محكمة الجنايات الدولية
جذور الأزمة – التضليل – الحل
مقدمة لابد منها ...
هذه المقالة غير مخصصة لمناقشة صحيفة الاتهامات التي أعلنها مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس الجمهورية – بشكل مباشر – ولكنها تعمل على تسليط بعض الضوء على ردة فعل الحكومة وحزبها الحاكم على إعلان المدعي العام وتحاول فضح الخطاب الذي اعتمدته في حملتها المخططة المضادة لاتهامات المدعي العام بتركيز على كشف العملية التضليلية الكبرى التي مثلت العمود الفقري لخطابها وحملتها المخططة تلك – ولئن كان آخر ما اتهمت به حكومة الجبهة هو جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية ... الخ فإن حكومة الجبهة قدمت الدليل المادي والملموس منذ انقلابها عام 89 على أنها كانت تسير في هذا الطريق لا غيره – فعلاً لا قولاً – تناقش هذه المقالة كنماذج وبتلخيص
أولاً : إن الانقلاب الذي قادته الجبهة الإسلامية لم يكتفي بالاستيلاء على السلطة وإنما تواصل ليكون انقلاباً اجتماعياً واقتصادياً وقانونياً وثقافياً عقائدياً – كان ومازال – العنف الجسدي والإرهاب الفكري والروحي – أداته الرئيسية .
ثانياً : إن الحكومة - وبدوافع فرض السيطرة السياسية والثقافية – أدارت حرب الجنوب لستة عشر عاماً منذ 89 – 2005 – بلا ضرورة .
ثالثاً : أنها فشلت في القيام بمسؤولياتها كحكومة وفاقمت سياساتها العسكرية الأزمة في دارفور منذ تراكماتها الأولى وحتى اليوم .
- هذه النماذج الثلاثة تعكس ثقافة العنف التي اعتمدتها الحكومة في إدارتها للبلاد لتسعة عشر عاماً أوصلت البلاد إلى حالة من التفكك والتشظي صار السودان الواحد الموحد معها على كف عفريت وصارت هي وحزبها وقادتها متهمون جنائياً بإبادة شعبهم أمام المحكمة الجنائية الدولية.
1- فما هي العناصر أو الفصول والأهداف التي خططوا لها لتشكل مسرحية ردة فعلهم على اتهامات محكمة الجنايات .
2- وما هو المخرج – ليس من أزمتهم – ولكن من أزمة السودان التي حشروه فيها .
3- وما هو السؤال الأكثر عناداً من المسرحية والتضليل .
4- وهل لحكومة الجبهة الحق في الحديث عن السيادة الوطنية .
5- وهل سياسة الكيل بمكيالين صفة لا أخلاقية أمريكية فقط – أم أن حكومة الجبهة تشاركها مناصفة فيها .
6- لماذا لم يطرحوا بديلاً جاداً لمحكمة الجنايات .
7- أهلية القضاء السوداني وترهات وزير العدل .
8- مطامح الدول الغربية – بعيداً عن التضليل .
ونبدأ بما ابتدروا به حملتهم المضادة لإعلان مدعي عام محكمة الجنايات وقولهم أن الولايات المتحدة ساءها توافق حزب الجبهة والحركة الشعبية في نيفاشا وتوقيعهما لاتفاقية السلام فأشعلت الحرب في دارفور لوقف مساعي الحكومة لحل مشكلة دارفور وتنمية الإقليم .
هذا الكلام ينطوي على قدر هائل من المغالطات والتناقض والتضليل . فالكل يعلم أنه لولا الضغوط التي مارستها أمريكا والدول الأوروبية لما أمكن الوصول لعقد اتفاقية نيفاشا – واعتُمِدتْ هذه الدول وللدور الرئيسي الذي لعبته في عقد الاتفاقية اعتُمدت في صلب الاتفاقية كدول ضامنية لتنفيذ بنودها – وبالتالي فإن القول بأنها كانت مستاءة لعقد اتفاق نيفاشا يناقض الواقع ، كما وأن إقرار هذه الحقيقة لا يعني أن هذه الدول فعلت ما فعلت رأفة بالسودان وشعبه ، أو أنها كانت مهمومة بهموم وحدته وتنميته ومستقبله بقدر ما يعني أن حساباتها الدقيقة لمصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية .... الخ في ذلك الوقت أشارت عليها بأنها تحتاج للسلام وبالصيغة التي عملت على بلورتها به في الاتفاق كوضع أنسب مما كانت تتيحه لها ظروف الحرب .
أما الحديث عن أن أمريكا والدول الأوروبية انتقلت لدعم حركات التمرد في دارفور – وإن كان ينطوي على جزء من الحقيقة - فالثابت أنها دعمت بشكل واضح الحركات المسلحة هناك ووفرت لها المنابر لمخاطبة العالم وتعريفه بالكارثة الإنسانية هناك كما وتوجد بينات قوية على أنها قدمت لها الملاذ والدعم المالي والعسكري . ولكن ذلك لا يشرح إلا ما أرادت حكومة الجبهة شرحه ولفت الأنظار نحوه وفي ذات الوقت إبعاد الأنظار عن حقائق شديدة الأهمية والخطورة ترتبط بتوجهات وثقافة وقصر نظر الحكومة نفسها في إدارتها للسودان كله وأزماته الاجتماعية والسياسية وأزمة دارفور واحدة منها .
أولاً : انقلابها في 89 كان انقلاباً اجتماعياً وسياسياً وقانونياً عقائدياً ادائه العنف .
- حقيقة أن الجبهة الإسلامية استولت على الحكم بالانقلاب العسكري في يونيو 89 لا تنتفي بالتقادم ومعروف أن الانقلاب العسكري هو عمل مسلح ومن أعنف الأساليب لتغيير نظام الحكم إذا استثنينا الحروب الداخلية أو الاحتلال الأجنبي – ومعروف أن قيادة الانقلاب أعلنت في بيانها الأول أنها نفذت انقلابها باسم الجيش كله – وثبت بعد فترة وجيزة أنها كاذبة وأن من نفذ الانقلاب هو خلايا الجبهة الإسلامية داخل الجيش – وقد اعترفوا هم بذلك ( الترابي والبشير وطه ) ... الخ
- قامت الحكومة بإعدام كل الضباط الذين نفذوا انقلاب رمضان 1990 ( أكثر من عشرين ضابطاً).
- قامت بحل كل الأحزاب السياسية والنقابات والروابط وزجت بقياداتها في السجون .
- لم تخلو سجون السودان من معارضيها طيلة عمر هذه الحكومة واستحدثت بيوت الأشباح وأقبية التعذيب.
- صادرت كل حريات التعبير والصحافة والعمل النقابي والسياسي وأصدرت بذلك القوانين التي تبيح لها وحدها هذه الحريات وحرمتها على غيرها - وبذلك احتكرت حكم السودان بكل ما أوتيت من قوة على استعمال العنف والإكراه .
- فرغت جهاز الدولة في كل قطاعاته من غير مؤيديها تحت ذريعة الصالح العام وسرحت بموجبه مئات الآلاف من العمال والموظفين وضباط الجيش والمعلمين والأطباء ووأساتذة الجامعات وضباط الشرطة والأمن والقضاة والزراعيين والاقتصاديين والمهندسين ، وكلهم كان يشهد لهم بالكفاءة والخبرة والنزاهة وصعّدت مؤيديها وآخرين ممن اشترت تأييدهم مقابل الوظائف . فكان من نتيجة ذلك انخفاض أداء جهاز الدولة على كافة مستوياته ووظائفه . ولكنها في المقابل حققت ولاء جهاز الدولة بكامله لحزبها .
- عملت على طرد المستثمرين التقليديين في قطاعات الزراعة ، الصناعة ، التجارة الخارجية والداخلية وذلك عن طريق التضييق عليهم وحرمانهم من الفرص التي كانت متاحة لهم لعشرات السنين وقامت بتمويل عناصرها عبر قروض بنوكها وأدخلتهم في كل هذه المجالات وفرضتهم محل المستثمرين التقليدين – كل ذلك تم بقوانين ولوائح فُصلت على مقاس منسوبيهم .
- قامت بتوزيع الأراضي الزراعية والتجارية والسكنية على قاعدة التمييز نفسها بين مؤيديها وبقية فئات الشعب .
- وكان منسوبيها هم المستفيد الأول من سياسات التخصيص وبيع مشروعات القطاع العام .
- فالخلاصة الهامة التي يمكن استخلاصها من النماذج المتواضعة التي ذكرناها هي أن توجهات وسياسات وثقافة الجبهة الإسلامية والتي نفذتها بالعنف المفرط خلقت حالة من الردة الحضارية الحقيقية شملت كل مناحي الحياة السياسية ، والاجتماعية ، والمعيشية وفي المقابل فرضت بسياسات التمكين التي انتهجتها منسوبيها فرضاً على أعلى درجات السلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .
واحتكرت السلطة والقرار وحدها وناصبت غيرها في كل جهات السودان العداء ما خلق حالة من الاحتقان والغبن الاجتماعي والسياسي في الجنوب والغرب والشرق والشمال .
- وأخيراً فإن ملف الحريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية هذا يحتاج الإمساك به إلى عمل ضخم لحصر مظاهر إساءة استخدام السلطة السياسية والقانونية والإعلامية والاقتصادية على يد حكومة الجبهة خلال احتكارها للحكم – مصحوباً بعنف وإرهاب جسدي وفكري وروحي غاية في الإفراط لم يشهد له السودان مثيلاً في تاريخه الحديث .
ثانياً : مواصلتها لحرب الجنوب لستة عشر عاماً بلا ضروره ...
- أدارت حربها في الجنوب منذ يونيو عام 89 وحتى مايو 2005 – وكانت حينها اتفاقية الميرغني قرنق للسلام التي عقدت في نوفمبر 88 حيه تنداح دوائر التوافق حولها بشكل ايجابي وواسع ، قطعت الجبهة طريقها بانقلابها العسكري بعد أن عارضتها على كل المنابر داخل البرلمان وخارجه وأسمتها باتفاقية الاستسلام – حتى أشارت الكثير من التحليلات المرموقة إلى أن إجهاض تلك الاتفاقية كان واحداً من دوافع الانقلاب نفسه، إضافة لقطع الطريق أمام الانتخابات العامة التي كان مقرراً قيامها بعد أقل من عام من تاريخ الانقلاب إضافة لأسباب خارجية وداخلية أخرى .
- إذاً فحكومة حزب الجبهة مسئوله هو مسؤولية مباشرة عن استمرار حرب الجنوب لستة عشر عاماً حتى مايو 2005 ومعروف أن الحرب هي الحل الأكثر عنفاً في إدارة أي أزمة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو تاريخية كما هي عليه حالة مشكلة الجنوب ومشكلة دارفور وكل غرب السودان وشرقه وشماله - ولكن الأجندة الحزبية الضيقة وسيطرة الثقافة العسكرية وثقافة العنف والاستعداد النفسي للتلاعب بشعارات الدين الحنيف كلها كانت وراء استمرار الحرب لستة عشر عاماً في حين كان الحل السلمي متاحاً وينبض بالحياة .
- فكم من الأرواح أزهقت من طرفي الصراع وكم من الثروات القومية أهدرت وكم من الدمار النفسي والروحي ألحق بوجدان وروحانيات شعب السودان نتيجة استمرار حرب حزب الجبهة وليس حرب شمال السودان ضد جنوبه كما كانت تُشيع ، هي حرب استغل فيها حزب واحد جهاز الدولة كله لتحقيق أجندته – وفشل - وأقر بفشله هذا عند توقيعه على اتفاقية السلام في مايو 2005 .
- الحكومة تعمل على مسح هذه الحقائق الحيوية من الذاكرة الاجتماعية وتواصل - بدأب لا يكل - مستخدمه كافة قواها السياسية والدينية وأعلامها التضليلي على نشر أنها من صنع السلام – لا من أدار وخطط ونفذ حرباً كارثية في الجنوب لستة عشر عاماً بلا ضرورة .
ثالثاً : فشلت في أداء دورها كحكومة وفاقمت بسياساتها العسكرية الأزمة في دارفور ...
- تأسيساً يجب أن نذكر أن الحركات السياسية المتمردة المسلحة في دارفور – ولدت في رحم الصراع المسلح بين الحكومة والحركة الشعبية في الجنوب لا في رحم عمليات النهب المسلح في المنطقة كما وصفتها الحكومة لزمن ليس بالقصير – فالنهب المسلح يمكن أن يتطور ليصبح أكثر تنظيماً وحرفية ولكنه يظل نهباً مسلحاً ولا يمكن أن يتطور ليصبح حركات مسلحة ذات مظالم ومطالب اجتماعية وسياسية – فالفرق بين النشاطين اختلاف نوع - وعلى ذلك فإن المسئول عن إدارة واستمرار حرب الجنوب لستة عشر عاماً بلا ضرورة – كما ذكرنا – يتحمل مسئولية خلق البيئة التي انفجر داخلها النزاع المسلح في دارفور .
كما وأنه ليس صعباً الربط بين انعقاد اتفاقية سلام الجنوب في مايو 2005 وتصاعد الأعمال العسكرية للحركات المسلحة في دارفور – فالقارئ الاستراتيجي والحصيف كان عليه أن يتوقع ذلك – ولكن هذا التوقع لا يمكن تأسيسه على الدعم والتشجيع الذي حصلت عليه وتحصل عليه الحركات من أمريكا ودول أوروبا الغربية – رغم حصول هذه الحركات على دعم هذه الدول ورغم أن اتفاقية الجنوب لبت في زاوية ما مها مصالح جزء من هذه الدول لكنها لم تلبي مطامح ومصالح كل الدول الأوربية وأمريكا - حيث أن مصالح دول غرب أوربا وأمريكا ليست متطابقة دائماً بل ومتنافسة في أحيان كثيرة – ولكن هذه القراءة تقوم على قاعدة أن هذه الدول المتربصة وذات المطامح والمصالح والتي دعمت وتدعم الحركات المسلحة في دارفور ما كانت ستجد لها موطئ قدم في دارفور ما لم تكن هناك أزمة ومشكلة داخلية في السودان كله وكانت دارفور اضعف الحلقات في تلك اللحظة – فبالإضافة للغبن والاحتقان الذي استشرى في كل أنحاء السودان وخاصة في أجزاءه الطرفية والناشئ عن تردي مستوى المعيشة والفقر والمرض وانعدام الأمن والتنمية وانشغال الحزب الحاكم بتنمية وتمكين نفسه ومنسوبية طوال الوقت وفشل مشروعه السياسي والاجتماعي بشكل كامل وتهتك النسيج الاجتماعي والروابط الوطنية بشكل عام على يدي النظام - هناك ثلاثة أسباب مباشرة ارتبطت بالتصعيد في أزمة دارفور وهي:-
1- أن الحركات المسلحة في دارفور استشعرت بأن الحكومة لا تصغي لمطالبها ولا تتعامل معها بجدية إلا إذا كانت مدعومة بالعمل المسلح- وقد صرح رئيس الجمهورية في وقت سابق مخاطباً التجمع بأنهم استولوا على الحكم بالسلاح ومن يريد منازعتهم عليه فليأتي بسلاحه ثم أن اتفاقية نيفاشا قطعت بالنسبة للحركات الشك باليقين في تأكيد أن المطالب المدعومة بالعمل المسلح والضغوط الداخلية والخارجية هي التي تنال استجابة الحكومة وتجبرها على تقديم التنازلات .
2- أن الحكومة ظلت حتى تلك اللحظة ولزمن ليس بالقصير قبلها؛ ظلت تنكر وجود مشكلة سياسية واجتماعية أساساً في دارفور كما وظلت تكيل الاتهامات بل والإدانات للحركات المسلحة في كل المنابر المحلية والإقليمية والعالمية تصفها بأنها قطاع طرق وعصابات نهب مسلح كما وأنها في أحسن الأحوال وصفت المشكلة بأنها لا تزيد عن كونها صراعاً تاريخياً بين قبائل رعوية وأخرى زراعية لا دخل لها كحكومة فيها .
هذا الخطاب القاصر والمضلل والكاذب وغير المسئول من جانب الحكومة أفاد الحركات المتمردة هناك ووسع من قاعدتها الشعبية والعسكرية كما وأعطى تلك الحركات الفرصة لإقناع العالم بخطابها ومطالبها وشرعية تمردها خاصة وأن العالم كان بإمكانه دائماً معرفة الحقائق على الأرض من خلال وسائله الخاصة – وبالتالي فإن مجهود الحكومة وخطابها التضليلي أتى عليها بعكس ما كانت تتمنى وتهدف وكان إضافة إلى رصيدها العالمي في عدم الثقة والمصداقية .
3- إن انقسام حزب الجبهة الإسلامية إلى وطني وشعبي – وتحول ولاء أغلب مؤيديها في أوساط قبائل الزغاوة والفور والمساليت إلى الشعبي بتأثير من علي الحاج وآخرين في قيادة الجبهة في الإقليم ووجود قيادات نافذة في أوساط الحركات من منسوبي الشعبي وخاصة في حركة العدل والمساواة – أعطى النزاع بين الحكومة والتي تمثل الوطني والحركات المسلحة وخصوصاً حركة العدل والمساواة بعداً خاصاً كان أقرب لتصفية الأحقاد والخلافات السياسية والحزبية عن طريق الحرب .
وقد استغلت الجبهة جناح الوطني استناد الحركات المتمردة إلى قبائل تصنف بارتباطاتها الأفريقية تمييزاً لها عن القبائل الأخرى التي تصنف تجريداً بالعربية – واستغلت سلبيات العلاقة بين تلك القبائل – رغم وجود ايجابيات أكثر عبر تاريخهما وتعايشهما المشترك في الإقليم ، استغلت هذه السلبيات واستثارت الغرائز القبلية والرواسب والثارات القديمة والحديثة وصوبت كل ذلك تجاه معركة إخضاع تلك الحركات والقبائل التي تسندها فتواطأت مع الجنجويد " مليشيات العرب القبلية " سلحتهم ودعمتهم وأطلقت أيديهم وحمت غاراتهم الأرضية بسلاح طيرانها – وكان زعيمهم موسى هلال يتحرك بطائرة هليكوبتر عسكرية تبجح بها أمام عدسات القنوات الفضائية العربية إضافة إلى تجاوزات القوات المسلحة واستخدامها للعنف المفرط – فأُحرقت مئات القرى بكاملها وقُتل عشرات الآلاف وأُجبر الملايين على الزحف إلى معسكرات اللجوء في تشاد وأفريقيا الوسطى ومعسكرات النازحين في دارفور نفسها إضافة لحالات الاغتصاب المنظمة وكثير غير ذلك مما عكسته أجهزة الإعلام العالمية والعربية خاصة تلك التي تتمتع بمصداقية وموضوعية وبعدها عن الغرض إضافة لتقارير المنظمات العالمية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات التطوعية .
- كانت هذه هي البيئة التي تفجرت فيها مشكلة دارفور السياسية وتصاعد في أحضانها وبقوة دفعها العمل العسكري للحركات والحكومة ومليشياتها في ظل إنكار كامل من الحكومة بوجود مشكلة حقيقية اجتماعية وسياسية.
- نرجئ الحديث عن أزمة الشرق وأزمة الشمال – فالبنية التحتية الصلبة للأزمة التي أسستها ثقافة وسياسات حكومة الجبهة وحصنتها بالعنف والتضليل لم تترك شبراً من أرض السودان ينعم بالعافية والسلام ولم تكن تر في السودان إلا مشروعاً لتجاربها . وفي السلطة إلا أداة قمع وترهيب وفي الحكم والثروة إلا احتكارهما وإقصاء ما عداها ومنسوبيها وبذلك قادت البلاد إلى حالة الأزمة الوطنية الحالية – ووضعت حزبها وكوادرها ورئيسها في عين العاصفة ونكتفي بالجنوب ودارفور نموذجاً – وتأسيساً على هذه الخلفية سنعمل على تسليط الضوء على تدخل مدعي المحكمة الجنائية الدولية وطلبه اصدار مذكرة توقيف لرئيس الجمهورية وتحديداً على ردة فعل الحكومة المتهمة والحجج والتبريرات التي استخدمها أركان النظام والتضليل الذي احتوته ، والمخرج ولا نقصد مخرج الحكومة وحزبها ورئيسها – ولكن مخرج السودان من أزمته الشاملة التي حشرته فيها حكومة الجبهة .
1- عناصر وأهداف وخطط مسرحية ردة فعل الحكومة على اتهامات محكمة الجنايات .
- حكومة حزب الجبهة لم تصبها الصدمة كما ولم تفقد تركيزها نتيجة إعلان نائب عام محكمة الجنايات لصحيفة الاتهام كما استنتج كثير من المحللين الذين استغربوا ردة فعل الحكومة – وقدموا لها النصح بالتركيز والايجابية في هذه المرحلة .
- فالحكومة تعلم كما يعلم الكثير جداً من المراقبين والمهتمين على مستوى العالم من خلال تسريبات قديمة أن لدي محكمة الجنايات قائمة متهمين يفوق عددهم الخمسين كلهم أو أغلبهم من كبار المسؤولين في حكومة حزب الجبهة وأنها اكتفت في وقت سابق بإعلان أسماء أحمد هارون ، كشيب .
إذاً لم تكن هناك مفاجأة أو صدمة بررت ردة فعل الحكومة وأخرجتها بالشكل الذي أخرجتها به – وكأنها ردة فعل عفوية – ولكن الصحيح أن الحكومة خططت لإخراج ردة فعلها بهذا الشكل لتحقيق أهداف محددة :-
1. تصوير إعلان النائب العام لمحكمة الجنايات على أنه استهداف لشعب السودان وسيادته .
2. اقتناص الفرصة – واستثارة المشاعر الوطنية لدي الكثيرين لحشد وتجميع الشارع السوداني عموماً – خلف قيادتهم كحزب جبهة وعيونهم على الانتخابات .
3. انتهاز الفرصة لإحراج قيادات الأحزاب استنطاقهم بما يؤيدها ويدعمها كحكومة – مستهدفة ، هي والسودان كله ، والموقف الوطني يفرض على المعارضة دعمها ومساندتها .
· كما ولخصت الحكومة حججها وموقفها في شعارات محددة حرصت مستخدمة كوادرها وجهاز الدولة بكاملة وخاصة أجهزة الإعلام، حرصت على وضعها في أفواه كل من أتاحت له فرصة التحدث عبر أجهزة إعلامها في عملية تضليلية محكمة التخطيط والإخراج .
· رفعت شعار أن رئيس الجمهورية هو رمز السيادة الوطنية وهو ممثل كل الشعب السوداني – وهي تعرف أنه يوجد كلام كثير يمكن أن يقال طعناً في انطباق حصانة ورمزية السيادة المطلقة على حالة رئيس الجمهورية الحالي – ولكن الأهم في هذا المجال أنها رفعت شعار وقصدت به تشكيل حائط بشري وسيادي لحمايته من اتهامات محكمة الجنايات.
· ابتداء لا ينادي بحصانة مطلقة أو تمثيل مطلق للسيادة إلا فاقد عقل – فالسيادة هي سيادة الشعب والحصانة هو صاحب الحق فيها – ولا يجوز المناداة بحصانة أو تمثيل مطلق للسيادة حتى ولو كان هذا الشخص مفوضاً تفويضاً ديمقراطياً حقيقياً ناهيك عن أن يكون هذا الشخص مغتصب للسلطة بانقلاب عسكري .
· المنطق يقول أنه ما دام الشعب والوطن هما أصحاب السيادة أصلاً لا الفرد فإنه يجب أن يعاد الأمر برمته له ليقرر فيه لا أن تختطف منه ويستغل وتستغل سيادته كما تستغل الدروع البشرية تحت مظلة من الدخان والتضليل الكثيف .
2- المؤتمر القومي الحقيقي مخرج السودان من أزمته الشاملة :-
- وهذا يعني أنه توجد ضرورة قصوى – الآن – ليس لعقد مؤتمر يعلن أنه لمعالجة أزمة دارفور ويكون الهدف الرئيسي منه تقديم دفاع عن رئيس الجمهورية وبقية قائمة الخمسين في مواجهة محكمة الجنايات " ومبايعتهم على طريقة المؤتمر الأخير للحركة الإسلامية " ولكن مؤتمر قومي حقيقي ينظر ويعالج أزمة السودان كله ويكون التمثيل فيه شاملاً لكل قوى المجتمع الحية أحزابا ونقابات مهنية وتنظيمات جهوية مسلحة وغير مسلحة ورموز ألوان الطيف في السودان كله – يتساوى فيه تمثيل الأحزاب سواء أكانت حاكمة أو غير حاكمة – ويُفحص ممثلي القوى الأخرى حتى لا يتسلل عبرهم ممثلين للأحزاب خارجها ليرجحوا كفة حزب بعينه داخل المؤتمر وينتفي التساوي – الذي يعبر عن ميزان القوى بدقة في هذه المرحلة.
· فميزان القوى – ومنذ فترة – ونتيجة للأزمة الوطنية الشاملة صار مضطرباً (كماء في سعن) ولكن الحقيقة الأهم الآن هي أن قراءته لا تصبح ذات قيمة كبيرة في هذه المرحلة إن كان المقصود فعلاً لا تضليلاً الدفاع عن الشعب وسيادته الوطنية والنظر في أزمة السودان الشاملة ووضع الأسس للخروج منها إذا أنه ليس من المنطق في شيء الاستنجاد والتستر خلف الشعب وسيادته عندما يكون حزب الجبهة ورئيسه في لائحة اتهام المحكمة الجنائية ويعودوا بالأوضاع بعدها لما كانت عليه قبلها – الحزب الحاكم والمحتكر للسلطة .
· ينظر المؤتمر القومي في اقتراح أن يتحول إلى برلمان انتقالي.
· يضع المؤتمر الأسس التي تشكل على أساسها الحكومة ويشكل هو حكومة للوحدة الوطنية الحقيقية – بعد حل الحكومة الحالية بكل مؤسساتها .
- تشجيع الحركة الشعبية على المساهمة بفعالية في إنجاح المؤتمر من خلال تبنيها للخط الوطني الوحدوي العام الذي يتبناه المؤتمر القومي والذي لم يجد التعبير عنه خلال التفاوض والاتفاق الذي تم بينها وبين المؤتمر الوطني عام 2005 - فأفضل للحركة الشعبية أن تأتمن مؤتمراً قومياً على اتفاقاتها بدلاً عن ائتمانها لحزب الجبهة التي شكت من عدم وفائه لاتفاقاته معها لطوب الأرض – حتى ولو اضطرها اتفاقها مع المؤتمر القومي لإجراء تعديلات ما على اتفاقية نفياشا نفسها ( أي فتح الاتفاقية ).
· المؤتمر القومي مسألة لا تحتمل المناورة ولا الشعوذة – فهو إما أن يكون مؤتمراً حقيقياً تصطحبه نوايا وعزائم صادقة لتجعل منه اختراقاً حقيقياً لكل أزمات السودان ومخرجاً وطنياً سلمياً وعادلاً منها وإما أن يكون تسويفاً ومخادعه .
· طريق المؤتمر القومي الحقيقي واضح – وبلا إدعاء بحصر عناصر وأسس نجاحه في هذه المقالة المختصرة ، فإنه يتوجب التفكير في اعتماد هذه القواعد والمبادئ كجزء من الأسس الكلية التي تطرح للتوافق عليها بين طلائع المشاركين :-
1- أن ترفع الحكومة يدها عنه ، وتتكون إدارته والمشاركين فيه من ممثلين لكافة الأحزاب والتنظيمات الفئوية والجمهوية وحملة السلاح وغيرهم من قوى المجتمع الحية ورموزه – ويتم اختيار رئاسة وإدارة المؤتمر من عناصر ذات تاريخ وطني معروف وذات مواقف وتكون ذات دربة وحيدة واستقامة وصلابة ووضوح رؤية ( لا يكون فشل المؤتمر أو التفريط في الوحدة الوطنية أحد خياراتهم ) . وباختصار . فإن معايير الاختيار يجب أن تكون أعلى بكثير عن تلك التي استخدمت قبلاً أيام سر الختم الخليفة والجزولي دفع الله وسوار الدهب . وتوضع له ابتداء لائحة لتنظيم أعماله ومداولاته والكيفية التي ستتخذ بها القرارات داخله .
2- أن تشاع داخل المؤتمر حرية الإفصاح والتعبير بلا قيود ( منطقة حرة لا يطبق داخلها أي قانون مقيد لأيه حرية ) .
3- أرشح ( جوبا ) لتكون مقراً لعقد هذا المؤتمر .
4- أن يتم فيه الاعتراف بالأخطاء في السياسات والقرارات السابقة بشفافية وشجاعة .
5- يتم فيه نبذ التشتت والتمزق القبلي والطائفي والعقائدي والثقافي ، والتعالي العرقي والديني .
6- يعترف فيه بواقعية الغبن والظلم الاقتصادي والاحتقان الاجتماعي وعشوائية خطط التنمية وضعف الإدارة ما أدي لحمل السلاح وانهيار مقومات الحياة في كل أنحاء السودان .
7- تحدد فيه موجهات السياسة العامة للدولة وبرامج التنمية الاقتصادية المتوازنة ويؤسس فيه لدولة المواطنة وتقرر فيه الحريات جميعها وفق مرجعيات ومواثيق حقوق الإنسان الدولية من حرية التعبير والاعتقاد والنشاط لاقتصادي والتوظيف . وتحدد داخله الخطوط الفاصلة بين أي حزب أو أحزاب حاكمه وجهاز الدولة ويمحى داخله عار تسييس أجهزتها لصالح حزب معين .
8- تعويض المتضررين من السياسات السابقة .
9- وضع أساس راسخ للثقة المفقودة حالياً ، والتأكيد على ما يوحد جميع أبناء السودان ورأب تصدعات وحدتهم الوطنية – فللمشاعر الوطنية جذوه في صدور كل أبناء السودان شرقه وغربه جنوبه وشماله على حد سواء وإن علاها غبار التمزق والقبلية والردة الحضارية والتي أشعل فتنتها الانقلاب العقائدي الحزبي للجبهة عام 1989 واستثمرته قوى الشر الداخلي والخارجي .
10- مؤتمر قومي حقيقي على هذا المستوى من الجدية والمسئولية يمكن أن يفضي إلى برامج تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية وإدارية عادلة وناجزه للسودان الواحد الموحد – كما ويمكنه وضع الأسس التي يقوم عليها الوضع الإداري اللامركزي للسودان وتحديد صلاحيات واختصاصات وحقوق وواجبات الإدارات الإقليمية بعيداً عن فوضى المخاصصة وتوزيعات الأنصبة والوظائف العليا القائمة حالياً .
11- يتم داخله حل الحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية يوكل لها تنفيذ مقرراتـه في فترة زمنية مناسبة ( خمسة سنوات مثلاً ) .
12- تصاغ مقررات المؤتمر وتكون لها قوة الدستور والقانون ( كل في مجاله ) على أن يعدل الدستور والقانون القائم لاحقاً وتكون مقررات المؤتمر هي أساس التعديلات ونواة الدستور الدائم للبلاد .
13- ينظر في أن يكون المؤتمر القومي نفسه برلمان في الفترة الانتقالية .
· وإذا توافرت الرغبات والعزائم كما ذكرنا – يمكن إقناع الجميع بأن مقررات هذا المؤتمر ونتائجه أفضل لكل إقليم وللسودان الموحد من أي اتفاق جزئي إنفرادي أمكنهم أو يمكنهم عقده مع حزب واحد ، ولو كان في مقدور هذا الحزب أن ينتزع السلطة ويفرض سياساته وقراراته مؤقتاً - فالسودان باقٍ وهذا الوضع استثنائي وإلى زوال .
3- السؤال الأكثر عناداً من المسرحية والتضليل ..
- من كل ما ورد في ردة الفعل الحكومية سواء أكانت أقوالاً أو أفعالاً فإن الملاحظة الأهم هي أن أركان الحكم خططوا لردة فعلهم كلها تقريباً . لكي تقع في منطقة أخرى وبلغة وأدوات أخرى كلها بعيدة جداً عن منطقة صحيفة الاتهام التي أعلنها مدعي عام محكمة الجنايات . تفادت تماماً الرد المباشر على محتوى تلك الصحيفة وقدمت بذلك دليلاً على الحرفية والاحترافية العالية في التضليل ولكنهم تطرفوا في استخدام هذا المنهج حتى لفتوا الأنظار إلى عملتهم من أساسها .
- ردة فعلهم كانت ستكون أقرب للمعقولية والمصداقية لو أنهم استنكروا كيل محكمة الجنايات وأمريكا وفرنسا بمكيالين ، وأنها تصرف النظر عن مجازر أمريكا في العراق وأفغانستان وإسرائيل في فلسطين – وهذا معروف ومعروف أيضاً – أن محكمة الجنايات لا تستطيع اتهام أمريكا أو إسرائيل ولكن كل ذلك لا يشكل مبرراً لحدوث جرائم حرب وأباده جماعية وجرائم ضد الإنسانية وغيرها في دارفور أو يبرر عدم التحقيق فيها بشكل مسئول ولذلك فالسؤال الأكثر عناداً من كل محاولات التضليل والتذاكي والتمثيل هو . هل حدثت جرائم حرب وأباده جماعية – وهل حدث حرق لقرى بأكملها واجبار ما تبقى من سكانها على قيد الحياة على النزوح واللجوء إلى معسكرات اللاجئين بعيداً عن قراهم في تشاد وأفريقيا الوسطى والمعسكرات التي تم إنشاءها في دارفور نفسها – هل حدث هذا أم لم يحدث ؟
- فليذهب أوكامبو ومحكمته وأمريكا وفرنسا للجحيم – ولكن هل حدثت هذه الجرائم أم لم تحدث ؟؟
- إن كان الرد بأن هذا حدث فلتحدد حكومة الجبهة ورئيسها الجهة أو الجهات المسئولة عن ارتكاب هذه الجرائم وأن كان الرد بأن هذا لم يحدث وأن شعب دارفور يعيش في هناء وسبات ونبات – فلماذا لا يثبتوا ذلك – ليس لأن أوكامبو أو محكمته أو أمريكا وفرنسا قد طالبوا بذلك – ولكن لأن الاحترام للشعب السوداني ولحقوقه وسيادته تقتضي ذلك – فشعب السودان وإنسانيته وسمعته وسيادته هي التي فجعت فيمن يفترض فيهم نظرياً بأن يكونوا حماته وحراس سمعته و ممثلي وطنيته .
- لا أحد من شعب السودان يطالب بتدخل أمريكا أو المحكمة الجنائية في شئونه وحياته الوطنية – ولكن من يقنع الضحايا وأسرهم بأن هذه هي استقامة الأمر وأن السيادة الوطنية تقتضي أن يتقبلوا الذبح بلا صراخ – في وقت تتهرب فيه الحكومة وحزبها من مواجهة الموقف والتعامل معه بجدية ومسئوليه .
4- هل لحكومة الجبهة الحق في الحديث عن السيادة الوطنية ؟
5- ألا تكيل هي نفسها بمكيالين تماماً كما تفعل أمريكا ؟
- على الحكومة أن ترد التساؤلات التالية :-
· ماذا عنى بالنسبة لها موافقتها قبلاً على حضور مناديب أوروبيين وأمريكان لمفاوضاتها مع الحركة الشعبية؟ والمحاضرات التي قدموها للمتفاوضين في إدارة التفاوض؟ واستجابتها للضغوط التي مارسوها خلال مراحل التفاوض المختلفة والتي لولاها ما كان قد تم الوصول لاتفاق؟ ثم وموافقتها على أن يكونوا هم الضامنين لتنفيذ اتفاق هي أحد أطرافه؟.
· وماذا عنى بالنسبة لها موافقتها على طلب مجلس الأمن وأمريكا عضوه الأساسي - بإرسال عدد 23000 جندي أممي إلى دارفور لحفظ السلام؟ .
· وماذا عنى بالنسبة لها موافقتها على حضور 7000 جندي أفريقي لحفظ السلام في دارفور؟ .
· وماذا عنى بالنسبة لها موافقتها على وجود قوات تابعة للأمم المتحدة في جبال النوبة وأبيي وغيرهما.
· وماذا عنى بالنسبة لها ما أشادت به الإدارة الأمريكية من تعاونهما الكبير معها في ملف الإرهاب " بلا تفاصيل " بعد أحداث سبتمبر 2001؟ وماذا وماذا وماذا ...
· ألا يعتبر ذلك قبولاً صريحاً وطوعياً من حكومة الجبهة بالانتقاص من السيادة الوطنية ؟
· ألا يعني ذلك أن سياسة الكيل بمكيالين ليست صفة لا أخلاقية تتصف بها الحكومة الأمريكية أو محكمة الجنايات وحدهما؟ . وإنما تشاركهما وتنافسهما فيها حكومة حزب الجبهة في السودان؟ .
· أليس ضحكاً على الذقون أن يكون ردها على اتهامات المحكمة الجنائية أنها تكيل بمكيالين وتتهرب من مواجهة الموقف بشكل مباشر وبمسؤولية؟ .
6- لماذا لم يطرحوا في ردة فعلهم بديلاً جاداً لمحكمة الجنايات الدولية ؟
- فإن كانت الحكومة حكومة مسئولة ولا تريد أن تحاكمها محكمة الجنايات كان يجب عليها أن تقترح آلية أخرى تتحقق فيها مواصفات الكفاءة والحيدة – لا تكون لها عليها سلطة ويكون مقرها خارج دائرة نفوذها .
فمثلاً كان يمكنها أن تقترح تكوين محكمة أو لجنة تحقيق من قضاة يمثلون منظمة الوحدة الأفريقية ، جامعة الدول العربية وممثل للقضاء السوداني وممثل لمحكمة الجنايات بحسب تفويضها من مجلس الأمن .
- تطبق هذه اللجنة القوانين التي تتلاءم مع صحيفة الاتهام والجرائم التي ارتكبت في دارفور.
- وتنشر اللجنة نتائج تحقيقاتها على شعب السودان أولاً فهو المعني بالقضية قبل محكمة الجنايات وحتى لا تكون نتائج التحقيق مادة للمساومة والابتزاز تكون أمريكا هي المستفيد الأول منه .
- رده فعل الحكومة كما ذكرنا كان مخططاً لها أن تظهر كأنها أي الحكومة قد فوجئت وحقيقة الأمر أنها لم تفاجأ وأنها كانت تعلم .
- وأن تكون في منطقة بعيدة كل البعد عن دائرة الاتهامات صرفاً للانتباه .
- وأن تشق الصيحات عنان السماء تباكياً على السيادة الوطنية وحكومة الجبهة بالتجربة العملية المعاشة لا تأبه لقيم السيادة الوطنية .
- في أوروبا وأمريكا الفاسدة الكافرة أيضاً وفي اليابان والصين الكونفوشيتين البوذيتين والأذربيجان وحتى في إسرائيل اليهودية والصهيونية – يساءل المسئولين في حالة وجود أي اتهام على أحدهم ويستقيلون . أو يقالون ويحاسبون علي أي جريمة داخلية أو وطنية ترتكب وفي حالتنا يتهرب مسئولونا من المساءلة – ويملئون الأرض تضليلاً وكذباً مخيبين ظن كل من يرى في الإسلام طهراً وعفه في اليد واللسان . فشعب السودان وحسب منظور هؤلاء ليس جديراً بأن يرد له اعتباره واحترامه لذاته حتى من خلال فحص ومساءلة حكومته – تبرئتها أن ثبت أنها بريئة ومعاقبتها أن ثبت أنها ارتكبت جرماً ليس ذلك فحسب بل ويجر جراً للتظاهر لصالح حزب الحكومة لأنه أُتهم.
7- أهلية الجهاز القضائي السوداني وترهات وزير العدل .
- أذا كان بالسودان نظام حكم ديمقراطي – يوفر الحرية والبيئة العدلية اللازمة والضرورية لكان يمكن الاعتقاد بإمكانية تقديم المتهمين إلى محاكم سودانية – وفيه الكثير من الكفاءات – ولكن وجود قوانين فصلت تفصيلاً على مقاس حزب ووفق أهوائه ومصالحه ومصالح منسوبيه قوانين مقيده للحريات – بما فيها حريات التعبير والصحافة والمطبوعات وحرية النشاط السياسي وقوانين تبيح الاعتقال بلا محاكمة ومع وجود بيوت الأشباح وأقبية التعذيب ، ومع وجود حصانات للسياسيين من قادة الجبهة وأهل الحظوة - ومع وجود جهاز دولة مسيس بكامله جيشه وشرطته وقوات أمنه وأجهزة إعلامة وخدمته المدنية – كلها شهدت طرد مئات الآلاف بدعوى الصالح العام وكان بينهم قضاة .
- فأين الجهاز القضائي وحيدته من كل ما ذكرنا أعلاه وكلها تمثل انتهاكات لحقوق الإنسان وتقوض البيئة العدلية وتلغي الضمانات التي تمكنه من تطبيق العدالة والإنصاف .
- ثم أين الجهاز القضائي وكلمته خلال 16 عاماً عمر حرب الجنوب وحدث فيها ما حدث من جرائم من جميع الأطراف التي شاركت فيها .
- ثم أين الجهاز القضائي وحديته وكلمته والحرب في دارفور ودم ضحاياه بالآلاف مازال كاراً ومئات الآلاف من النازحين يتسولون لقمة العيش والأمان من كل أجناس العالم عدا السودان وحكومته كشهادة مادية وصادقة قائمة على الأرض – يراها كل العالم إلا جهازنا القضائي .
- ألم يسمع جهازنا القضائي ذي الكفاءة والاقتدار والحيدة والعدل بكل هذا قله من أعضائه قالوا كلمتهم ودفعوا الثمن وقله أخاطوا للحكومة كلماتها وذبحوا مؤهلاتهم وخبراتهم وقسمهم بأن يحكموا بالعدل قرابينا لظلمها وكثيراً منهم ملأ فمه ماءاً واكتفي .
- وزير العدل وهو يتحدى المدعي العام للمحكمة الجنائية قال أنه استدعي قانونيون ثقاة عالميون – للشهادة على كفاءة الجهاز القضائي وأهليته – لاحظ هنا بأنه هو من سيختارهم - فماذا نتوقع أن تكون شهادتهم – ثم بعد عدة أيام أصدر الوزير نفسه قراراً بتعيين مدعي عام ومحقق خاص للجرائم التي ارتكبت في دارفور - فالرجل الغي مهمة القانونيين العالميين الثقاة الذين وعد بدعوتهم للشهادة على كفاءة الجهاز القضائي – وأعلن بنفسه أن هناك نقصاً في جهازه القضائي فقام على عجل بتعيين مدعي ومحقق للتحقيق في جرائم دارفور – مرة ثانية وزير العدل هو من يقوم بتعيين المدعي والمحقق الجديدين وهو نفسه القيادي في حزب الجبهة المتهمة كوادره لا غيرها حسب مذكرة المدعي العام لمحكمة الجنايات – ألا يمثل ذلك سخرية على العقول محلياً وعالمياً .
- ولكن الأهم من ذلك كله أن السيد الوزير لم يراجع قوانين الجنايات لديه ليتأكد ما إذا كانت لديه مواد مشابهة لتلك التي استند عليها المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية والتي رأى فيها ويشاركه في ذلك الكثيرون جداً أنها الأنسب للتطبيق في حالة التجاوزات والجرائم التي وقعت في دارفور فقانون الجنايات السوداني يعالج حالات فردية في حين أن ما جرى في دارفور صفته الرئيسية أنها جرائم جماعية .
- فكيف سيقوم المدعي العام والمحقق المعينين حديثاً بعمل لا يدخل ضمن اختصاصهما حسب القوانين القائمة والموضوعة أمامها – ولماذا كانت قوانين الجنايات عندنا ناقصة وقاصرة ولا تستوعب تجاوزات وجرائم هي موجودة أصلاً في القوانين الدولية والقوانين الخاصة بالكثير من دول العالم كالجرائم الجماعية وجرائم الحرب ولدينا كل هذا التاريخ الطويل من الحروب الداخلية والجرائم الجماعية – ألم نذكر سابقاً أن القوانين قد فصلتها حكومة الجبهة على مقاسها – وإذا كان وزير عدل حكومة الجبهة يعلم أن جهازه القضائي ينقصه مدعي عام ومحقق في جرائم دارفور ذات الطبيعة الخاصة وينقصه القانون الذي يتعامل مع هذه الطبيعة الخاصة فلماذا تجرأ بالتصريح بأنه سيستدعي قانونيون عالميون لاستخراج شهادة بكفاءة القضاء والأهم من ذلك كله ما يعرفه الوزير جيداً بأنه لا توجد بيئة عدلية بالسودان أصلاً ويشمل النقص كل أركانها على نحو ما أوضحنا – فلماذا يتجرأ بالتصريح باستدعاء قانونيون عالميون ولماذا عين مدعياً ومحققاً ولماذا استخدمت أبواق الجبهة فرية حيدة وكفاءة الجهاز القضائي في مواجهة مذكرة مدعي عام محكمة الجنايات الدولية – ماذا سيكون كل ذلك إن لم يكن حلقة من حلقات التضليل والكذب الصريح والذي شملتهما خطة ردة الفعل الحكومي على إعلان مدعي عام محكمة الجنايات الدولية وهروبا من المساءلة.
8- مطامع الدول الغربية بعيداً عن التضليل ...
- لأوروبا الغربية وأمريكا استراتيجيات ومصالح ومطامع عالمية حيوية اقتصادية وتجارية منها البترول كمصدر رئيس للطاقة ومحدودية وجوده حول العالم ومنها المعادن واليورانيوم وبقية المصادر والثروات الطبيعية ومنها السياسية والأيدلوجية مثل توسع دائرة نفوذها السياسي والثقافي....
- خدمة أيضاً لمصالحها الاقتصادية ومنها ما يسمونه بنشر القيم الديمقراطية الأمريكية لضمان خضوع الأنظمة ذات التوجهات الأيدلوجية المخالفة لسياساتها وهيمنتها وثقافتها ، ومنها إقصاء المنافسين من مصادر السلع والثروات والأسواق الإستراتيجية .
- وفي كلمة مختصرة فأنه وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي فإنها استهدفت استراتيجياً السيطرة على العالم كله سياسياً واقتصادياً وتجارياً وعسكرياً وثقافياً .
- وفي سبيل تحقيق ذلك فإنها وعلى الصعيد العالمي لا تتردد في التصادم مع كل ما يعترض طريقها بكافة الوسائل الدبلوماسية والسياسية والعسكرية معبرة بذلك عن أقصى درجات التوحش والشراسة.
في مقالة مثل مقالتنا هذه لا يمكن حصر تناقضات السياسة الخارجية الأمريكية وعداونيتها حول العالم منذ مطلع التسعينيات وحتى الآن ، ويمكن اختصاراً الاكتفاء بدعمها الاستراتيجي العدواني غير المحدود إسرائيل ، اجتياحها لأفغانستان واجتياحها للعراق ونهب ثرواته - أكثر من ذلك بكثير يمكن أن يقال عن أمريكا ووصيفاتها حول العالم وفيما يرتبط بدورها في المذكرة التي رفعها مدعي عام محكمة الجنايات يمكن قول الكثير ولكن نكتفي بالقول:
1- أن أمريكا نفسها لم توقع على اتفاقية روما وبالتالي نجت بنفسها وإدارتها وبجيشها من مساءلة محكمة الجنايات الدولية وهي لا تحتاج لمن يذكرها بذلك - ولذلك وضعت قرارها الخاص بمحاكمة قادة حكومة الجبهة في فم مجلس الأمن وبواسطته تمت إحالة ملف التحقيق بحرب دارفور إلى محكمة الجنايات - وبذلك أجهضت حجه حكومة الجبهة في كونها لم توقع على اتفاقية روما وبشكل استباقي .
2- كون أمريكا لديها مطامع في بترول السودان وثرواته وخاصة في دارفور أمر لا جدال عليه فهي في حوجة ماسه للبترول وغزت العراق للسيطرة على بتروله حاضر إنتاجه واحتياطييه المستقبلي هذا في حكم المؤكد .
3- أنها تريد مواجهة التوسع التجاري والاقتصادي ومن ثم السياسي الصيني في إفريقيا - والسودان واحد من ساحات التنافس هذه خاصة وأن الصين أكبر المساهمين في الاستثمار النفطي في السودان وأكبر مستوردي نفطه وحصلت على امتيازات تنقيب في مناطق واسعة منها دارفور .
4- إن فرنسا لديها مصالح في أفريقيا تشمل مستعمراتها السابقة " الفرانكفونية في أفريقيا " ودارفور قريبة جداً من دائرة النفوذ الفرنسي في القارة وبالتالي فإن دعمها لحركات التمرد وخاصة حركة عبد الواحد محمد نور يأتي في إطار إستراتيجيتها لمناطق نفوذها هناك، من الصعب تصور أن الإستراتيجية الفرنسية تهدف إلى ضم أراضي دارفور مستقبلاً إلى تشاد مثلاً هذا طبعاً بعيد عن أحلام بعض الزغاوة القديمة التي تلخصت في إنشاء دولة الزغاوة الكبرى فالحديث هنا عن استراتيجيات الدول العظمى وخططها وليس عن أحلام الشعوب ، ولكن الصعوبة في هذا التصور تكمن في أنه يتصادم مع إستراتيجية أمريكا في المنطقة - وهي بالقطع ليست حريصة على وحدة أراضي السودان ولكنها لن تسعى لضم دارفور لتشاد مثلاً ما دام المستفيد الأخير من هكذا لإجراء ليس أمريكا وإنما فرنسا - ولكن نقطة التقاطع هذه مقروءة سياسياً هي ما أنتجت تقديم فرنسا بالاشتراك مع بريطانيا لمشروع إحالة ملف حرب دارفور لمجلس الأمن ليفوض محكمة الجنايات بمباشرة إجراءاتها بالنسبة لرئيس الجمهورية وآخرين وفرنسا تعلم كيف ستقوم بتسوية حساباتها مع أمريكا في هذا الشأن مستقبلاً بمعنى الاتفاق على توزيع الأدوار ومبادلة امبادلة المصالح .. إلخ .
- ثم أنه من المؤكد أن هذه الدول ولأجل تحقيق أهدافها الإستراتيجية العالمية فإنها لا تخوض الحروب المباشرة فقط ولا تدعم السياسيين المؤيدين لسياساتها فقط ولكنها تدعم أيضاً حركات التمرد المسلحة بالسلاح والتدريب والمال والإعلام وخلافه من الدعم المادي واللوجستي المباشر وغير المباشر .
- حكومة الجبهة في السودان تقف عند هذا الحد حد التركيز على العوامل الخارجية عندما نتحدث عن أسباب الحرب في دارفور ومحكمة الجنايات إلى آخره بالقطع يمكن وصف أمريكا وفرنسا وبريطانيا بأنها تقيس بمكيالين وأنها بلا أخلاق أو إنسانية أو ذوق حتى، ولكن كل ما ذكرناه أعلاه وكل ما تركز الحكومة عليه في خطابها لا يمثل إلا جزءاً يسيراً جداً وثانوياً من حقائق أسباب قيام وتصاعد الحرب هناك ولكن الحكومة إمعانا في التضليل والكذب تتجاهل الأسباب الرئيسية وتسلط إعلامها وخطابها إلى الأسباب التابعة والثانوية.
- من المسلم به أن المعايير الأخلاقية وبالتالي كل الشتائم التي تتأسس عليها لا وجود لها في العلاقات الدولية خاصة بين الدول الاستعمارية تاريخياً وبين دول العالم الثالث ، وحكومة الجبهة تعرف القواعد التي تتأسس عليها العلاقات بين الدول وهي في ذلك تخاطب الرأي العام المحلي بخطاب تجهيلي وتضليلي واضح تغطي به فشلها رغم تجربتها في الحكم بعشرين سنة ، في الفهم والتعاطي مع العلاقات الدولية وفق قواعدها ، فهي تعرف أن العلاقات بين الدول ترتكز على مبدأ المصلحة الوطنية لا الأخلاق ، وتعرف أن أمريكا وفرنسا وبريطانيا وغيرها من دول غرب أورباً لديها مصالح اقتصادية وسياسية وايديولوجية وعسكرية تبحث حول العالم لبيئة مناسبة لتحقيقها وتتربص بكل دول العالم وخاصة تلك التي تعاني من ضعف نظامها السياسي والإداري والاقتصادي وتعاني من التمزق في نسيجها الاجتماعي ووحدتها الوطنية والفوضى والحروب الداخلية .. الخ ، هذا هو عنصر الجذب الرئيسي وهذا هو الشرط الضروري والبيئة الأكثر مواءمة لتدخلها لتحقيق مطامحها ومطامعها ، ليس كما تدعي حكومة الجبهة بسبب توجهها الإسلامي، والذي آن الأوان لكي تستحي من ترديده وتكراره .
فمثلاً المسئول عن تمديد حرب الجنوب وإذكاءها لستة عشر عاماً دون ضرورة هو المسئول عن توفير البيئة الملائمة لتدويلها .
- والمسئول عن تأجيج حرب دارفور بفشله في إدارة أزمتها منذ 2003 واقتصار دوره على المناورة والحل العسكري وتعميق الجراح هو المسئول عن توفير البيئة الملائمة لتدويلها - فالتدخل الأجنبي – التدويل – ليس رغبة أمريكية أو أوروبية فقط ولكنه دعوة داخلية عنوانها فشل الحكومة الوطنية قبل ذلك .
- خطاب الحكومة يصور دعم أمريكا وفرنسا وبريطانيا للحركات المسلحة وكأنه السبب الرئيسي في الأزمة ، فكيف كان سيتأتى لأمريكا وأخواتها التدخل إن لم تكن هناك أزمة في دارفور وفي السودان كله أصلاً .
- ولو لم تفشل سياسات الحكومة يوم أن كانت التنمية المجحفة والإهمال للصحة والتعليم ومياه الشرب والأمن ... الخ في الإقليم تراكم الظلم والعبن، ويوم أن بلغ العبن الاجتماعي هناك مداه وظهرت ارهاصات الانفجار وكان يمكن تفاديه، ويوم أن كان ممكناً احتواء الأزمة بسياسة حكيمة يشارك فيها الجميع - دون عزل – في لحظة انفجارها الأولى - ولكن الحلول العسكرية واحتكار السلطة والمناورة هو الذي عمق الأزمة وشكل – بل وأرسل الدعوة الداخلية للتدويل والتدخل الأجنبي .
الباحث
سليمان محمد
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة