حركة العدل والمساواة : القول الفصل في المبادرة والرؤية البليغة للتراضي
اكتنفت إطلالة النصف الثاني من العام ثمانية وألفين العديد من المتغيرات في الساحة السياسية السودانية , علي الصعيدين المحلي والعالمي , ولعل أهم تلك المتغيرات العالمية هو طلب المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير في يوليو / تموز الماضي , أما على الصعيد المحلي فقد كانت قائمة المتغيرات حافلة بالكثير من المعطيات التي يصب جزء منها في رصيد الإنجازات للحكومة السودانية وتحديداً المؤتمر الوطني ـ الحزب الحاكم ـ وهنا يكفينا مثالاً واحداً وهو اتفاق التراضي بين حزبي الأمة و المؤتمر الوطني والذي تم اعتماده من قبل قيادتي الحزبين [ السيد / الصادق المهدي والرئيس البشير ] في أواخر مايو / أيار الماضي . أما على الجانب الآخر من الأحداث المحلية أي تلك التي قد أضافت إلي رصيد الأزمات التي تعاني منها الحكومة أزماتٍ جديدة , فأهمها الهجوم الذي قامت به حركة العدل والمساواة ـ أحد أهم فصائل التمرد في دار فور ـ على العاصمة الخرطوم في العاشر من مايو الماضي , وما تبع ذلك من نتائج , ونعني بذلك ما قامت به الأجهزة الأمنية من مطاردات وملاحقات لمن تعتقد أنهم متورطون في تلك الأحداث , وما تلاه من محاكمات وصلت إلي درجة الإعدام والتي مازالت تنعقد حتى اليوم . وحدثٌ آخر , وهو على قدرٍ عالٍ من الأهمية ـ تحديداً في ظل هذا التوتر الدولي والمحلي ـ هو اختفاء السيد / مني أركو مناوي من مكتبه في القصر وبقائه بين جنوده ـ في دار فور تعبيراً ـ عن احتجاجه على تقاعس الحكومة في تطبيق بنود اتفاق أبوجا , وهو الاتفاق الذي بموجبه أصبح مناوي جزءاً من الحكومة . إذاً وفي ظل كل هذه التوترات الداخلية والخارجية تمخضت عبقرية الحزب الحاكم عن إطلاق ما يُسمى : بمبادرة أهل السودان , والتي أعلن عنها الرئيس البشير في الأسبوع الأول من أغسطس / آب الماضي , أي بعد حوالي ثلاثة أسابيع فقط من تقديم المدعى العام للمحكمة الجنائية طلباً بتوقيف البشير , هذا وقد تباينت ردود الأفعال حيال تلك المبادرة مابين مؤيد ومعارض ومتحفظٍ , على الرغم من ادعاءات رئيس الجمهورية بأنها [ سوف لن تستثني أحداً ] , فهنالك من رحب بها وهنالك من وصفها بالهلامية وخلافه من الأوصاف , وما نحن بصدد مناقشته الآن هو موقف أحد تلك الفصائل المعنية بالمبادرة , الموسومة بمبادرة أهل السودان, حركة العدل والمساواة والتي برزت على سطح الأحداث السياسية السودانية بوصفها جناحاً عسكرياً يحمل السلاح ضد الحكومة في الخرطوم وبوصفها حزباً سياسياً له رؤيته للسودان الذي يتمناه وله أهدافه وبالتالي له منظريه وله مفكريه ولنرَ ماذا قال قادة تلك الحركة في مبادرة أهل السودان :
[[ تعتبر حركة العدل والمساواة المبادرة المسماة ب " أهل السودان " مبادرة هلامية غير واضحة المعالم وهي مبادرة يمكن أن نطلق عليها نحن " مبادرة إهدار وقت أهل الهامش " ولذلك لا نقبل هذه المبادرة شكلاً ومضموناً طالما راعيها هو مجرم حرب ومطلوب دولياً ]]
المصدر : موقع حركة العدل والمساواة على الانترنت , بيان من أمانة الشئون الخارجية والعلاقات الدولية , توقيع : الأستاذ / بشارة سليمان نور.
إذاً كان ذلك هو موقف الحركة من المبادرة , والمتأمل لما ورد في البيان يمكنه أن يستنبط وبشكل مباشر صلابته وقوة حسمه للأمر ما جعلنا نسمه بميسم القول الفصل , حيث أن الحركة لم تدع الباب مفتوحاً ولا حتى موارباً بل أوصدته تماماً أمام المبادرة وما جرى مجراها ما دام الراعي لها هو النظام ورأسه المطلوب دولياً والذي وصفته " بمجرم حرب " , وفي نفس السياق نجد أن الحركة قد عضدت رفضها للمبادرة بأسباب ـ وجهتها للشعب السوداني ـ جاءت لحد كبير منطقية على الأقل من الناحية النظرية , لا نريد أن نورد تلك المسببات المشار إليها حيث يمكنك الرجوع للبيان المذكور آنفاً , لكننا نود أن نطرح بعض الأسئلة التي نأمل أن يتأسس جراءها خطاباً مغايراً يمكن تبنيه أو على الأقل وضعه في الاعتبار :
أولاً : تأسيساً على الموقف القوي للحركة " عسكرياً " بعد العملية الجريئة التي قامت بها مؤخراً , و " سياسياً " بامتلاكها رؤيتها الواضحة لحل أزمة دار فور والمنبثقة من رؤيتها الشاملة لتصورها للسودان الذي تراه , أما كان الأجدر لقيادة الحركة أن تبقي بصيصاً من الأمل للاستماع للطرف الآخر ؟
ثانياً : صحيح أن المبادرة هي فكرة حزب المؤتمر الحاكم وانه الراعي لها , لكن أليست هنالك أطراف أخرى مشاركة أو قل أُشركت في المبادرة وشريكة في السلطة ومن المفترض أن لها دور يجب أن تلعبه تجاه القضايا المصيرية , وأن للحركة صداقات مع هذه الأطراف وتحظى باحترام الكثيرين منهم , فلماذا لا تستثمر الحركة هذه الظروف وتسمعهم صوتها وتُملي عليهم شروطها من داخل طاولة التفاوض والعمل على تحييد أطراف جديدة و إقناعها بصدق توجهها والتمسك بشروطها , وفي حال رفض مبدأ التفاوض بهذه الكيفية ـ من قبل المؤتمر الوطني ـ ألا يعد ذلك مكسباً سياسياً للحركة ؟
ثالثاً : الظروف التي صاحبت إطلاق المبادرة تعد من أحلك ما يكون بالنسبة للمؤتمر الوطني وهو الآن يعاني كما صدرنا في بداية الحوار , وبالتالي , نتيجة لذلك فهو الآن يتسابق مع الزمن لبناء كريات دم جديدة لمعافاة بنيته التي أصابها النحول , وبكل السبل , يتجلى ذلك في إسراع الرئيس في زيارته لدار فور , إطلاق المبادرة , الوفود الخارجية , المبايعات المفتعلة , الزيارات الأسرية التي يقوم بها نائب الرئيس علي عثمان في إطار ما يسمى بتفقد الرعية , العمل على قيام الانتخابات في موعدها ـ بعكس رؤية شريكه ـ , التصريحات الهستيرية لقياداته ـ من مثل ما يقوم به د. نافع ـ , التحريض الصحفي وإثارة الفتنة ـ من مثل ما يروج له المأزوم الطيب مصطفى , و أهم من ذلك وأخطر الهجمات البشعة التي تستعر نارها الآن لتصفية المعسكرات وإبادتها , يحدث كل ذلك وللأسف الجميع يتفرج وفي أحسن الأحوال انسحابات وزارية ولا ئية , هذه المعطيات التي عددناها ـ حسب رأينا ـ تفرض على جميع الأحزاب المشاركة في السلطة وتلك التي لها اتفاقاتً جانبية مع حزب المؤتمر , إلي اتخاذ موقف أكثر صرامة لردع المؤتمر وإلزامه حدوده , والعبء الأكبر في هذا يقع على الحركة الشعبية ـ لما تتمتع به من ثقل ـ , كل هذه الحيثيات لماذا لا تستغلها الحركة وتنقل رؤيتها ـ مع التمسك بشروطها كما ذكرنا ـ وتبصير كلٍ بدوره , وفي حالة الرفض أيضاً , ألم تكن هي الرابح , بتسجيلها موقف أكثر ايجابية ؟؟
رابعاً : عللت الحركة رفضها للمبادرة , بعدم جدية الحكومة , وبشخص البشير أيضاً بوصفه رئيس اللجنة التنفيذية للمبادرة , لكن في رأينا أن المسألة ليست في الأشخاص , البشير أو سواه , والبشير لا محالة ذاهب إلي لاهاي أو صراصر اليوم أو غداً , المشكلة ـ في اعتقادنا ـ تكمن في العبث المقنن الذي تفنن فيه حزبه وأدمنه وأكسبه أغطية شرعية لا حصر لها , نذكر منها : قانون الانتخابات نظرياً , و عملياً هي على الأبواب وهو ساعٍ لها , شركاء بالمجان : الحركة الشعبية , شركاء أسمرا , جناح مناوى , التراضي , المبايعات وشراء الذمم وغير ذلك , وهنا ألا يرى معي قادة الحركة أن كل هذه المغالطات لا يمكن أن تحلها البندقية وحدها ؟ إذاً ألا ترون معي بأن العبث باقٍ حتى بعد زوال البشير وأنه يحتاج إلي حوار وحوار جاد يظلله غصن زيتونٍ بيد وبندقية تحرسه باليد الأخرى ؟ أليست أي إمكانية للتفاوض ونقل الرؤية الصائبة من خلالها يُعدُ مكسباً سياسياً جديداً ؟
ختاماً : هذه رؤيتنا وهي رؤية افتراضية , مع قناعتنا التي لا تتزحزح حول النظام الحاكم , بأنه غير جاد في احترام الرأي الآخر وأن الذين يديرون دفة الأمور من داخل حزب المؤتمر يحلمون بتحويل السودان إلي أمارة وهم عبثاً يحاولون , ولكن العبث كل العبث أن تظل القوى السياسية السودانية تلعب دور المتفرج على كل ما يدور , وأحياناً أخرى يُلعبُ بها دور الكومبارس , وهنا أيضاً تبرز مرة أخرى أهمية وجود من يناط به القيام بإنفاذ المهمة المستحيلة [ mission impossible ] .
التراضـــــــــــــــــــــــــــــي :ـــ
وهو اتفاق ـ كما أشرنا آنفاً ـ قد تم توقيعه بين حزب الأمة وحزب المؤتمر الحاكم في مايو / أيار وقد اشتمل على عدد من الأجندة يمكن حصرها في سبعة مواضيع رئيسة , احتلت دار فور الترتيب الثالث من حيث التسلسل , على أننا لا نود أن نتحدث عن الاتفاق وتفاصيله في بحثنا هذا , ولكننا سوف نورد فقط الفقرة المتعلقة بدار فور والتي سوف نرى من خلالها تعليق حركة العدل والمساواة على هذا الاتفاق , ومن ثم لماذا وسمناها بالرؤية البليغة .
[[ ثالثاً : دار فور : إن جذور الاختلال الأمني بالمنطقة تعود إلي ما قبل الاستقلال ولكن ظل التفاقم في مرحلة ما بعد الاستقلال وحتى الآن بسبب التنافس على الموارد الطبيعية والزعامات الإدارية والمظالم السياسية المتراكمة مثل فرط المركزية في الإدارة والحكم , وخلل التوازن التنموي والخدمي . والاضطراب الأمني في دول الجوار . ]]
تلك هي الفقرة الخاصة بدار فور في اطار اتفاق التراضي
ولا نريد من جانبنا أن نقوم بإجراء عملية تشريح لما ورد في الاتفاق حول أزمة دار فور ـ والتي وصفها بالاختلال الأمني ـ في هذا المقال حيث أننا سنفرد لها مقالاً منفصلاً في وقتٍ لاحق , إلا أنه لا مناص من أن نشير إلي التحايل الواضح في الاتفاق وتعمده إخفاء الأسباب الحقيقية للأزمة من ناحية مرجعية مسبباتها , بل والتطفيف بها وذلك بوسمها أنها اختلالاً أمنياً , في رأينا أن الصياغة جاءت بهذه الكيفية , لأن المشّرِعُون الذين أنيط بهم وضع أجندة الاتفاق وكتابة ديباجته , قد وضعوا نصب أعينهم في أن يخرج بالكيفية التي تعفي كل من الطرفين الموقعين من مسئولية ما حدث تاريخياً وما يجرى الآن بل وما يتمخض عنه المستقبل .
موقف حركة العدل والمساواة من التراضي :
جاء ـ وفي نفس البيان المشار إليه آنفاً ـ ما يلي : [[ ... وأكبر دليل للالتفاف من قبل النظام هو ما يسمى باتفاق التراضي بين الأمة والوطني والذي لم تنفذ أياً من بنوده حتى الآن , وليس إلا اتفاق حبر على ورق واتفاق زُجَ به حزب الأمة كمصدات رياح للبشير ]]
حقيقة أن الرؤية هنا كانت بليغة من جانب الحركة , بل بليغة مرتين : الأولى لأنها وصفت النظام أو حزب المؤتمر بما يليق به وهو الالتفاف والذي هو أقرب إلي التطفل , حيث أن حزب المؤتمر كما ذكرنا , هو الآن في أسوأ حالاته وأصبح لا يقوى على العيش منفرداً , بعد الأزمات المتكررة التي ظلت تلاحقه , الأمر الذي جعله يتوجس حتى من ظله , ولذا نلحظه يجمح متلهفاً نحو الآخر وما بالك إن كان الآخرون من عيار حزب الأمة .
والثانية : كانت الرؤية بليغة في أنها ـ أي الحركة ـ أدركت معنى ما أُريد بحزب الأمة من تراضٍ , وليت شعري هل يقرأ حزب الأمة ما يُكتب ؟ .. آه ما أجملك يا بي نظير بوتو و ما أروع قوة احتمالك للمنافي وما أحلك ليلة السابع والعشرين من ديسمبر من كل عام .
ألا يقرأ سياسيونا التأريخ ألا يستمعون للأخبار ألا يطالعون في الصحف وماذا تكتب ألا تثير غيرتهم تلك النماذج الرائعة التي تقدمها الأحزاب المبدئية مثل ما فعل الباكستانيون بأشرس دكتاتور في مطلع القرن الحادي والعشرين ؟؟ ألم يأتهم نبأ مانديلا ومعجزات المؤتمر الوطني الأفريقي ؟ نحن من دفع الثمن , نعم نحن أهل الهامش من صنع تلك الأحزاب ورفعها مكاناً عليا لم تكن لتحلم به لولا دعمنا السخي على مر أجيال , منذ أجدادنا الذين تحللت أجسامهم الطاهرة في تراب السودان , أولئك الرجال الذين كانوا لا يرضون كلمة في المهدي عليه السلام , ولا في أي من هو ممن ذريته , أجدادنا الذين كانوا يتقاسمون الحصاد مع آل الميرغني و يفترشون الأرض و يلتحفون السماء لأجل عيون آل المهدي , أولئك جميعاً هم من صنع هؤلاء الذين رضوا لأنفسهم ـ اليوم ـ بأن يأكلوا الفتات ويقبلوا الصدقات وأن يُوضعوا للرياح مصـــدات ـ كما عبرت الحــــــــــركة عنهم ـ فما أبلغ التعبيــــــــــــــــــر وما أجمل التصـــوير .
حــــاج علي /
الســـــــعودية
الاثنين، 22 أيلول، 2008م
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة