الامبريالية المالية 1-3
لم يكن ما يشهده العالم منذ العام الماضي من ازمات اقتصادية متلاحقة ازمة للرهن العقاري و انما ازمة شاملة للنظام الراسمالي العالمي بتوجهه الليبرالي الجديد و بايدلوجية العولمة الحاملة للكثير من تأثيرات الماحفظين الجدد. و هاكم بعض الشواهد علي ذلك و التي من اولها انهيار محادثات منظمة التجارة العالمية و عدم القدرة علي اكمال اتفاقيات الدوحة المبرمة في العام 2001 والتي كان يجب ان تكتمل بحلول العام 2005 و لكن ذلك لم يتم حتي اليوم . ابعد من ذلك فان الهوة تتسع بين الدول الراسمالية الكبري و بين الدول النامية بما فيها دول مثل الصين و الهند و البرازيل و جنوب افريقيا و غيرها. من الشواهد ايضا انهيار فكرة السوق العالمية الواحدة التي تشكل عنصرا أساسيا للعولمة الاقتصادية. يضاف لذلك فشل سياسات الخصخصة و تحرير التجارة الخارجية و الاعتماد علي نظام السوق لتحقيق النمو الاقتصادي , فبدلا عن النمو و الرفاهية فان العالم يشهد اتساع متزايدا للازمات و انهيارا متلاحق للاسواق كما اتسعت الهوة بين الاغنياء و الفقراء بشكل غير مسبوق حتي في الدول الراسمالية الكبري اضافة لاتساع الفقر و ازدياد الغلاء و ارتفاع تكاليف المعيشة و ارتفاع اسعار الغذاء بشكل مأساوي. من الشواهد الكبري علي انهزام ايدلوجية العولمة الداعية للتحرير و الانفتاح و عدم تدخل الدولة في الاقتصاد هو تزايد تدخل الدولة في العملية الاقتصادية بشكل معلن بل ان الحكومات في الدول الرأسمالية الكبري اصبحت ُتنتخب من اجل التدخل في الاقتصاد و ضبط الاسواق. دعونا لا نذهب بعيدا و نأخذ المثال من الدولة العظمي و اكبر اقتصاد في العالم أي الولايات المتحدة الاميركية لنري ماذا فعلت بعد ازمة الرهن العقاري التي قامت بتصديرها الي الاسواق العالمية لتجرها الي درك سحيق لم يشهد العالم مثيلا له منذ الكساد العظيم في الاعوام 1929 الي 1933م.
لقد تدخلت الولايات المتحدة لانقاذ عملاقي التمويل العقاري فريدي ماك و فاني ماي و فعلت ذلك من المال العام و ليس خصما علي ارباح المساهمين مما دفع الي استخدام مصطلح جديد هو (خصخصة الارباح و عمعمة المخاطر). أي ان المساهمين يجنون الارباح بينما تعالج المخاطر و الخسائر خصما علي المال العام و علي حساب دافعي الضرائب. لم يقف الامر عند ذلك الحد فبعد الانهيار الكبير للاسواق الاسبوع الماضي و الذي قدرت خسائره بترليونات الدولارات و بعد تزعزع النظم المصرفية الراسمالية و انهيار بنك ليهمان براذرز رابع اكبر بنك استثماري في امريكا تدخلت الحكومة لانقاذ واحدة من اكبر شركات التأمين في امريكا (A.I.G) مانحة اياها 84 مليار دولار امريكي كقرض للانقاذ و التماسك منعا لحدوث انهيار شامل للسواق المالية.
الامبريالية المالية 2-3
لقد دفعت الازمات المتلاحقة في اسواق المال و التي قدرت خسائرها منذ بداية العام الحالي 2008م بحوالي 11 ترليون دولار دفعت بمدير صندوق النقد الدولي ستراوس كان الي التصريح بان العالم غارق بين ثلوج الكساد و نيران التضخم و اضاف ان ليس بامكان احد القول بان درجة حرارة الاقتصاد العالمي عادية. تلك النظرة القاتمة لوضع الاقتصاد الدولي لا تتوقف فقط عند مدير صندوق النقد الدولي و انما يشاركه في ذلك عدد كبير من الاقتصاديين و المحللين و الخبراء من مختلف المدارس الفكرية الاقتصادية و منهم علي سبيل المثال الان جرينسبان المدير السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في فترة شهدت ازدهارا كبيرا للاقتصاد الامريكي. يقول السيد جرينسبان بان الازمة الراهنة للاسواق المالية هي الاسوأ منذ قرن من الزمان و هي تستعيد مشهد الكساد العظيم في القرن السابق التي ادت الي ان يفقد الاقتصاد الامريكي اكثر من ربع قيمته و دفعت الملايين من العمال الي البطالة و العديد من الشركات الي الافلاس. ترتب علي الكساد القديم نتائج حاسمة و تاريخية في السياسة و الاقتصاد و الاجتماع من اهمها التمهيد الي استيلاء النازية و الفاشية في العالم علي السلطة في دول مؤثرة مما دفع الي الحرب العالمية الثانية . اما علي الصعيد الاقتصادي فقد جاءات نظريات العالم الاقتصادي الامريكي جون مينارد كينز الداعية الي تدخل الدولة في الاقتصاد و الي دخول نظرية السلع و الخدمات الاجتماعية و التوفير العام الي الممارسة العملية كما قاد الكساد العظيم المجتمعات الي الفقر و التطرف و اليأس مما دفع بطبقات واسعة للاندفاع نحو التطرف و تأييد المد النازي - الفاشي.
بعد دخول نظريات المحافظون الجد و المدرسة النقدية الخارجة عن مدرسة شيكاغو بقيادة ميلتون فريدمان اختلفت الاشياء و اصبحت الدعوات تصب في مصلحة التحرير الاقتصادي و فاعلية اقتصاد السوق و عدم تدخل الدولة في الاقتصاد و قد تم تبني افكار مدرسة شيكاغو في الولايات المتحدة خاصة مع صعود المد اليميني و وصول رونالد ريجان الي السلطة الي حين وصول جورج دبليو بوش الابن ليتولي زمام القيادة في البيت الابيض في الفترة التالية لانهيار الاتحاد السوفيتي و صولا الي الازمة الحادة الراهنة التي تعصف بالاقتصاد العالمي. لقد دانت السيطرة في عالم اليوم للاقتصاد المالي الوهمي الورقي المعتمد علي اصدار و تداول الاوراق المالية و الديون و المضاربة فيها بلا ضوابط. لقد أفادت اخر احصائيات الاسواق العالمية الي ان الاقتصاد المنتج في الزراعة و الصناعة و الخدمات المرطبة بهما يشكل حوالي 48 ترليون دولار بينما يشكل حجم الاقتصادي المالي في الاصول المورقة اكثر من 144 ترليون دولار.
الامبريالية المالية 3-3
لقد اشار البروفيسر في جامعة كاليفورنيا الامريكية الحاصل علي جائزة نوبل في الاقتصاد دانيال ماك فادن الي ان المصارف و المؤسسات المالية تتحمل مسئولية مباشرة في الازمة الراهنة بسبب تقاعسها عن السلامة المصرفية و صحة المعلومات عن العملاء و المتعاملين بمستوياتهم المختلفة و وجد ان ذلك يتعارض مع المباديء الاولية ل " كفاءة الاسواق " التي تعتبر واحدة من المقولات الرئيسية للنظرية الاقتصادية الراسمالية. هنالك المئات من الاتهامات الموجهة لإدارات الاسواق المالية و المصارف و المؤسسات المالية الاخري في مختلف الدول الرأسمالية و تصب تلك الاتهامات في خانة التركيز علي القروض السهلة و اهمال التمويل لقطاع الاعمال خاصة الصناعة و الزراعة و فساد السياسات المالية و الافراط في تقديم الائتمان المصرفي بلا حدود و لا ضمانات. لقد وصل الحد بدعوة كبار منظري الفكر الاقتصادي الراسمالي مثل البروفيسر جوزيف ستيجلتز من جامعة كولمبيا الامريكية و الحائز بدوره علي جائزة نوبل في الاقتصاد الي وضع نظام مالي جديد تقتصر فيه حدود المغامرة و المقامرة بالاموال علي الامكانيات الفعلية المتاحة لاسواق المال مؤكدا ان مايجري حاليا ليس ازمة للرهن العقاري فقط و انما يرتبط ايضا بالتوسع في الاقتراض بمختلف اشكاله خارج نطاق الامان و التحوط اللازم و هو ما يعكس السمات الاساسية للازمات المالية المتتابعة. جاءات تلك الافكار علي خلفية الانتقادات الواسعة لافكار و نظريات اليمين الامريكي المتطرف بقيادة الادارة الامريكية الحالية و سياساتها الداخلية و الخارجية . في ذلك الاطار اعتبر الكثير من الاقتصاديين ان صناديق المخاطر المالية (او صناديق الوفاء) (Hedge Funds ) " هيدج فاندز" قد تنبأت بحدة الازمة المالية العالمية و بانها تثبت ان تصرفات المؤسسات المالية و المصرفية قد تجاوزت حدود قدراتها المالية الفعلية و ما تحوزه من اموال وما يمكن ان يتاح لها عبراسواق المال و وصلت الي حد المقامرة بالاموال العامة مما تسبب في ضخامة الخسائر.
اذا كان الكساد العظيم قد انتج انظمة سياسية و نظريات اقتصادية جديدة فان الازمة المالية العالمية الراهنة في ظل سطوة الراسمالية المالية تطرق علي ابواب العالم بحدة للبحث عن حل اخر بعيدا عن الافكار الراسمالية النمطية للاقتصاد الراسمالي الغربي و البحث عن أراء جديدة مغايرة لرؤية المحافظين الجدد. اذا كان الكثير من المنظرين و المفكرين قد راهنوا علي سيادة النمط الاقتصادي الغربي و انتصاره بشكل حاسم و بانه يشكل برؤيته اللبرالية الجديدة نهاية للتاريخ فان الازمات الطاحنة الحالية التي تخنق الاقتصادي العالمي تثبت العكس و تدعو الي ابتداع نظريات جديدة تخلص العالم من الفقر و التفاوت المتزايد بين الاغنياء و الفقراء و سيطرة نخبة محدودة علي مقاليد اتخاذ القرار الاقتصادي و استحواذها علي المكاسب الخاصة و تسخير الموارد العامة لخدمة مصالحها . ان الرأسماية لم تعطي الحل لمشاكل العالم كما ان سيطرة الامبريالية المالية علي اقتصاد العالم تقوده بخطي متسارعة نحو الانهيار التام و هنا يجب التجرؤ باعلان ان"الراسمالية ليست هي الحل ". و لكن ما هو الحل؟ هذا ما يجب البحث عنه.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة