تفجيرات باكستان ...الدلالات والعبر..
ان تفجيرات باكستان يوم امس 20/09/2008 التى استهدفت فندق ماريوت الامريكى تعيد الى ازهاننا تفجيرات العاصمة الاردنية عمان قبل عامين والتى اودت بحياة مخرج فيلم الرسالة الذى يعتبر من اوائل الافلام التوثيقية لتاريخ رسالة سيد الاولين والاخرين , ان هذا السلوك التفجيرى والانتحارى ووصفه بالجهاد من بعض المتأثرين بالمدرسة القاعدية هو اكبر افتراء على الديانة الاسلامية السمحاء التى لا يجوز باى حال من الاحوال ان تنسب اليها مثل هذه الافعال الوحشية والبربرية القاسية التى لا تصدر الا من نفوس مشبعة بالشر والحقد لكل بنى البشر .
ان عملية تغيير المنكر فى الاسلام مطالب بها الفرد والمجتمع فى ان واحد وتتدرج فى ثلاث خيارات حسب معنى الحديث الشريف : ( من رأى منكم منكراً فاليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان ) والتغيير باليد لا يعنى الاعتداء على الاخرين بطرق عشوائية والتسبب فى اذاهم بتفجير القنابل فى اماكن تجمع وازدحام الناس والاماكن التى يستريحون فيها وينتجعون بها , انما المقصود منه التغيير المبنى على الحجة والمنطق , فعلى سبيل المثال اذا كان تفشى المنكرات بسبب الفقر والعوذ والحاجة يكون تغييره بالحرص على ايصال حقوق المحتاجين اليهم وعدم ظلمهم بالتغول عليها وهذه الحقوق تتمثل فى الزكاة والصدقات والتبرعات , يعتقد كثير من العلماء والمتفقهين ان افة الافات هى الحاجة التى تساهم فى انحراف سلوك المجتمعات وتؤثر فيها سلبا وهذا ما دعا سيدنا على بن ابى طالب لان يقول : ( لو كان الفقر رجلاً لقتلته) ومن هذا السياق فان محاربة الفقر لا تكون باراقة دماء الابرياء و اتباع الحماقات والجهالات انما يكون باتباع الطرق والوسا ئل الرشيدة والحكيمة لمعالجة المشكلات والمعضلات التى تواجه المجتمع واولها ضرورة الاصلاح السياسى ثم الاقتصادى فالاجتماعى لدى كثير من الدول والمجتمعات الفقيرة والمسلمة التى اصبحت ارضية خصبة لنشؤ وتطور تنظيمات الهوس الدينى , فهذه مجتمعات تسيطر عليها انظمة متجبرة و دكتاتورية محكمة قبضتها على ثروة ومصير هذه الشعوب ومنتهكة لحقوقها وتمارس معها التنكيل والتعزيب و القتل والتشريد .
اما الخيار الثانى فى مكافحة المنكر هو التغيير باللسان الذى يمثل فى ايامنا هذه الوسائل الاعلامية المختلفة من مشاهدة ومسموعة ومقروءة فالحرية فى التعبير عالمياً متاحة لكل الناشطين فى هذه الحقول فهذا زمان لا يجد الفرد فيه عناء فى ايصال مفاهيمه و وجهات نظره وفكره واعتقاده الى اى بقعة فى سطح الكرة الارضية المغطاة تمام التغطية بهذه الوسائل وهذا الخيار الثانى اذا استخدمه المسلمون تجده اقوى من الخيار الاول خاصة فى حاضرنا هذا وقوته هذه لا يعرفها من هو غير مؤهل لتبنى مشروع تغيير احوال الناس وتحسينها , ولا اعتقد انه اذا توفرت هذه الوسائل لاصحاب الفكر القاعدى سيقومون بخدمة البشرية عبرها و افشاء حرية التعبير بينها , فهؤلاء لا يريدون اى مساحة للتفكير الحر الذى يمثل جوهر الدين الذى هم متعصبون له من تدبر وتفكر , هؤلاء المتشددون لا يدعون مجالاً لعقولهم لكى تغوص وتمحص وتدقق فى جزئيات كثيرة متعلقة بالدين هم ابعد الناس عنهافهماً واستيعاباً لذلك تجد المحصلة النهائية لفكرهم هى الافلاس المفاهيمى ووصولهم الى قناعات مبنية على اوهام لا تمت الى تعاليم الدين بصلة . اما الخيار الثالث الذى يتبعه الفرد والمجتمع المسلم هو التغيير بالقلب وهو ان يظل الانسان مستذكراً وصاحياً ومنفعلاً بما يسوئه من مشاهدات لا يرى فيها علاقة بالسلوك القويم فتجده متالماً طامعاً الى فعل الخير و ساعياً له فيها .
ان حملة التشويه الكبيرة التى استهدفت تعاليم ديننا الحنيف ليست كلها من صنع اليهود والنصارى والكفار والغربيين بل هنالك مجموعات من المسلمين المتشددين والمتعصبين المتشنجين يتبنون الاعمال الاجرامية ويقومون بها بل ويتفاخرون ويتباهون بارتكابهم لها من خلال بيانات وتسجيلات تبث عبر القنوات الفضائية و بعض المو اقع الالكترونية فهم ينساقون وراءها بجهل وغباء بائنين , ان ما تعرض له نبى الرحمة فى ايام الرسالة الاولى من اذىً من اهل مكة والطائف كان من الالم والمعاناة ما تسبب فى تصبب الدم من على جبينه فتحمل كل ذلك فى سبيل تحقيق هدفه من الاصلاح الاجتماعى لتلك المجتمعات الجاهلة والبربرية , لقد كانت باستطاعته عليه افضل الصلوات واتم التسليم ان يرفغ اكفه بالدعاء عليهم و يتخلص من بعد ذلك من كل الاشرار , لكن حكمة الدعوة والرسالة المحمدية تختلف عن سابقاتها فى الدلالات والعبر فهى تقر بان الحياة شقين , شق يمثل الخير والاخر يمثل الشر وليس بالضرورة ان يظل الخير خيراً الى ابد الابدين او يظل الشر شراً الى ان يرث الله الارض ومن عليها , انما هنالك املاً دائماً وعشماً مستمراً فى ان يتحول الكافر والجاحد والشرير الى رجل خير وتقوى وهداية , وهنا تكون موجهات الدعوة مصوبة الى هذا الجانب من حياة الفرد وكذلك المحافظة على من وهو متبع لهدى النبى الكريم وتهيئة البيئة المناسبة له لان يكون متصالحاً مع نفسه والناس من حوله لانه اذا توافرت ظروف وعوامل فتنة يمكن ان يتحول ذات الشخص المهتدى الى شرير.
ان الامن والسلم الاجتماعى الذى تعيش فيه ما نسميها دول الغرب الان سببه قيامهم بايجاد حلول لمسببات الغبن والاحتقان العنصرى والتزمت الدينى والكهنوتى لذلك عاش انسان تلك البلاد فى تصالح مع نفسه والمجتمع الذى من حوله عكس ما نعايشه فى مجتمعاتنا الفقيرة والجاهلة فى الاختباء من وراء امجاد تاريخية ادى ابطالها دورهم ونسينا نحن الدور الواجب علينا القيام به واكتفينا بالعيش و التمادى فى الذكريات الجميلة وتجدنا نعيش فى النظرية اكثر من العمل على تطبيقها ونكثر من الحديث عن الاخلاق و الاستقامة وما يجب ان يكون ومالا يجب ووصم الشعوب الاخرى بالتفسخ والاباحية فهؤلاء تجاوزوا هذه المعيقات بتحضرهم وابحارهم فى العلوم تطبيقاً لا تنظيراً و استهلاكاً للزمن.
ان مضمون جوهر الاسلام لا يحتاج الى عناء كبير حتى يستوعبه الانسان هنالك الكثير من الايات الكريمات تحدثت عنه مثل قوله تعالى( وماارسلناك الا رحمة للعالمين) صدق الله العظيم وهذا المعنى يدل دلالة قاطعة على ان قتل المدنيين ليس له مسوق فى ديننا الحنيف.
اسماعيل عبد الله
esmmeel@yahoo.com
+971504233928
Dubai
U.A.E
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة