بسم الله الرحمن الرحيم
سفر البن ... دقّ و حريق! 23/9/2008
الفاضل عباس محمد علي
عندما خرج الأستاذ فتحي شيلا من الخرطوم ليلحق بقيادة الحزب الاتحادي بقاهرة المعز عام 1997(تقريبا)، أصرّ بعض الاتحاديين المقيمين بالخليج أنه غواصة مدسوسة من نظام الأنقاذ للتجسّس على المعارضة،وكانوا يستدلون على ذلك بعدة شواهد مثل علاقته بالشخصيات الانقاذية النوبية المتنفذة، مثل وزير الداخلية الذي كان في وداعه بالمطار، و مثل النعيم الذي تقلب فيه منذ ان وطئت أقدامه أرض مصر بينما كان المعارضون فيها يقتسمون صحن الفول الغير مصلّح و يفترشون الثرى و يكتوون بنيران المخابرات في البلد المضيف المتأسّى بقول أبي الطيب:(جوعان يأكل من زادي و يمسكني لكي يقال عظيم الشأن مقصود).
و قد تصلّب اولئك الاتحاديون بدبي في موقفهم و دخلوا في تكتل قوي و ذى دوي سرعان ما انسلخ عن الحزب كلية بسبب هذا الموضوع، و منهم الرئيس الأسبق لاتحاد الطلاب السودانيين بالاسكندرية،و منهم ابن أحد الزعماء المؤسسين للحركة الاتحادية،و منهم مثقف ثوري معروف كان مديرا لاحدى أكبر المكتبات بمنطقة الخليج،و اّخرون؛ والجدير بالذكر أنهم قبل الانسلاخ كانوا يؤثرون الحوار و المناصحة ، فنقلوا اّراءهم لقيادة الحزب الاتحادي بالخارج التي زارت دولة الامارات في تلك الأيام،و قد كنت شاهدا على ذلك،و كانت التحفظات على فتحي شيلا تتلخص في الاّتي:-
1. هنالك معلومات مؤكدة و موثقّة بأن شيلا على اتصال دائم بالمتنفذين الاسلاميين النوبيين حتى بعد مجيئه للقاهرة،و بأنه يوافيهم بانتظام بأخبار التجمّع و الحزب.
2. و هو أصلا غير مؤهل لاعتلاء المناصب الرفيعة التي تسنمها برئاسة الحزب،و لم يكن سوى معلم بمرحلة الأساس،و لم تكن سيرته مشرفّة بها،و قد دخل في منازعات مع نقابة المعلمين بعطبرة بسبب أموالها التي تناهت الى جيبه.
3. و معروف جدا أنه من الاتحاديين العائدين من الاتحاد الاشتراكي المايوي،ومعروف أن نجمه سطع بسرعة لاسباب مجهوله بعد انتفاضة ابريل 1985 في أوساط الحزب،و على ذلك تم تعيينه واليا لولاية النيل 1986، و معروف جدا أنه تصرف في كوتة السكر الخاصة بولايته،و هذا ما يشهد به زملاؤه من الوزراء الولائيين الاتحاديين ، واشترى لنفسه دارا بقلب الخرطوم لايحلم بها وزير التربيه، وهو معلم ابتدائى بالمعاش.
4. لقد اّن الأوان لكي يعجم الحزب كنانته و يختار من بينها أقوياء الشكيمة و صلبي المراس و ذوي الخلق المستقيم و اليد العفيفة و المهارات العصرية و التعليم الجيد ليتقدموا الصفوف اذا أراد أن يصادم الجبهة القومية الاسلامية.
قدّمت هذه الحجج و غيرها لقيادة الحزب التى أوردت المبررات الاتية للاحتفاظ بشيلا:-
أولا: كل ما سلف قد يكون مدسوسا من الجبهة الاسلاميه للتشكيك في القيادات الاتحادية و لفركشة الحزب و الصيد في الماء العكر.
ثانيا: ليس للحزب و لا التجمّع أسرار يخشى عليها،و كيف نضمن كل الاخرين،لعل فيهم غواصات عديدة أخرى.
ثالثا: الاستاذ شيلا ذو علاقات واسعة بالعاملين في قصور الأمراء و الشيوخ بمنطقة الخليج و السعودية بحكم وشائجه الاثنية،و لقد نحتاج لهذا الأمر في يوم من الأيام.
و لقد اقتنعت بهذه التبريرات كمن يتجرّع سما كما قال الخميني حينما أجبرته الظروف على ابرام الصلح مع صدام حسين بعد حرب الثمانية سنوات بين ايران و العراق بالثمانينات ؛أما رفاقى الاخرون فقد غادروا صفوف الحزب، و كان ذلك ثاني انقسام يشهده الحزب و هو يستجمع أطرافه للنضال ضد نظام الانقاذ بعد انقسام جماعة الأمانة العامة التي تزعمها الراحل الشريف زين العابدين الهندي.
بيد أن الشواهد ما انفكت تتوالى بعد ذلك مشيرة الى أن الاستاذ شيلا أقرب الى كونه أفنديا مدلّلا بسكرتارية الحزب و ليس مناضلا يحسب له أي حساب، فلم يساهم بالكتابة في الجرائد الا بعد أن عاد للسودان قبل عامين، و لم يفصح عن أي تكتيكات أو استراتيجية يريد بها أن يتصدى للمعركة، و لم يفلح في استقطاب شخص واحد لصالح حزبه أو للمعارضة، و لم يتخلّ عن عاداته البرجوازية الانصرافية و دعة العيش أينما حل، في القاهرة أو جدة أو الخليج، من كركرة الشيشة اناء الليل و أطراف النهار و الشوبنق خاصة في حوانيت الأقمشة الفاخرة، و الليالي المخملية، بل كان هو و ابنه المعارضين الوحيدين الذين يقودون سيارات خاصة في القاهرة، و قد أعلن في احدى زياراته للخليج و على رؤوس الأشهاد أنه لا يزور أي مدينة في العالم الا و يفصّل فيها بدلة أو بدلتين جديدتين.
هكذا، و بانسلاخ فتحي شيلا عن الحزب الاتحادي أخيرا تصدق كل الدعاوى التي تمسك بها جماعة دبي و تركوا الحزب بسببها، فالعود لا يقول طق اذا لم يكن به شق؛ و السبب في كل ذلك باجماع المراقبين هوضعف المؤسسية التي من المفترض أن يفرز الكادر بواسطتها، و يتم تصعيده بناءا على أحكامها، و يكون قابلا للمساءلة و التغيير في أي لحظة. و لربما يتذرّع الحزب بظروف النضال و المصاعب اللوجستية في عقد المؤتمرات الحزبية و الملاحقات الأمنية الذي شهدتها سنوات التسعينات الساخنة ؛ و لكن ليس هنالك أي مبرر يبيح التساهل في الدفع للقيادة بشخصيات مثل شيلا لم يتم فحصها جيدا و لم تجرّب من قبل في أي منعطف نضالي و ليست لديها أي مؤهلات الا التقرّب من الزعماء و تكسير الثلج هنا و هناك، و اجادة لعبة العلاقات العامة.
و أزمة الكادر القيادي هي أزمة تواجهها كل الاحزاب السودانية، و ليس الحزب الاتحادي الديمقراطي وحده، اذا أن الترفيع لا يتم بموجب عطاء الكادر و مبادراته و جدواه للحزب و مقدرته على الحركة و على استبطان فلسفة الحزب و رؤاه و عكسها في السر و العلن، و الكاريزمية و الشعبية، و لكنه يتم بموجب المقدرات الفهلوانية و المزايدة و اللف و الدوران؛ و ما يكاد مثل هؤلاء يتقلّد منصبا في القيادة حتى يتسمّر فيه الى أبد الابدين.
ألا نرى الديمقراطيات الناجحة في العالم، في الهند و اليابان و كوريا الجنوبية و تركيا، اذا لم نتكلم عن فرنسا و بريطانيا و الولايات المتحدة؟ ألا نلاحظ ما تدفع به أحزابها من قيادات جديدة شابة كل أربع أو خمس سنوات؟ بينما ندفع نحن بمثل فتحي شيلا و بعد عشرين سنة نكتشف أنه معطوب من الأساس و مهترئ المبتدأ والخبر و متعدد الثقوب.
و من ناحية أخرى، اذا وجدت حكومة الانقاذ ما يبرّر حملتها لاضعاف الخصم في التسعينات، وما استخدمت انئذ من أساليبها المعروفة مثل فرق تسد، واستقطاب الكوادر المعارضة بالقوة الجاذبة للدراهم النفطية، فان مثل هذه التكتيكات لا تصلح الان، اذا كانت جادة في انفاذ اتفاقية نيفاشا وبيت القصيد فيها (التحول الديمقراطي)، فلن تكون هناك ديمقراطية اذا لم تكن سداتها ولحمتها الأحزاب المتعددة والمتنوعة واللوبيات والنقابات و هلمجرا؛ أما اذا أرادت الحكومة أن تصبّ كل الشعب و البلد في بوتقة واحدة على غرار الاتحاد الاشتراكي فانها ستذهب كما ذهب الاتحاد الاشتراكي؛ و ليتها لم تسعد بانضمام امثال فتحي شيلا الى صفوفها لأن الذّي بدأ السقوط لا يتوقف الا عندما يصل الى القاع السحيق..... و ليتها تترك الأحزاب و شأنها، و ليتها تدرك أن الأيام دول و أن حواء ولودة و خصبة، و أن أهل السودان قد ذاقوا مرارة العشرين سنة الماضية تحت وطأة الاسلاميين الذين أسموا أنفسهم باخرة المؤتمر الوطني، و من حقهم أن يجربوا اخرين من أبناء الشعب السوداني.
و حيث أن الجميع يتحدثون عن الانتخابات الوشيكة، و الجميع يحبّذون قيامها في موعدها المضروب حسب اتفاقية نيفاشا، فكيف ستتم و هنالك حزب ذو أنياب بالسلطة، و جميع الامكانيات تحت تصرفه، و الاحزاب الأخرى تتعرض للنهش و القضم والضرب تحت الحزام و الحملات الاعلامية الجائرة. ان الديمقراطية تستلزم وجود معارضة محترمة و قوية و غير قابلة للتفتيت؛ و حتى لو يرى المؤتمر الوطني نفسه مستمرا في حكم البلاد بعد الانتخابات، خير له و للوطن أن تكون هنالك معارضة مسؤولة تساعد على الشفافية و اكتشاف الثغرات و كيفية سدها و تصحيح المسار؛ و هكذا الديمقراطيات الناجحة في جميع أصقاع الدنيا؛ فالحكومة قضاء جالس و المعارضة قضاء و اقف، هذا اذا افترضنا حسن النيه فى النظام بناءاعلى ابرامه لاتفاقيه نيفاشا.
ان استقطاب فتحي شيلا و مجموعته لصفوف المؤتمر الوطني تخريب لن يجدي فتيلا، و هم بدورهم كالمنبت لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى، و لن يستفيد المؤتمر الوطني منهم شيئا، مثلما لم يكن لهم أثر طوال تواجدهم بالحركة الاتحادية و لم يتركوا بها فراغا مأسوفا عليه بذهابهم مدفوع الأجر؛ و لقد أراد الله خيرا بالحزب الاتحادي لأن الذي تساقط عنه هي الأوراق البالية العجفاء، و لربما يساعده ذلك على تدارك أوضاعه التنظيمية و تكريب المنظومه القيادية و الدفع بالعناصر الوطنية بحق و حقيق نحو مواقع الكادر المسؤول و تجديد الدماء في عروقه، أما الزبد فيذهب جفاءا و يبقى في الأرض ما ينفع الناس. والسلام؟
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة