بســـــــــــم الله الرحمــــــــــــــــن الرحيـــــــــــــــــــــم
الفاضل عباس محمد علي 27 سبتمر 2008
بين لندن و سنار.. انقطم مسمار!
قضيت شهر أغسطس و نيفا من سبتمر بألبيون، أي انجلترا، ما بين لندن و كانتربري و ليدز، و لقد سعدت كثيرا بالمشي و الخضرة الخلابة و الطقس المعتدل، و هايدبارك كورنر؛ كما شقيت كثيرا بالغلاء الفاحش الذي انتاب البلاد فأصبحت حكرا لذوي الدخل غير المحدود، الذين لم يضربهم فيه حجر دغش، و أصبحنا مدمنين للفول و غيره من استحقاقات التقشّف اذا أردت أن تبقى لأطول فترة ممكنة لتستمتع بالطبيعة و التسكّع بين ادجاوير رود و كوينز واي، و الدردشة مع هذا و ذاك من أبناء السكسون الذين أصبح العثور عليهم كالعثور على ابرة في كوم تبن ليست به قشه؛ فحيثما تذهب يطالعك البولنديون و التشيك و الأتراك و غيرهم من العمالة الوافدة، وأسراب الأعراب سواح الصيف، في اكسفورد ستريت أو شبردبوش أو الأماكن السياحية؛ أما اذا دلفت ذات سواريه الى لستر سكوير حيث المسارح و دور العرض فلن تجد غير الناطقين بالانجليزية كالأمريكان و الأستراليين، و يمكنك أن تنعم بهاملت أو أوليفر للمرة الرابعة أو صوت الموسيقى للمرة الكذا، دون أن تسمع شخشخة أو أي ازعاج من أي نوع سوى العرض وأنت جالس فى مقاعد الترسو التي تكلف عشر جنيهات فقط (حوالي سبعين درهما.)
و بريطانيا ليست كما عهدتها منذ السبيعينات و قضيت بها ست سنوات و نصف في الثمانينات، و لكنها عالم آخر تأثر كثيرا بثورة المعلوماتية، فما عاد القطار يلفه ذلك الصمت الرهيب و يكب راكبوه على كتبهم، و لكن الجميع الآن يتحدثون في وقت واحد بالموبايلات، و غالبا بصوت عالي يفقد الأسرار الشخصية حرمتها؛ و الانجليزيات السمهريات الرشيقات مضرب الأمثال في السبعينات و الثمانينات أصبحن مكوّرات كالقنفذ، تتدلى كروشهن كالسعن الموشك على الانفجار، و الأعناق متعددة الطوابق double-decker necks، من فرط الهامبيرقر و الطعام الجنك المعدّل جينيا، و تبلغ نسبة السمنة و الاستكراش ثمانين بالمائة على الأقل، ياللمصيبة الكبرى! و لقد حرصت على مقابلة السودانيين المقيمين ببريطانيا من الأصدقاء القدامى ، و قادة المنظمات الدارفورية الذين وافوني بمعلومات كثيرة موثقة عن آخر التطورات، كما شهدت و قرأت و سمعت نسخاَ من كافة أنواع الأدلة المقدمة لمحكمة الجنايات الدولية ضد رموز النظام السوداني، و اقتنعت تماما أن أخانا عبد الباسط سبدرات انما ينفخ في قربه مثقوبة، و أن مفاجأة كبرى تنتظره يوم يفصح أوكامبو عن ما في جعبته من أدلة و عندما يأتى أمامالمحكمه بالشهود الموجودين الآن ببريطانيا و أروربا و كندا و الولايات المتحدة في حرز أمين.
و لم أملك بعدما رأيت من أدلة الا أن اشترك في تظاهرة بأول رمضان أمام السفارة السودانية دعت لها المنظمات الدارفورية و بعض من جمعيات حقوق الانسان، على الرغم من أنني كنت في طريقي للسودان بعد ذلك بأيام لقضاء الأسبوعين المتبقيين من اجازتي، و لقد تساءلت في حضور حاتم السر علي الذين شارك في تلك المظاهرة عن ما يمكن أن يحدث لي بمطار الخرطوم، فقال لي ان هؤلاء القوم ( في توله)، فقد استجابت السماء لدعائنا: ( واشغل أعداي بأنفسهم.. و ابليهم ربي بالمرج). و بالفعل حللت بالخرطوم بنهاية الأسبوع الأول من رمضان و وجدت القوم في حالة هرج و مرج و بانيك مثل الحمر المستنفرة التي فرت من قسورة، فلا بد أنهم رأوا ما رأيت من أدلة مقنعة جدا ضد رموز النظام بما فيهم رئيسه شخصيا، خاصة ما قاله أمام الجيش فى الفاشر أبو زكريا: ( لا أريد أن أرى جريحا ولا أسيرا). و قضيت أيامي بين سنار و مدني و الخرطوم و لا أحد يعرف عيشه في سوق الغزل، و استمتعت بالأنس مع الأصدقاء و الأهل، و معظمه قطيعة في الحكومة التي ظلت جالسة على أنفاس الخلق منذ عقدين من الزمان و لم تستطع أن تحل قطوعات الكهرباء أو تهتك البيئة و أسراب الذباب و البعوض، ولم تفعل شيئاَ بخصوص الشوارع داخل المدن التي ليس لها شبيه في العالم، باستثناء الصومال.
و بعد أن عدت لأبوظبي تناهى الىّ خبر وفاة الأستاذ محمد الحسن أحمد فوقع علي كالصاعقة الماحقة، اذ كانت تربطني علاقة خاصة بالأستاذ محمد منذ مطلع السبعينات عندما عرفني به الاستاذ ابراهيم دقش الذي كان مستشارا صحفيا بوزارة الزراعة عام 1973 و كان الأستاذ محمد رئيسا لتحرير الصحافة آنئذ، و لقد عدت لتوي من تشيكوسلوفاكيا التي قضيت بها سنتين في حالة هروب بعد فشل حركة 19 يوليو 1971، و أردت أن أعود لوزارة التربية، فتوسط الأستاذ محمد الحسن لدى الوزير الدكتور محمد خير عثمان (الشايقي)، و بعد يومين أعدت للخدمة. ثم قابلت الأستاذ محمد الحسن كثيرا في انجلترا و في زياراته للخليج طوال العقدين المنصرمين، و تعلمت منه الكثير، ولا زلت أعجب بعصامية هذا الرجل العملاق، من محولجي بالسكة حديد لمحرر بالطليعة و الصراحه والصحافه والاضواء ، ثم اعلامي يشار له بالبنان في لندن و مستشارا مقربا لدى السيد محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع الوطني الديمقراطي و رئيس الحزب الاتحادي؛ و كان الأنس يطيب تماما عندما يجتمع الأستاذان محمد الحسن و الطيب صالح، و كثيرا ما جالستهما بلندن و توثقت عرى المودة بيننا، و اذا بالموت يخطف محمد الحسن و يتركنا كالأيتام، بينما كنا نمني النفس بعودة الحياة سيرتها الأولى بالسودان و بانجلاء الغمة و بزوغ شمس الحرية لنرى أمثال المرحوم في قيادة المؤسسة الاعلامية، ليعود اليها الحجى و الموضوعية و الرزانة و السلاسة و الرصانة، و تختفي منها الركاكة و السوقية الراهنة.
لقد ذهب عنا عالم كامل من الصحفيين المثقفين العصاميين، محمد أحمد السلمابي و عبدالله رجب و أخيرا محمد الحسن أحمد، رهط من الجهابذة الذين علموا أنفسهم بأنفسهم و أصبحوا معلمين رواد بل معالم بارزة في تاريخ السودان. ألا رحم الله الفقيد محمد الحسن أحمد و جعل الجنة مثواه بين الصديقين و الشهداء.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة