حوار مع الدكتور حيدر إبراهيم
جمال عنقرة
الحديث الذي قدمه الدكتور حيدر إبراهيم مدير مركز الدراسات السودانية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية حول قضايا الحكم في السودان حوي رؤي ومفاهيم جديرة بالحوار والمناقشة لا سيما مدخل الحديث الذي اشتمل علي مداخل فهم الأوضاع في بلادنا، وهي أوضاع كما تعلمون شديدة التعقيد. ورغم أني أتفق مع الأخ الدكتور حيدر في كثير مما خلص إليه من نتائج لقراءة الواقع السياسي السوداني، إلا أن هناك ملاحظات لا بد منها حول بعض تفسيراته وقراءاته.
لقد تحدث عما أسماه انشطارية في الحياة السودانية، وقدم لذلك نماذج مشهودة، وكان من الممكن أن تكون كل المستخلصات مقبولة لو أن السودان دولة ظلت موحدة لقرون مضت ثم اعترتها حالة جديدة جعلتها عرضة للانشطار والتشظي، ولكن الثابت أن الدولة المركزية في السودان لم تبلغ القرنين من الزمان حتي هذه اللحظة. فالدولة الواحدة بدأت مسيرة نشأتها في السودان بحملة محمد علي باشا التى انطلقت في العام 1821م. وأول محاولة حكم مركزي للسودان كانت في عهد الخليفة عبد الله التعايشي خواتيم القرن قبل الماضي.ولذلك فإن طغيان التكوين المحلي علي الانتماء القومى يعتبر أمر طبيعي قراءة مع هذا الواقع التاريخى. ولهذا فإن الأوفق لوصف حالة التمحور القبلي والجهوى في السودان هو تعثر محاولات الانصهار القومى، وليس ارتداداً عن الدولة الوطنية كما بدأ في ظاهر التحليل. فالدولة الوطنية في السودان لم يكتمل تكوينها بعد، ومتغيرات السياسة في بلدنا لم تعن علي اكتمال هذا التكوين.
والإعلاء من شأن المكون المحلي القبلي أو الجهوي أو العنصري لم يكن عامل تفتيت في السودان، وهو بذلك لم يكن من السوالب، وإنما السالب هو ما استحدث من مكاسب لا تنال إلا بالإحتماء بالمكون المحلي،وبروز متاجرين بالإنتماءات الجهوية والقبلية في سوق السياسة السودانية، وهذا هو مكمن الخطر.
القضية الثانية المهمة التي أثارها الدكتور حيدر وتحتاج إلي مناقشة، هي ما أسماه إعلاء الحركة الإسلامية في السودان للإنتماء الأممي لملة الإسلام علي حساب الإنتماء للسودان الوطن. وهذا الوصف أيضاً يحتاج تفسير مظاهره إلي وقفة. فأتفق مع الدكتور حيدر في أن الإنقاذ أولت علاقتها بالحركات الإسلامية والجماعات العاملة في مجال الدعوة والحركة للإسلام إهتماماً كبيراً أول عهدها كان بعضه علي حساب علاقات قومية ووطنية داخلية، إلا أن ذلك كان حالة عارضة تخالف ما دعا إليه الإسلام وتختلف كذلك مع فلسفة الحركة الإسلامية السودانية في الانتماء والعمل. فالله سبحانه وتعالي أمر رسوله الكريم أن ينذر عشيرته الأقربين. وكان خطاب الله للمسلمين في القرآن الكريم (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة....) والرسول صلي الله عليه وسلم عندما اضطره قومه للهجرة من مكة وقف علي أشراف المدينة يخاطبها (انك لأحب بلاد الله إلي نفسي ولولا أن أهلك أخرجوني لما خرجت) أما الحركة الإسلامية السودانية فالمتابع لمسيرتها والقارئ لتاريخها يعلم أن الخلاف الأكبر بينها وبين الحركة العالمية هو أنها رفضت البيعة للمرشد الواحد علي جميع الحركات لتحفظ لنفسها خصوصيتها النابعة من تكوينها ومقامها وتحديات وطنها الذي تعلي من شأن الإنتماء له علي الإنتماء لغيره. ومعلوم أن الدين لا يعارض الوطنية ولا يتعارض معها. وقيام فقه خاص في الصلاة والصيام للذي يخرج من وطنه دليل علي تقييم الإسلام للوطن والمواطنة. وموالاة الحركة أول عهد حكمها الإنقاذي للجماعات الإسلامية كان بحثاً عن عصبة للإنتماء بعد أن تمترست أحزاب الداخل وحكومات الخارج كلها ضدها، وهنا يعيننا موقف الإنقاذ من النظام العراقي بقيادة الرئيس الراحل صدام حسين. فالعراق وحكومتها وحزب بعثها وحدهم الذين وقفوا مع الإنقاذ موحدة دون أن يفعلوا ما فعله آخرون لم تكن لهم الخارطة واضحة، اشترطوا علي العسكريين الإبتعاد عن السياسيين الإسلاميين.ولهذا نقول أن الموقف الانقاذي من العراق وحكومته البعثية ورئيسه صدام حسين كان موقف وفاء واخلاص وليس موقفاً عقائدياً.ومعلوم العداء الذي كان بين الحركة الإسلامية السودانية وحزب البعث حتي خواتيم عهد الحزبية الثالثة في السودان.
وتبقي قراءة الدكتور حيدر إبراهيم التاريخية لمجريات الأحداث في السودان التي قدمها في هذه الندوة واحدة من المساهمات المقدرة التي يقدمها الرجل، ويمتاز بها علي كثيرين غيره لا يعودون بالظواهر إلي أصولها، فيطغي الموقف الشخصي علي التحليل العلمى. ولكن يحمد للدكتور إبراهيم هذا المنهج الذي يلتزم به في كل كتاباته وأحاديثه ــ اختلف الناس مع أو اتفقوا ــ فهو يقدم منهجاً يعين علي الحوار، فلو اختلف المرء معه يكون خلافه علي أسس، ولو اتفق معه يكون الاتفاق أيضاً علي أسس واضحة.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة