الحسنة في المنعول زي الشرا في القندول
خالد أحمد بابكر
(1)
لعل من تمام القول أن أحيي أستاذنا الدكتور عمر محمد الحسن شاع الدين أستاذ العربية وصاحب العمود الأشهر (قذاذات وجذاذات) على إهدائه لنا عموده في صحيفة (الصحافة) بتاريخ 6/5/2008م حول ما تحادثنا بخصوصه وهو المثل السوداني السائر (الحسنة في المنعول زي الشرا في القندول). كما يجدر بنا – في السياق ذاته – أن نجدل جدائل الشكر والتقدير للصديق النابه الأستاذ عبد المنعم عبد الله عجب الفيا على ما خصنا به من محاور في ذات شأن المثل المعني.
جاء في استهلال شاع الدين قوله: « مما درجت عليه أساليب الصياغة العامية في الأمثال، أن تصنع تقابلاً لفظياً هو أقرب درجة لكمال السجعة تحسيناً. وهو باب القلْب الذي يفتح أبواب السيرورة. ومثل هذا نجده كثيراً في مفردات اللغة يدخلها القهر تطويعاً لتعصيها لتناسب الإتقان بالجرس المصنوع إستطابة». ويضيف: « في أمثالنا العامية أنظر: الحسنة في المنعول زي الشرا في القندول، تجدنا نقول (منعول) والأصل (ملعون) من اللعن: الذم لغة، لكن الصيغة هنا تروم ما يتوافق مع (القندول) الذي سيرد لاحقاً، ذلك خوف نشاز: (عون=عول): (ن=ل) الذي يقتل فرحة الجرس المتوافق. والذي عليه الناس أن ينقهر التابع للمتبوع فتصبح الصيغة نشازاً فوق النشازات: الحسنة في المنعول زي الشرا في القندول، (ول=ون)«.
هذا المثل رائج وشائع في لسان أهل كردفان، خاصة شرقها وشمالها، وهو عندهم مستخدم بصورة يومية. وشمال كردفان أو (دار الريح) هي مناطق عديدة يعلمها أكثر الدكتور خالد محمد فرح وصديقنا الأستاذ الترجمان سيف الدين عبد الحميد. ونحن في شرق كردفان نقول لكل منطقة تقع في الاتجاه الشمالي لمدينة أم روابة (دار الريح). و(الريح) في لغة أهل السودان يأتي بمعنى (الشمال)، كما يأتي (الصعيد) بمعنى (الجنوب).
عندي أن (الشرى) هو النوّار الذي يكسو القندول ويغطيه قبل نضجه، وحين ينضج يتساقط الشرى. وقد عدد الدكتور شاع الدين بعض المعاني التي احتملتها لغتنا العامية، منها أنه يقودنا لمعنى الغضب والإغراء. وبرهن على ذلك بقولنا (شرَّ الثوب): إذا عرّضه للشمس. بمعنى: شررته، ومنه كذلك قولنا العامي (شرّاه): للمنتَظِر. يقول: «كأنما هو لطول انتظاره كالذي عرض للشمس، وفي هذا غايات الغذاب. وأنت لو أردت ستجد معنى الاضطراب والحركة في نفس المنتَظِر (المشرور) لا المسرور، وذلك بقلقه وتحريك الهواء له مثلما في (شرا القندول)». وهذا رأي أحسبه جيد في معناه. وانتهى شاع الدين إلى أن (الشرى) في اللغة هو ما يخرج على الجلد من طفح يدفع للحكاك، ومنه أخذنا (شرا القندول) الذي يطير بفعل الهواء فيقع على الجلد فيجعله مبثوراً.
يقول الأستاذ عبد المنعم عجب الفيا أن هذا المثل شغله كثيراً وأشكل عليه لفترة من الزمان، إذ أنه كثيراً ما كان يتساءل عن وجه الشبه بين (المنعول)/ الملعون والشرى. وقد رأى: « أن المنعول السودانية فيها (قلْب) وليس إبدال، أي أنه لم يتم إبدال اللام نوناً هنا وإنما حدث (قلب) في ترتيب الحروف. وهذه الظاهرة معروفة عند علماء اللغة العربية القدامى، مثلوا لها بـ (جذب) و(جبذ) التي ننطقها (جبد)، ونحو (جواز) في (زواج) التي نسخر فيها من أهلنا الغبش ونستلطفها عند المصريين والشوام، فتأمل!».
كما جاء من حديثه أن وجه الشبه المقصود بين (المنعول) والشرا، أن الشرا هو النوار الذي يغطي (قندول العيش) قبل ظهور الحبوب وسرعان ما يستغني القندول عن الشرى ويترك ليتساقط هباء منثوراً بعد ظهور الحبوب، مع أنه أساس حبوب العيش، ومن غير (شرا) لا عيش، إذ ان القندول الذي لا يغطيه الشرا لا يخلف عيشاً.. كذلك الشخص (الملعون) ناكر للجميل، لا يقدّر الإحسان، ويسيئ لمن أحسن إليه.
من الملاحظات الحصيفة التي أوردها عجب الفيا، هي أن لفظة (الشرا) تُلفظ عندنا بالإمالة (الشري). وعندنا هذه يقصد بها أهل كردفان. وأشار إلى أن (الألف) تبدل (ياء) – والإمالة ظاهرة متفشية في كردفان، خصوصاً عند الجوامعة، مع أن الشايقية كانوا قد اشتهروا بها أكثر من غيرهم. يقولون في (أنا): أني. والإمالة – كما يرى عجب الفيا – من لوزام اللسان العربي الفصيح، وكانت متفشية في قبائل تميم وأسد وقيس وهوازن. وفي القراءات، قرأ بها الكسائي وأبو عمرو وحمزة من القراء السبعة، وهي القراءة المعروفة عندنا في السودان بقراءة الدوري التي طغت عليها اليوم قراءة حفص عن عاصم بسبب التبعية العربية.
في خاتمة رسالته – وفي سياق سؤاله عن ابنتي الصغيرة رؤى – التي ماتزال (تلغلغ) قال: « اللغلغة التي وردت في سؤالي عن (رؤى) فهي من اللغو: وهو الكلام الذي ليس له معنى أو فائدة. وهي أيضاً من اللغة. واللغة أصلها (اللغوة) كما تقول المعاجم وكتب اللغة. لاحظ أهلنا يقولون لغوة ونحن نضحك. يقولون: فلان لغوته شِقْ: أي لا تشبه لغوتهم. ويسألونك: الناس ديل هناك لغوتهم شِنِي؟ ونحن نضحك ولا ندري أن اللغة أصلها لغوة!«.
من خلال كل ما ذكر، يمكنني أن أخلص إلى أن المثل (الحسنة في المنعول زي الشرى في القندول) يرمي إلى التنبيه بأن الشخص (المنعول) هذا لاخير فيه ولافائدة، لأنه متقلب ومتراوح ولا يستر حالاً البتة، شأنه شأن الشرى: الذي يتخلى سريعاً عن تغطية القندول وستره.
يبدو معروفاً لدى كثير منا، أن ديوان الشعر السوداني العامي، قد حوى كثيراً من الإشارات التي ورد فيها ذكر للقندول، والقندول هو رمز للزراع والكادحين من أبناء بلادي، وإن استخدمه الساسة شعاراً لبعض حملاتهم الانتخابية. يقول الفحل هاشم صديق في بعض مقاطع من قصيدته المشهورة (أذّن الآذان):
منو الإتفشى ولّع نارو في المحصول
وما عاين عشان يتأمل العيش الملا القندول
منو السلّم صغارو الغول
(2)
في كلمته (الخروج من دوامة الآخر إلى رحابة الذات – مجلة الرافد – العدد (68) أبريل 2003م)، يذهب الكاتب السوري الأستاذ محمود منقذ الهاشمي إلى أن مصطلح (نظرية المؤامرة): « ظهر منذ عقود عديدة في بعض الأوساط السياسية الأمريكية لوصف رود فعل بعض الناس تجاه ما يحدث في التاريخ السياسي بأن التاريخ كله وليد المؤامرات وليست هناك أسباب سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية للحوادث، فلا شيء إلا المؤامرات. والمؤامرات موجودة وإن لم يَقُم الدليل على وجودها. فكل الأطراف متهمة ولابد يوماً أن تنكشف المؤامرات، وكل طرف لا ينتظر من الأطراف الأخرى سوى التآمر، وأي شيء يحدث ولا يكون في صالح هذا الطرف أو ذاك هو وليد فعل تآمري وليس ناجماً عن إهمال أو تقصير أو خطأ. فالشر – حسب ذهنية البعض – لا يأتي إلا من الخارج، والذات دوماً على حق ولا تفعل إلا الخير. لذا يمكننا القول بأن (نظرية المؤامرة) هي: حالة نفسية لها أسبابها التاريخية والسيكولوجية والثقافية، وليست نظرية تقوم على التحقق بطرق الإثبات التجريبية«.
الحديث عن نظرية المؤامرة يجرنا إلى القول أن بيننا اليوم أناس يستسهلون اتهام الآخرين بالمؤامرة على كل أمر من الأمور. كما يستسهل بعضهم إتهام الآخرين كذلك في أنهم واقعون في قبضة (نظرية المؤامرة). وهناك صنف آخر من الناس يزاول نوعاً من الإرهاب الفكري لمنع أي شكل من أشكال التفكير في أن في الدنيا من له علاقة بالمؤامرات. وقد رأينا أن هذا الإرهاب الفكري بلغ مبلغاً عظيماً جعل بعض الكتاب والمثقفين يكفون عن الاعتقاد بوجود مؤامرات بين بني البشر، ويشعر بعضهم بالحرج والاستنكاف لمجرد الحديث عن المؤامرة!
يتحدث الهاشمي في بعض ما جاء في مقالته عن معنى المؤامرة في اللغة، يقول: «في العربية تعني: المشاورة، وهي في الإنجليزية Conspiracy مشتقة عن اللاتينية من كلمتين هما: (Con) ومعناها: (معاً) و Spirare وتعني: البوح أو التنفس. وهكذا كانت الكلمة الإنجليزية في الأصل تعني (الهمس). إلا أننا إذا غضضنا الطرف عن التطور الدلالي للكلمتين العربية والإنجليزية، واعتقدنا أن المعنيين السائدين لهما هما معنياها الأولان، نكون قد وقعنا فيما يسمى في اللسانيات الحديثة بـ (المغالطة الاشتقاقية). بمرور الزمن، إكتسب المصطلحان العربي والإنجليزي المعنى السلبي وصارت المؤامرة تعني: التخطيط السري مع الآخرين، لاسيما لغرض غير مشروع وضار بمصلحة طرف غائب». ومن ثم يعدد الهاشمي بعض الاستخدامات لمصطلح (نظرية المؤامرة) بقوله أنه مصطلح: « لا يستخدمه من يتبناه، بل من يعارضه. وبعبارة أخرى، فإن استخدام هذا المصطلح هو إستخدام إتهامي تهكمي: (أنت تقول بكذا وكذا، إذن أنت تقول بنظرية المؤامرة). كما يُستخدم لتبرئة الذات: (أنا لا أقول بنظرية المؤامرة). ولعل مكمن الغموض في مصطلح نظرية المؤامرة هو الاستخدام الهازئ لكلمة (نظرية) فيه. فلو قيل (عقدة المؤامرة) فلربما زال الغموض كله من المصطلح».
ومع ذلك، يورد الهاشمي شاهداً على إثبات (نظرية المؤامرة) من خلال حديثه عن الفرد ماهان (1840-1914م) في أنه هو الذي أطلق مصطلح (الشرق الأوسط) على منطقة آسيا الغربية، من منطلق إستعماري لا يخدم سوى أهداف الهيمنة الأمريكية. وأنه – أي الفرد ماهان – تجاهل كل التعقيدات التاريخية والثقافية للمنطقة. يقول الهاشمي إن الفرد ماهان طرح في كتابه (تأثير السلطة البحرية في التاريخ) الصادر عام 1890م، حجة مفادها أنه: « لتحقيق الهيمنة العالمية ينبغي أن يكون للدولة التفوق البحري من خلال السيطرة على الكتل البرية الكبيرة الواقعة بين الشرق الأدنى والشرق الأقصى – أي الشرق الأوسط». فكانت السيطرة – كما يرى الهاشمي: « على هذه القطعة من الأرض شديدة الخطورة بالنسبة للفرد ماهان. وهكذا كان مصطلح (الشرق الأوسط) مرتبطاً بشكل أساسي بأهداف الهيمنة الاستعمارية. وقبل كتاب ماهان هذا – أي قبل سنة 1890م – لم يكن لهذا المصطلح أي وجود«.
هذا الحديث عن المؤامرة يحيلنا إلى ما تناوله المفكر الفلسطيني الأصل الراحل إدوارد سعيد في كتابه العظيم (الاستشراق)، الذي عدّد فيه باستفاضة كثيراً من وجوه التواطؤ الكولونيالي على الشرق. فقد جاء سعيد بكثير من الشواهد التي تورط عدداً كبيراً من الأسماء والرموز الثقافية والأدبية والفكرية الغربية، ونحا في ذلك نحواً منهجياً قويماً في إيراده لتلك الشواهد الناصعة، مثبتاً لبعض من آرائهم السالبة التي تصل لدرجة التواطؤ البائن حيال الشرق. لكنه بالمقابل، لم يغفل بعض إشراقات المثقفين الغربيين ورؤيتهم المنصفة للشرق، خاصة حديثه حول المستشرقين والاستشراق الألماني. فكتب كتابة عظيمة حول الشاعر والفيلسوف الألماني (جوته) الذي تغنّى للشرق في كثير من قصائده.
على ذات صعيد كتاب (الاستشراق) لا يفوتنا أن نشير لقراءة الأستاذ عبد المنعم عجب الفيا للكتاب، والتي جاءت في حلقات في صحيفة (الرأي العام) قبل نحو عام أو يزيد. وقد وقفنا في الاتجاه المغاير لمجرى القراءة التحليلية، وعبنا على صديقنا النابه بعض ما أورده في متن قراءته. إن لم تخنِّي الذاكرة، أقول إن عجب الفيا سعى لتبرئة بعض الرموز الأدبية الغربية التي وصمها سعيد بالتواطؤ على الشرق. وحجته في ذلك، أن سعيداً أخذ هؤلاء بجريرة (نظرية المؤامرة). فعجب الفيا لا يرى حرجاً في اتهام سعيد في أنه واقع في براثن النظرية التآمرية، وما معناه، أن كل هؤلاء النفر من الكتاب والمثقفين الغربيين لا يمكن أن يتفقوا جميعاً على هذا التواطؤ. أجدني أعلّق على هذا الكلام من الذاكرة، وليعذرني الصديق عجب الفيا إنْ قوّلته ما لم يقله.
- نقلاً عن صحيفة (الأحداث) الجمعة 19 سبتمبر 2008م
http://alahdathonline.com/Ar/ViewContent/tabid/76/ContentID/16397/Default.aspx
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة