بين العفو والقصاص
لقد تعددت المبادرات للصفح والمصالحة من أطراف عديدة حزبية ومن أفراد يجمعها جميعاً كما يبدو الحدب علي الوجدان الإنساني السوداني وتنقيته من شوائب الحقد والسخائم , وللعمل معاً في السودان الواحد في ألفة وسلام ووئام لكي نجعل لهذا الجيل وأجيالنا المستقبلة وطناً ينعم بالتعايش السلمي والمحبة .
كل هذا جميل ونبيل , ولكن يثور سؤالان بالغا الأهمية وهما من يعفو مِن مَن ؟ ولماذا نأخذ الأكثرية بجرائر الأقلية ؟
لن يحمل الشماليون أوزار شرذمة منهم من المغامرين والمجرمين ( ولا تزر وازرة وزر أخري ) , فالذين اجترحوا كل هذه المظالم والمآسي في حق الشعب السوداني في الجنوب والغرب وجبال النوبة والانقسنا هم فئة قليلة من أهل الشمال . وان كان هناك ثمة اعتذار من الشماليين لما مارسوه من استرقاق في حق الجنوبيين في الماضي , فقد وقف عبد الخالق محجوب في مؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد في 16 مارس 1965 وضم رؤساء وممثلي الأحزاب السياسية في الشمال والجنوب حينذاك , وكان عبد الخالق ممثلاً للحزب الشيوعي , ورد علي رئيس جبهة الجنوب الذي شن هجوماً ضارياً علي الشماليين ونعتهم بأحفاد تجار الرقيق , فقال له عبد الخالق إن أحفاد تجار الرقيق جاءوا اليوم ليدينوا تلك الفترة ويعتذرون عما فعله أجدادهم .
نلحظ في تاريخنا القريب , أي بعد الاستقلال إن مَن يسيئون ويؤذون الناس ويمعنون في الظلم كانوا من العسكر في النُظم العسكرية الدكتاتورية التي اغتصبت السلطة بالخيانة والغدر من النظام الشرعي الديمقراطي ! وكان ذلك بدءاً من نظام عبود , وزاد السوء سوءاً في نظام نميري , وطفح الكيل في نظام الجبهة القومية الإسلامية , وفي أعقاب انهيار تلك النظم يخرج علينا من يستدر عواطفنا بمقولة – عفا الله عما سلف – وهي قولة حق أُريد بها باطل وفي حقيقة الأمر صارت هذه المقولة ذريعة ليفلت المجرمون من الحساب , الأمر الذي جرّأ بعض العسكريين المغامرين فيما بعد علي الانقضاض علي السلطة واغتصابها ظلماً وعدواناً , وقد أمِنوا الحساب وأمِنوا العقاب , وجاءوا جميعاً بأقاويل مغلوطة وأكاذيب وقدح فيمن سبقهم من حُكام رافعين شعارات براقة خادعة , وأماني معسولة , ويتواطأ معهم نفر من المدنيين النهازين للفرص والوصوليون والمنحرفون أخلاقياً , ويعفو الشعب السوداني الطيب عن جلاديه السابقين , وقد لدغنا من نفس الجحر أكثر من مرة . ثم جاء أهل الجبهة القومية الإسلامية وبشرونا ببسط حكم شريعة الإسلام فينا , ولكنهم حادوا عن شريعة الله وخاصموها وعملوا ضدها من أفعال الظلم واستباحة الحرمات , فكانوا سوط عذاب علي الناس , ونالوا علي أيديهم من الاذي ما لا يطاق في معاشهم وفي أعراضهم وأنفسهم , ومن أكل أموال الناس بالباطل وإشاعة الشحناء والبغضاء بإثارة النعرات القبلية , ولقد أحدثوا أموراً بشعة لم نعهدها في تراثنا وتاريخنا من اغتصاب النساء وحتى الأطفال لم يسلموا من هذا الفعل الشنيع , وشقوا بطون الحوامل , واخرجوا الأجنة منها وقطّعوها , مستعينين في ذلك بالقتلة المأجورين من الجنجويد من داخل دارفور والجنجويد المرتزقة من دول الجوار , فقتل ثلاثمائة ألفاً من الناس الأبرياء وكأنهم أمة من الذباب وليسوا أمة من البشر ! وأخرجوا ما تبقي منهم من ديارهم وهم مليونان ونصف من النساء والأطفال .
لقد أتي هؤلاء المجرمون أشد أنواع الفساد في الأرض , وقد مارسوا القتل العمد علي نطاق واسع ولذلك يستحقون بأن يعاملوا بقوله تعالي ( إنما جزاء اللذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) (المائدة - 33 ) , وقوله تعالي ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ) (النساء- 93) , كما حرقوا القري وباشروا التعذيب حتي الموت , كما حدث في الجنوب وجبال النوبة والانقسنا , وما حدث وما يزال يحدث في دارفور وهذه الأفاعيل لم يعهدها السودانيون ولم يألفها دين أو عُرف أو خُلق . ولم تكن تلك سياسة عارضة وإنما كانت سياسة مرسومة مستديمة .
عفا الله عما سلف : تبرز هذه المقولة دائما عندما يشعر الظلمة بأن دولتهم وأنفسهم في خطر , وبرزت في هذا الوقت بالذات بعد أن طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية موريس مورينو أوكامبو من قضاة المحكمة إصدار مذكرة توقيف في حق عمر احمد البشير رئيس جمهورية السودان متهماً له بجرائم ضد الإنسانية والابادة وجرائم حرب .
يجب أن لا نخلط الأوراق ونضع الخبيث مع الطيب , فالحق بيّن , ولا يتحمل أهل الشمال والديمقراطيون الوطنيون , وشخصي منهم , أوزار فئة ضالة منهم , وليكونوا رجالاً وليتحلوا بشئ من الشجاعة ليتحملوا نتيجة ما عملوه بأيديهم . وقد اتفقت الشرائع السماوية والقوانين الأرضية علي إقامة العدل للضعفاء وان تقتص لهم من المجرمين مهما كانت صفتهم , ولذلك أنشأت أمم الأرض محكمة جزاء دولية مستقلة لتقتص للشعوب المستضعفة من حكامها الطواغيت.
إن النيران المشتعلة في صدور الأحياء من الضحايا لن يخمدها إلا ماء القصاص لذويهم من القتلى , وأن النفوس لن تهدأ , وأن القلوب لن تصفو , وتستقر أرواح الضحايا في مدافنهم المجهولة إلا إذا أُقتِص من المجرمين , وان يقام العدل .
عندئذ سنتصافى ونعفو بنية سليمة ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) .
إذاً , لابد من القصاص ...
هلال زاهر الساداتي
Helalzaher@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة