الافلات من العقاب, والمساومات السياسية على حساب حقوق الضحايا
لم يعد أمر مقبولا على الاطلاق
فكرة أنشاء المحكمة الجنائية الدولية , ومدى مساهمتها فى الدفاع
عن حقوق الانسان 2-10
حماد وادى سند الكرتى
محامى , وباحث قانونى
Hammadsand_arco@yahoo.com
فى الحلقة السابقة من حلقات هذا المقال , ذكرنا أن الدوافع الاساسية لقيام , أو لأنشاء الية جنائية دولية , هى تلك المذابح التى شهدها العالم خلال القرن الماضى من تاريخ البشرية , والتى أزهلت البشرية , ابتداء من مذابح الحروب العالمية الاولى , والثانية , مرورا بالمذابح التى وقعت فى يوغسلافيا السابقة 1991 , وروندا 1994 , وختاما بأكبر محنة انسانية يشهدها العالم فى الوقت الراهن – كارثة اقليم دارفور – المنطقة الواقعة فى غرب السودان , تلك المنطقة التى شهدت فصولا من الاغتيالات الجماعية , وحرق قرى بعشرات الالاف , وتشريد ملايين من البشر قسرا من ديارهم , فضلا عن الاغتصاب والعنف الجنسى , والتعذيب , والتنكيل , وجرائم الاختفاء القسرى , وجرائم الفصل العنصرى القائم على العرق , كل تلك الجرائم المروعة التى أزهلت البشرية , لم يحرك ضمير العالم العربى , والاسلامى , وكأن على رؤسهم الطير(انه التواطىء ) .
وبجانب الاسباب التى أوردناها فى معرض حديثنا , فان المحكمة الجنائية الدولية , كانت مطلبا دوليا فى ظل الخلل الذى اصاب ميزان العدالة الجنائية الدولية , خلال القرن الماضى , فضلا عن مكافحة ظاهرة الافلات من العقاب , أى عدم افلات مرتكبى ابشع الجرائم , والمذابح دون عقاب , مثل تلك الجرائم التى ارتكبت فى اقليم دارفور ضد المدنيين العزل , حتى وصلت جرائم دارفور الى حد , جرائم الحرب , والجرائم ضد الانسانية ’ ومؤخرا أكد السيد – لويس مورينوا أكامبوا , أن الابادة الجماعية بالفعل قد وقعت فى الاقليم ضد قبائل – الزغاوة – الفور , والمساليت , جاء ذلك من خلال الطلب الذى قدمه مدعى عام المحكمة الجنائية الدولية الى قضاة الدائرة التمهيدية التابعة للمحكمة الجنائية الدولية , حيث ذكر المدعى فى معرض حديثه قائلا : ( أن جرائم الابادة الجماعية ارتكبت فى حق اعضاء جماعات الزغاوة , الفور , والمساليت , هذه المجموعات الثلاثة هم من ذوى النفوذ فى دارفور منذ امد بعيد (التاريخ يشهد على ذلك), حيث هاجم مليشيا الجنجويد سيئو السمعة القرى , ودمرتها تماما , بل وتابعوا الاشخاص الذين احتموا بسفوح الجبال والصحارى طلبا للنجاة , قام الجنجويد بقتلهم شر تقتيل – دمر الجنجويد وسائل العيش الخاص بالجماعة –تم تعريضهم للتجويع والمذلة والخوف )( لويس مورينوا- مدعى عام المحكمة الجنائية الدولية ) . لمزيدا من التفاصيل يمكن الرجوع الى الطلب الصادر فى 14 / يوليو من العام 2008 م .
من الملاحظ , وبعد أستقراء تاريخ البشرية اتضح لنا جليا , وبما لا يدع معه مجالا للشك , أن المجتمع الدولى فشل فشل ذريعا فى تعقب , ومعاقبة مرتكبى ابشع الجرائم ضد الانسانية التى شهدتها البشرية فى القرن الماضى , بخلاف مجرمى يوغسلافيا السابقة , وروندا 1994 , والتى كانت بدافع ارادة دولية قوية .
ونحن من جانبنا نعتقد ان المحكمة الجنائية الدولية هى رحمة للبشرية جمعاء , وتعد المحكمة الجنائية الدولية مفصلا تاريخيا هاما فى تاريخ البشرية , لأن وجود الية جنائية دولية , قوية , مستقلة , وهدفها الاساسى تحقيق العدالة الدولية , هو من اهم الاسباب الاساسية فى الحفاظ على الأمن والسلام الدولى , كما أن وجود الية جنائية دولية , يشعر الطغاة والمستكبرين فى الارض بالمسؤلية , بل ويكبح جماحهم من الاقدام أو مجرد التفكير فى ارتكاب جرائم بشعة فى حق الانسانية , لخوفهم من المسؤلية والعقاب .
اذا نخلص , الى ان المحكمة الجنائية الدولية , هو مطلب عالمى ضرورى , لذا فان الجمعية العامة للامم المتحدة , لم تألوا جهدا فى سبيل أنشاء ها, منذ العام 1946 م حتى تحقق هذا الحلم الكبير الذى كان يرواد البشرية فى العام 1998 م , بالرغم من العراقيل السياسية التى وضعت .
ففى الفترة مابين العام 1995- 1998 , دعت الجمعية العامة للامم المتحدة ,لأنشاء لجنتين , وكلفتهما بصياغة نص موحد خاص بانشاء المحكمة الجنائية الدولية , وبالفعل بدأت اللجان التى انبثقت عن اللجنتين فى عملها بصورة جادة ,الى أن تمكنت من الانتهاء من وضع مشروع المحكمة الجنائية الدولية , ويلاحظ أن مشروع المحكمة الجنائية الدولية فى بداية الامر قوبل بنوع من التجاهل من قبل بعض الدول الكبرى ,الامر الذى ادى الى عرقلة المفاوضات فى كل من روما , ونيويورك .
على كل حال لانريد أن نخوض كثيرا حول المفاوضات, والاجراءات التى صاحبت ميلاد المحكمة الجنائية الدولية , بقدر مانريد أن نؤكد , أنه بحلول اليوم 18 – يوليو من العام 1998 م , تم فتح الباب للتصديق والتوقيع على النظام , وبنهاية شهر أكتوبر من العام 1999 م , كانت الدول التى صادقت على النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية بلغ اربعة دولة , فى حين أن عدد الدول التى وقعت على النظام كان قد بلغ 89 دولة .
واليوم بعد مرور عشرة سنوات على ميلاد المحكمة الجنائية الدولية , بلغ عدد الدول التى صادقت على النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية 108 دولة , حسب ماهو موضح على موقع التحالف العربى من اجل المحكمة الجنائية الدولية , والتحالف الدولى من اجل المحكمة الجنائية الدولية .
ومن الجدير بالذكر , تعتبر جزير – جزر الكوك , هى أخر الدول التى صادقت على النظام الاساسى للمحكمة الجنائية , كان ذلك فى 18يوليو من العام 2008 , ومازالت الدول تتوالى للتصديق على النظام الاساسى بينما الدول العربية تحجم عن التصديق . ومن هنا فأننا ندعوا كل الدول العربية على ضرورة التصديق على النظام الاساسى للمحكمة الجنائية بمافيها السودان . يلاحط أن الدول العربية التى صادقت على النظام ثلاثة دول فقط هى, كل من جزر القمر , وجيبوتى , والاردن , غير أننا نعتقدأن الدول العربية لم تصادق على النظام الاساسى سوى الاردن , وذلك اذا اخذنا فى الاعتبار , ان كل من جيبوتى , وجزر القمر دولتان افريقيتان , وليست دولتان عربيتان , غير انهما تتمتعان بعضويتهما فى جامعة الدول العربية . اما بالنسبة للدول العربية التى وقعت على النظام هى أكثر من سبعة دول من بينها السودان ,ومصر , ودولة الامارت العربية المتحدة .
ومن الجدير بالذكر أننا نلاحظ أن الدول الافريقية هى أكثر الدول التى اقدمت على التصديق , حيث بلغ عدد الدول الافريقية التى صادقت على النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية (30), دولة تليها الدول الواقعة فى شرق اوربا , (25) دولة , تليها الدول الواقعة فى امريكا اللاتينية (23) دولة ,ثم تاتى فى المرتبة التالية الدول الواقعة فى غرب اوربا , حيث بلغ عدد الدول التى صادقت على النظام الاساسى (16) دولة , وتأتى الدول الواقعة فى قارة اسيا فى ذيل القائمة بأعتبار أن معظم الدول العربية , واقعة فى قارة اسيا , حيث بلغ عدد الدول التى صادقت على النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية (14) دولة . فى حين ان الدول التى وقعت على النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية على مستوى العالم بلغ أكثر من (139) دولة من بينها السودان بالطبع .
ومن الجدير بالذكر ان المحكمة الجنائية الدولية تنظر الان اربعة قضايا , كل القضايا الاربعة تخص دولا أفريقية , بحسبان ان الدول الافريقية تكثر فيها الانتهاكات ضد القانون الدولى , القضايا , هى كل من قضية – جمهورية الكنغو الديمقراطية(زائير سابقا) – ودولة اوغندا , دارفور (السودان ) , واخيرا جمهورية أفريقيا الوسطى .
وفى الختام فان المحكمة الجنائية الدولية تذكر حكومات الدول فى العالم أجمع , بأن التسويات السياسية للمذابح التى ترتكب ضد البشرية لم يعد امر مقبولا على الاطلاق , كتلك المذابح الخطيرة التى وقعت فى اقليم دارفور فى حق المدنيين العزل , تلك المذابح التى أزهلت العالم بأثره , بل أزهلت عالم الجن ايضا من هول فظاعة المنظر .
كما ان المحكمة الجنائية الدولية تؤكد للعالم اجمع بأن سياسية الافلات من العقاب , اقصد هنا افلات مرتكبى جرائم الابادة الجماعية , والجرائم ضد الانسانية , وجرائم الحرب , لم يعد أمر مقبولا على الاطلاق .
ان المسومات السياسية على حساب ضحايا اقليم دارفور لم يعد مقبولا فى ظل وجود المحكمة الجنائية الدولية , ان المسوامات السياسية على حساب ضحايا الاغتصاب , والتشريد القسرى , لم يعد مقبولا على الاطلاق , ان ضحايا اقليم دارفور يولولون ,ويصرخون بشدة من اجل العدالة الجنائية الدولية , لابد من المسالة , والمحاسبة , لابد ان يقدم المجرمون الى العدالة لابد لابد لابد لابد .............مطلب الضحايا فى اقليم دارفور , والاسوف يشهد السودان حرب اهلية شاملة .
ان المجرمين سيئوا السمعة من المليشيات فى السودان يجب أن يقدموا الى العدالة الجنائية الدولية طالما القضاء الوطنى السودانى الذى كان مشهودا له بالكفاءة , والاستقلال , والنزاهة , لم يعد قادرا , بل غير راغب فى محاكمة المجرمين .
فى الختام , بأستقراء النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية , وجدنا هذا النظام يتفق تماما مع مبادىء الشريعة الاسلامية , ولا يتعارض معه على الاطلاق , واتحدى فقهاء العالم الاسلامى فى العالم على ذلك , بل أن النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية هو تطبيق حقيقى للحديث الشريف ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيديه , فان ان لم يستطيع فبلسانه , وان لم يستطيع فبقلبه , وذلك اضعف الايمان ) . ولكن العرب شاهدوا المنكرات ترتكب فى اقليم دارفور , فلم يستنكروه بألسنتهم , ولا بقلوبهم . فأى قوم انتم يا معشر العرب , والمسلمين , أذلكم الله .
ان الذى يتعارض مع سماحة الاسلام هو , تشريد المدنين قسرا من ديارهم , ان حرق القرى , واغتصاب الفتيات الصغيرات فى مدرسة الطويلة كفيلة بأن يهتز لها عرش الرحمن , ان العمل على تدمير مجتمعات باكملها يثير غضب الرحمن بشدة .
من المعلوم ان النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية لن تستطيع ان تقضى على كل النزاعات , ولكن هى كفيلة بأن تعيد الامل للضحايا من جديد , بل أن المحكمة الجنائية الدولية تعد رمزا للتضامن الانسانى , كما جاء فى مقولة الاستاذ – جون دون (( ان الانسان , اى انسان , ليس جزيرة مستقلة بذاتها فكل انسان جزء من كل – وموت أى انسان يجعلنى أشعر بانى بعضا منى لأنى جزء من بنى البشر ))- جون دون .
(( ان من يسعى للسلام ينبغى ان يعمل على تحقيق العدالة )) البابا بولس السادس .
سوف نواصل فى الحلقات القادمة