم على حضور مراسم توقيع سلام نيفاشا ما فيه الدليل الواضح على مدى الاهتمام العالمي بحل مشكلة الجنوب.

 

....  لا نستطيع الإدعاء بأن الحركة الشعبية لم تخطئء قبل غياب جون قرنق .... لكن الواضح أنه لو كان جون قرنق حيا لربما تغيرت بعض الحسابات فيما يتعلق بسرعة توجيه الدعم إلى الجنوب وحجمه والشروط التي تصاحب إتفاقه ..... ولكن نظرا لقصر الفترة التي قضاها قرنق بعد توقيع اتفاق نيفاشا وبالنظر إلى ما حدث بعده ... فبالإمكان الإدعاء أنه وبعد غياب جونق قرنق أخطأت الحركة الشعبية ثلاث مرات:-

 

  1) ... مرة بمحاولة تجاهل حقيقة أن قائدها الجديد سيلفاكير لا خبرة له بالعلاقات الخارجية . وليس له اتصالات تذكر بمفاتيح الإعلام والسياسة والمجتمع المدني في الولايات المتحدة ، والغرب والفاتيكان والكنيسة الأنجليكانية . وأنه على العكس من جون قرنق ؛ متحفظ في إبداء مشاعره ، ويتعامل بفعل حياته الطويلة ((داخل الغابة))  بكثير من التوجس والريبة مع محاوريه ومع من حوله  ....

 

2) ..... ثم أخطأت ومرة أخرى بالاستهانة بكاريزما وإمكانيات وزير الخارجية السابق ((لام أكول)) الذي كان يمكن أن يصبح هو وسيلفا كير (معاً)) وجهان لعملة جون قرنق الواحدة . فيترك لسيلفاكير مهمة العمل الداخلي وقيادة الحركة.  ويطلق لللام أكول العنان وحرية العمل الخارجي للتواصل مع ما جرى إنجازه وبناؤه في الخارج. فهو شخصية تحظى بالقبول حتى في أوساط العرب العاربة والمستعربة من الخليج إلى المحيط  ، لما له من استعداد فطري في مجال التواصل . وتميزه بإطلالة  إيجابية تنبيء عن شفافية وثقة بالنفس ، وقدرة على الأخذ والعطاء واحتمال التجاذبات في الطرح والتعامل لا تخفى على عين كل خبير......

ولكن من الواضح أن النوازع والمماحكات القبلية والصراعات والأطماع الشخصية ، التي نشبت بعد غياب ((الرجل القوى)) قـد أعمت العيون عن بعد النظر وأغلقت كل الأفـق أمـام ساسـة الحركة .

 

3) وقبل لام أكول أخطأت الحركة في تفاؤلها اللامحدود بمصداقية الغرب والدول المانحة وقدرتها على الوفاء بتعهداتها التي بذلتها على سبيل ((المشاركة إسميا في المزاد)) ليس إلاّ  ..... وكان ينبغي على الحركة الشعبية أن تستقيد من التجارب السابقة التي يحفظها التاريخ في سجلات ((تعهدات المانحين)) سواء لمصر كامب ديفيد 78م ..... أو روسيا بوريس يلتسن في أغقاب 1991م.... و فلسطين أوسلو 93م ....  ثم أفغانستان 2001م ، وعلى أثرها العراق 2003م والقادم أدهـى وأمــرّ.

 

 وليت الحركة الشعبية قد اكتفت من المطبات بما سبق الإشارة إليه .. ولكنها على  المستوى الداخلي تجد نفسها في موقف حرج ، تتصبب عرقا ويندي جبينها خجلا جراء إحساسها قبل غيرها بأنها قد تخلت عن حلفاء الأمس من أبناء جبال النوبة والنيل الأزرق ، وعلى نحو بات فيه حليف سابق هو مالك عقار يحلم بالإنفصال عن السودان والانضمام إلى أثيوبيا بعد أن كان الجميع يظن أن أحلام يقظة هؤلاء هو الانضمام للجنوب في حالة إنفصاله ، الأمر الذي يؤكد أن الحركة الشعبية قد تخلت بالفعل عن حلفائها السابقين فـور جلوسها على مائدة تقسيم الثرورة مع الشمال.... وعلى نحو بدت فيه حريصة على ((تحرير الجنوب)) أكثر من حرصها على ((تحرير السودان)).

 

ما حَكّ جِلدُكَ مِثْلَ ظُفْرَكْ

الآن وقد اتضحت الصورة وباتت النوايا معلنة .. وأدرك الجميع حكومة وحركة أن أجندة الغرب في التعامل مع قضايا ومحن وأزمات الشعوب المتخلفة ، تحكمها في المقام الأول مدى الإبهار الذي ستجنيه المؤسسة الحزبية في دول الغرب وسط الناخبين ... وأنها لن تستطيع تغيير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ...... ربما يكون في ذلك فرصة لتكوين بعض القناعات والخبرات لدى أبناء الجنوب. خاصة من أن ما جرى تدميره بأيديهم في إقليمهم خلال مراحل التمرد الثلاثة ليس من السهل إعادة بنائه أو حتى ترميمه ... وأن هناك مشوار طويل من الجهد الذاتي والعرق والدم والدموع ونكران الذات ، ينبغي بذله بسخاء لإعادة بناء وترميم العديد من المرافق والخدمات ... منها على سبيل المثال مقار لإدارات حكومية وأسواق ومستشفيات  جرى تدمير مبانيها بمدافعهم ونهب معداتها وتشريد وقتل كوادرها بأيديهم ......

والقائمة تطول وتشمل في تفاصيلها المدارس الحكومية والمصانع والبواخر والعبارات النيلية ، والجسور والكباري ومناشير الأخشاب ومباني البريد والهاتف والسكك الحديدية ، وأقسام وإدارات تابعة لوزارات حكومية من قبيل تقديم خدمات البيطرة و البحوث الزراعية  ... إلخ مما لا  حصر له كان يقدم خدماته في الجنوب لأبناء الجنوب .. ولم يكن من الحكمة والحصافة تدميره بالتالي طالما أن الخاسر الأوحد جراء ذلك سيكون هو المواطن الجنوبي الذي يقيم بالمنطقة .....

 

تَـمَـرّدْ طَـبْـظَ العُـيُـونْ

لا أريد أن أجعل من نفسي ((المُرْشِدً))  للإخوة الجنوبيين في بادية الشمال ... فدكتور ((منصور خالد))  و ((ياسر عرمان))  يقومان بالواجب وزيادة على ما يبدو ....... ولكن الذي يعرفه الجميع بحسب العقل وْالفكر والمنطق والتاريخ أن المقاومة تعمل دائما على توجيه نيران أسلحتها إلى صدور جنود العدو ، وتدمير الوسائل التي تساعد جيوش العدو على أداء مهامها مثل خطوط نقل الإمداد وتدمير المركبات العسكرية والأبراج اللاسلكية لسلاح الإشارة ... ولكن الذي يدهش له المراقب أن الأذرعة العسكرية لتمرد الجنوب منذ تمرد فرقة توريت في أغسطس 1955م  قد صبت جام غضبها ونيرانها على المدنيين من الأطباء والمعلمين ، والجلابة والموظفين الشماليين وعائلاتهم،  والمنشآت التي تخدم المواطن الجنوبي المدني في المدن والقرى.  وكان ضحاياها من بين هؤلاء أكثر بمئات الأضعاف من الجنود والرتب  العسكرية الشمالية التي تخدم في القوات المسلحة السودانية بالجنوب أو المنشآت والآليات العسكرية .... ومن هنا كانت المفارقة والمأساة .. بل وكأن الجنوبي في هذا المنحى الشاذ ((وهو يطعن في ضل الفيل)) .. و((يمسك بالبردعة تاركا الحمار))   قد تبرع واختار ((طبـظ َ)) عـينه بأصبعه دون أن يجبـره أحـد على ذلــك..........

 

 

عجوز المشاكل

لقد باتت مشكلة الجنوب الآن مثل الزوجة الأولى أم البنين والبنات والأحفاد ،  في مواجهة عروس المشاكل الإنسانية الجديدة ، ألا وهي مشكلة دارفور ؛ التي بات كل سياسي ومرشح برلماني ورئاسي طموح في الغرب والولايات المتحدة يسعى لخطب ودها ، والتقاط الصور التذكارية والدعائية وهو يقف إلى جوارها أو جالس ملتصقا بمؤخرتها وأفخاذها وأكتافها على أريكة ذهبية فخمة  بوصفها ((ملكة جمال مشاكل العالم)) ... بل وأصبح لها من الزخم ما يجعلنا نحسد أنفسنا عليه لكثرة ما بات يتردد بسببها إسم السودان وكبار مسئوليه ، والمطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية في القنوات التلفزيونية وشبكات الإنترنت .....

 

وفد الشمال في أوسلو

بدأ الوفد ((الشمالي)) وهو يغادر مطار الخرطوم أو يهبط  في أوسلو .. بدأ مستبشرا متفائلا  يوزع الابتسامات العريضة ذات اليمين واليسار سواء بحرارة السافنا الفقيرة في إتجاهين ، أو في إتجاه واحد ببرود  ... ودخل قاعة المؤتمر خالي الهموم مثل أهل العريس في ليلة الدخلة ......

ربما يعتقد وفد ((الشمال)) أنه لم يعد مطالبا بفواتير جديدة فيما يتعلق بمشكلة الجنوب أو التنمية فيه ... ولا توجد عليه ضغوط بهذا الشأن في مجاله الحيوي وأعني به شمال السودان ، سواء اختار الجنوب الانفصال أو فضل البقاء داخل حظيرة المليون ميل مربع ....

ولكن الذي كان يؤرقه ويقلق مضجعه هو تبعات رمال دارفور المتحركة التي وجدت حظا كبيرا من الإهتمام في داخل وخارج أروقة المؤتمر ... ولكن الأستاذ علي عثمان طه بذكائه ودهائه بدا وكأنه يستثمر تواجده هناك للظهور بمظهر رجل الدولة المتحضر ((بموازين أهل الغرب)) الذي لا يمانع في مخاطبة الآخر باللغة الإنجليزية دون الإصرار على  لغة القرآن ، أوارتداء الجلباب والسديري والعمامة البدوية العربية   ...

ولاشك أن في ظهور ممثل يتقلد منصبا رفيع المستوى أمام أضواء الكاميرات وعدساتها ، ووسط هذه التظاهرة الحضارية الدعائية الإعلامية رغم اتهام الغرب لحكومته برعاية وكفالة الجنجويد  ومرتكبي جرائم حقوق إنسان ، وعرقلة النشاط التبشيري الصليبي ... يبقى فيه رغم ذلك  مسحة دبلوماسية إيجابية وتعبير عن حسن نوايا في التواصل والحوار ...

ثم أنه في جلوس هؤلاء الصفوة من الأغنياء المانحين للاستماع إلى كلمته التي ألقاها بصفته الرسمية تعتبر في حد ذاتها ((منحة)) معنوية تقتنصها الإنقاذ بإسم الشمال وتلتقطها من وسط ركام الاتهامات بالمساس بحقوق الإنسان التي ما فتئت ابواق القلاع الكنسية والتبشيرية في الغرب والولايات المتحدة تنعق بها وهي تتلقف التبرعات من أيدي البسطاء في مجتمعاتها وسط ما تذرفه من دموع التماسيح على مسلمي دارفور المتطلعين (وفق مزاعم باطلة) إلى الخلاص على يد رسل يسوع إبن الله (والعياذ بالله).

 

عودة الحركة لسياسة طبظ العيون

لا أحد يقتنع بأن سيلفا كير قد قاطع حضور مؤتمر أوسلو بزعم الحداد على ضحايا الطائرة التي سقطت مؤخرا .... فالحداد حتى عند أهل الحداد لا يستمر أكثر من 3 أيام ثم ((يرفع الفراش)) .... ولكن الذي أغضب الحركة هو ما سبق وجرى الإشارة إليه من صرف المانحين النظر عن ((ضخ أموال سائلة)) لدعم التنمية في الجنوب .. بل والتوجه نحو دعم مشاريع الإغاثة والحفاظ على الأمن في دارفور لعدة اسباب جرى التطرق إليها ايضا أعلاه ..... ولكن كل هذا ما كان ليمنع سيلفا كير من السفر إلى أوسلو ذلك ان سياسة تعليق المشاركة وإن كانت تصيب حكومة الإنقاذ بالصداع ، إلا أنها لا تلقى اهتماما في ردهات وطاولات المؤتمر وسط المانحين الذين لا يهمهم زعل سيلفا كير بقدر ما تهمهم كوادرهم الحزبية وقواعدهم الانتخابية في بلادهم الديمقراطية ، التي تنجرف بعواطفها حاليا وراء مشاهد أطفال ونساء دارفور .....

ولكن يبدو أن الحركة الشعبية تخطيء هنا ايضا وللمرة الرابعة أو كأنها قد ورثت ضمن ما ورثت من حركات التمرد السابقة سياسة ((طبظ العيون)) رغم أن هذه العيون هي عيونها وعيون أهل الجنوب وحدهم في حقيقة الأمر.

بل وتبدو وكأنها تمارس سياسة طفولية ، مارسناها جميعا ذات يوم في مواجهة أمهاتنا حينما كنا  (( نَــحْـرَدْ)) و ((نَتَدَرْدَقْ)) في التراب لإجبارهن على تلبية مطالبنا البسيطة ......

 

الخطأ الخامس

الموقف الآن وبالبلدي الفصيح أن الأموال في جيوب المانحين وان ايديهم في الماء البارد ..... ونفهم أيضا أن الحنوب في المقابل هو الذي يتحرق شوقا لإخراج هذه الأموال من جيوب المانحين ، ووضعها في خزائنه ... ولكن النقطة التي نختلف عليها نحن الثلاثة أن شعار تنمية الجنوب لم يعد بذات الألق الذي كان عليه قبل وخلال لحظات توقيع سلام نيفاشا .... بل ولا يبدو مصطلح ((التنمية)) في نظر الناخب والكوادر الحزبية في الغرب مسالة حياة أو موت أو مسألة ((مُلِحّة)) على اقل تقدير ....

وبالتالي فقد كان على الحركة الشعبية أن تعيد حساباتها ، وتعدل من تكتيكها فتجدد من خطابها الباحث عن الدعم المالي أمام مؤتمر المانحين ، وفقا لتطورات  ردود الأفعال العالمية فيما يتعلق بمشكلة دارفور، التي فرضت نفسها على الساحة ، وسحبت البساط من تحت أقدام تنمية الجنوب وتثبيت دعائم السلام فيه ، بوصف أن السلام المنشود قد حدث بالفعل وإن كانت التوجسات بسبب أبيي لا تزال قائمة ...... ولكن المهم ان الطرفين في الشمال والجنوب قد توصلا إلى قناعة بعدم جدوى مواصلة الحرب ... وبالتالي فقد شب الجنوب والشمال عن الطوق. وبات مصطلح ((المؤلفة قلوبهم)) بالنسبة للغرب خارج عن نطاق ما تغلغل في عقل الطرفين الشمالي والجنوبي من قناعات،  وتشربته القلوب من مذاق  ((حلاوة الإيمان )).

.............

وعليه فبدلا من تمسك الجنوب بما لم يعد يلبي رغبات وأجندة حكومات المانحين ؛ كان الأجدى إثارة مشكلة النازحين الجنوبيين في الداخل واللاجئين في الخارج،  للمطالبة بتوجيه الدعم لعودتهم وإعادة توطينهم ، والعمل على استقرارهم توطئة لوضع الخطط المتعلقة ببرامج التنمية تبعا لذلك ....

 

ولكن المؤسف أن الحركة الشعبية بدلا من أن تهتم في المقام الأول بمواطنيها ، نراها تهتم فقط بالحصول على أموال المانحين نقدا كان ذلك او عينا دون وجود مشاهدات على الأرض تبشر بإمكانية أو حتى رغبة الحركة في استعادة أبناء الجنوب من الشمال أو من دول الجوار .....

فإذا كان الأمر كذلك فإلى من ترغب الحركة في توجيه التنمية ؟؟؟؟

 

ربما جادل البعض منهم ، بان النازح واللاجئ لن يعود إلا إذا وجد مشاريع تنموية تنتظره على الأرض .....

ولكن الرد بالمقابل يتساءل .... وهل كانت في الجنوب اصلا مشاريع تنمية تذكر قبل ان يغـادره معـظـم أهله ؟؟؟؟

 

هل كان الجنوبي قبل الحرب يقطن الفلل والقصور ثم وجد نفسه فجأة داخل أكواخ من الطين والقـش؟؟؟

......

هل كان الحنوبي قبل الحرب يتلقى العلاج في مصحات شبيهة بمصحات هوليود ، ثم وجد نفسه فجأة تحت رحمة طلاسم الكجور لطـرد الأرواح الشريرة من جسده المتهالك؟؟

.....

هل كان الجنوبي قبل الحرب يتناول إفطاره لانشون وبسطرمة وشرائح جبنة الشيزديل المدعومة بالكالسيوم ويحلي بالقشطة وزبدة لورباك ويتناول فنجان الشاي بالحليب مع مكعبات السكر والبسكويت في الخامسة عصرا ، ثم وجد نفسه بسبب الحرب يتناول العصيدة وبني كربل والبفرة ويخني الأسماك المجففة المطبوخ في الهواء الطلق على نيران الحطب ؟؟؟؟

......

هل كان الجنوبي قبل الحرب يغادر منزله  في الصباح الباكر متوجها إلى مصانع لانكشير أو حتى محالج مارنجان وحواشات مصانع سكر الجنيد وكنانة وسنار ... ثم وجد نفسه يغادره إلى المجهول لاجئا أجنبيا في دول الجوار ؟؟؟

 

والقائمة تطول ...... ولتشمل كل مناحي الحياة اللهم إلا الشهيق والزفير وشربة ماء على معدة خاوية. وأمراض وأوبئة بالجملة منذ أن عرف ((القديس)) غردون باشا والمُبَشِّـر طريقه إلى الجنوب..... ثم منذ أن أغلق الاستعمار البريطاني الجنوب في وجه الشمال وأبناء الشمال بضغط من الفاتيكان والكنيسة الأنجليكانية ذواتي الثقل المعنوي والروحي وبالتالي الانتخابي اللامحدود  في الغرب المسيحي.

 

الواقع إذن ان النازح واللاجئ الجنوبي لم يغادر الجنوب بسبب دمار مشاريع تنمية. أو لعدم وجود مشاريع تنمية فيه ، بقدر ما غادره قسرا بسبب الحرب وسياسة ((ضبظ العين)) والأرض المحروقة التي مارسها التمرد الأخير منذ بدايته في الثمانينيات على وجه التحديد .

 

كانت في الجنوب ثروات شخصية ولم تكن هناك مشاريع تنمية بالمعنى المعروف ولكن حجم الدمار في ثروات أهل الجنوب الشخصية كان هائلا خلال تمرد 1983م ، بسبب ما حصلت عليه الحركة من أسلحة حديثة متطورة ذات قدرات تدميرية مؤثرة لم تفرق داناتها وصواريخها وألغامها المدفونة والعائمة بين عسكري شمالي أو مواطن جنوبي  باحثا عن بفرة ، أو وراعي ماشية ، أوصائد اسماك  .... حتى ابقار الرث والكجور لم تسلم هي الأخرى من وقع الصواريخ وتفجيرات الألغام التي تم جلبها من تل ابيب .

وكانت التصفيات الجسدية الدموية التي مارستها الحركة ضد المنشقين بالغة العنف والشطط  . وبوجه عام كان هناك استخدام مفرط  للقوة من جانب الحركة ضد مواطنيها أنفسهم ..

 

إذن لم تكن في الجنوب اصلا مشاريع تنموية حتى يشترط النازح واللاجئ إنشاؤها أو إعادة تاهيلها شرطا لعودته ...  ولسنا وحدنا الذين ندرك ذلك .... فالخواجات في الخارج يدركون قبل أهل الدار أحيانا .... ولكنهم يحاورون ويناورون ويستغفلون لأجل مصلحتهم دون نسيان إيهامنا دائما بأننا على درجة عالية من الذكاء المفرط.  

 

وعلى سبيل المثال كان هناك مصنع نسيج أنزارا الذي يعتبر أول مصنع نسيج يجري إنشاؤه في السودان (وكان على عهد عبود) ... ولكن للأسف كان هذا المصنع الذي أنشئ من أجل الجنوب في ارض الجنوب ، هو أول هدف للأنيانيا التي دمرته وكأنه مشروع مقام في  المنطقة الصناعية ببحري أو الحصاحيصا ..... ولكننا نذهب ونعود في كل مرة إلى سياسة ((ضبظ العين)) إياها التي يبدو أنها أسلوب تفكير ومنحى متأصل في الجينات ...... والقائمة طويلة عريضة ولم نكن نريد تقليب المواجع ... ولكن نرجو التذكير لعل الذكرى تنفع المؤمن.



© Copyright by sudaneseonline.com