ماهي دلالات أزمة النظام الرأسمالي العالمي الراهنة؟
يقلم: تاج السر عثمان
دخل النظام الرأسمالي العالمي في المرحلة الراهنة، في ازمة عميقة، فماهي أهم مظاهر هذه الازمة؟
1. اصبحت مراكز العالم الرأسمالي المهيمنة على الاقتصاد العالمي تتكون من : امريكا ، اليابان ، أوربا ، وادوات هذه المراكز هي : منظمة التجارة العالمية التى تقدم الحماية لاحتكارات المراكز . كما يمثل صندوق النقد الدولي السلطة النقدية ، والبنك الدولي السلطة التنفيذية لمجموعة الثمانية الكبار (G8) . وبلعب حلف الاطلسي الدور السياسي والعسكري ، اما امريكا فتمثل الرقيب العسكري على العالم .
2- كما أن من أهم سمات الرأسمالية المعاصرة اعادة انتاج الفقر على سبيل المثال : 1,3 مليار شخص في العالم لايتعدى دخلهم دولار واحد في اليوم ولايحصلون على مياه صالحة للشرب ولا على الحدود الدنيا من العلاج . 850 مليون من الاميين ، 800 مليون يعانون من سوء التغذية . 210 مليون طفل في العالم يتم استغلال قوة عملهم . تدهور الوضع البيئي في العالم الناتج من من ازمة نمط الانتاج الرأسمالي الذي يهدف لتحقيق أقصى قدر من الارباح لرأس المال .
3- كما أن من افرازات الرأسمالية المعاصرة ( العولمة ) : الديون على الدول الفقيرة ، التهديد بالاسلحة النووية ، الاحتلال المباشر للبلدان ( العراق بهدف النفط ... الخ ) ، بيع الاعضاء البشرية (اسبيرات بشرية) ، شبكات الدعارة الكبيرة للنساء والاطفال ، تجارة المخدرات ، غسيل الاموال ، انتشار وتفشى ظاهرة الفساد ... الخ .
4- كما ان من سمات الرأسمالية المعاصرة سيطرة الشركات العابرة للقارات على ثلث الاصول الانتاجية في العالم على سبيل المثال : في الفترة 1982 – 1992 ، كان نصيب اكبر 200 شركة عالمية يصل الى 26,8 % من الناتج العالمي بايرادات تصل الى تريليون دولار ( تقرير الاونكتاد 1993 ) ، هناك 20 % من دول العالم تستحوذ على 85 % من الناتج العالمي وعلى 84 % من التجارة العالمية ويمتلك سكانها 85 % من مجموع المدخرات العالمية ( فخ العولمة : 1998 ، ص 11 ) .
5-كما أن من نتائج العولمة تصفية مكتسبات العاملين والفئات الوسطى وزيادة البطالة وانخفاض الاجور وتدهور مستويات الخدمات الاجتماعية التى تقدمها الدولة واطلاق آليات السوق ، وابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط والاقتصاد وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين المواطنين . كما اصبحت الزراعة في مراكز العالم الرأسمالي والتى تعتمد على منجزات الثورة العلمية والهندسة الوراثية تقف حجرة عثرة في تطور القطاع الزراعي في البلدان النامية ، وبالتالى تعمل الزراعة الرأسمالية على استبعاد حوالى 3 مليار من المزارعين من الزراعة المعيشية ( التقليدية ) وتضيفهم الى جيش البطالة . كما اصبح الخيار العسكرى من قبل الولايات المتحدة يهدد جميع الشعوب .
وتجئ الازمة الأخيرة التي يشهدها الاقتصاد الرأسمالي العالمي لتؤكد فشل فكرة تحرير الاسواق، وعدم تدخل الدولة لحماية المواطنين، فنجد أن الدولة في امريكا تدخلت لدعم شركتين تعملان في المجال العقاري بمبلغ 200 مليار دولار، كما تدخلت لدعم شركة التأمين العامة بمبلغ 85 مليار دولار مما يعني عمليا وضع يد الحكومة عليها، وذلك خوفا من الانهيار وتعميق الأزمة، وبالتالي ، تكون الادارة الامريكية عمليا قد تخلت عن شعار ايديولوجية تحرير السوق، ورجعت الي التاميم وتدخل الدولة، رغم انه تدخل لحماية الرأسماليين، وهذا يطرح من جديد ضرورة تدخل الدولة وحمايتها للمواطنين من انفلات السوق، ودعم الدولة لخدمات التعليم والصحة ودعم السلع والاحتياجات الأساسية للمواطنين.
هذا وقد لعبت التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا دورا كبيرا في توفير احتياجات المواطنين الأساسية مثل: الحق في التعليم والصحة والسكن وحماية الامومة والطفولة، والضمان الاجتماعي، وكان لتلك الانجازات رد فعلها في الدول الرأسمالية حيث تدخلت الدولة ووفرت للمواطنين احتياجاتهم الأساسية خوفا من تأثير التجربة السوفيتية، كما ظهرت دولة الرفاه في البلدان الاسكندنافية.
وبعد انهيار التجارب الاشتراكية تراجعت الدول الراسمالية من تلك المكاسب واندفعت في اقتصاد السوق، وسحب الدعم عن الخدمات الاساسية، حتي ارتبطت الرأسمالية في مرحلة العولمة، برفع يد الدولة عن توفير الخدمات الاساسية لمواطنين والخصخصة واقتصاد السوق، وظهرت ايديولوجية نهاية التاريخ التي بشر بها فوكوياما، والتي تراجع عنها، والتي صورت النظام الرأسمالي وكأنه نهاية التاريخ، والواقع يؤكد أن النظام الرأسمالي مهما تطورت اشكال وأساليب عملة ألا انه سيظل مرحلة عابرة في التاريخ.
واستمرت أزمات النظام الرأسمالي مثل: ازمة ديون المصارف في امريكا اللاتينية في الثمانينيات من القرن الماضي، والازمة المالية التي ضربت النمور الآسيوية في العقد الماضي، ورغم جهود مراكز العالم الرأسمالي ممثلة في:الولايات المتحدة، اوربا، اليابان لكي لاتصل الازمة اليها، الا أن الازمة الاخيرة دخلت(حوش ) امريكا نفسها مما اضطرها لتدخل الدولة، ومؤكد ان دولا اخري مثل بريطانيا وفرنسا سوف تحذو حذوها.
واخيرا، اذا كانت الدولة في امريكا تتدخل لحماية المواطن، فما بال نظام الانقاذ في السودان الذي سحب الدعم عن كل الخدمات الاساسية وفرض الخصخصة ونظام السوق وتشريد العاملين حتي اصبحت نسبة الفقر 95%، ورغم ارتفاع اسعار النفط عالميا الا أن المواطن لايحس بها في دعم الزراعة والصناعة وخدمات التعليم والصحة والمياه والكهرباء. ورغم انخفاض اسعار القمح عالميا، الا ان الحكومة لاتنتهز هذه السانحة وتخفض سعر القمح والخبز ممايخفف الأعباء المعيشية للمواطن.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة