من المحيط إلى الخليج
تداعوا من كل فج عميق يحملون انكساراتهم وهزائمهم في الأندلس مرورا بالقدس وسبتة ومليلية وتطوان والاسكندرون وطنب الكبرى وطنب الصغرى و"أبو موسى" وانتهاء ببيروت وبغداد وجاءوا إلى الخرطوم "للفزعة" المظهرية .. قالوا وشجبوا وأدانوا وتضامنوا ونددوا و.. ومن يبزهم في صناعة الكلام ؟.. لم تهزهم المأساة ولم تحرك فيهم شعرة فالمزاج العربي لا يألف سوى لبنان.. يترددون عليها سبعة أيام في الاسبوع.. الفاشر ليست بيروت ، ونيالا ليست طرابلس والجنينة ليست صيدا أو صور وأهل دارفور سحناتهم سوداء وتقاطيع وجوههم ليست في حلاوة تقاطيع وجه نانسي عجرم أو سوزان تميم ، يعيشون خارج الذاكرة العربية ، حتى لو كانوا من حملة الكتاب الشريف أو حفظة ألفية إبن مالك. معظمهم لا يدرون أين تقع دارفور في الخريطة ، بل لم يسمعوا بسنار أو كسلا أو الأبيض ولا يعرفون رشاد أو رمبيك أو واو أو عطبرة.. من يعرفون دارفور منهم داسوا على أهل دارفور بالأحذية الغليظة ومزقوا أجسادهم بالرصاص على بعد أمتارقليلة من مبنى جامعة الدول العربية ولا يزال إطلاق الرصاص متواصلا ، فيسقط أهل دارفور كطيور السمان كلما حاولوا التسلل للدولة العبرية بحثا عن الأمان، وفي الفم ماء ولا أحد يجرأ حتى على البكاء.. كلهم هتفوا من قبل لصدام مثلما يهتفون الآن.. وضخموا صداما وضخموه .. وضخموه ثم تركوه أخيرا ينفجر وحيدا مذعورا على أسوار بغداد .. هكذا هم. لم يتحرك الجبل إلا بعد صدور مذكرة أوكامبو في حق واحد منهم ويمكن أن تعقبها مذكرات تطال آخرين.. جاؤوا للخرطوم دفاعا عن أنفسهم من خطر قادم وقد لا يكتفي بهدف واحد يتخذ أهدافا أخرى .. فالأيام حبلى وغدا من يدري من يكون المطلوب الجديد. ما جاؤوا لنصرة أحد وليس في مقدورهم ذلك حتى لو شاؤوا.. مجرد تظاهرة كلامية بحكم العادة العربية الموروثة من عكاظ ولكنهم لو سلبهم الذباب شيئا ما استنقذوه منه ، ضعف الطالب والمطلوب.. هل استنقذوا شبرا من أرض في يوم من الأيام؟ مستثمرون؟ ممكن، حكماء؟ "اسمحوا لي" . حتى مبادراتهم الخجولة لا تشم فيها إلا رائحة الانكسار وترسيخ ثقافة مصادرة الآخر وقفل كل الأبواب في وجه التغيير.
الاتحاد الأفريقي والراي العام العالمي ومجلس الأمن الدولي جميعهم رفضوا انقلاب موريتانيا، والخروج على السلطة الشرعية المنتخبة في بلد لم يعرف الانتخابات قط منذ الاستقلال عن فرنسا وبلد لا يزال الرق فيه مؤسسة اجتماعية تمد لسانها لكل الدنيا. يقولون عليها إنها بلد المليون شاعر ولكنها بلد المتناقضات التي تجمع بين ثقافة الشعر وثقافة الرق. العالم كله قالها بكلمات واضحة لا للعسكر في موريتانيا، ولا بديل للشرعية ،لكن مندوب الجامعة العربية لنواقشوط قال بلا حياء إنه "يتفهم" أسباب الانقلاب.. من منهم جاء إلى السلطة أو واصل البقاء في كرسيها بتفويض شعبي ؟ الحالة الموريتانية كشفت كل سوءاتهم للدنيا وأكدت غياب ثقافة الديموقراطية والآخر من المحيط للخليج..
وبغباء شديد يسوقون النموذج الديموقراطي الإسرائيلي حينما يتناولون "فضائح" أولمرت و"مأزق" أولمرت و"فساد" أولمرت ، والرجل "الغلبان" متهم بتلقي رشى أو سوء التصرف في مبلغ مائة وخمسين ألف دولار فقط واستخراج تذاكر سفر بالطائرة لاسرته وبعض المقربين إليه عندما كان عمدة للقدس ، أشهد الله أن أولمرت رجل غلبان ، فماذا تعني مائة وخمسون ألف دولار في العالم العربي؟ مبلغ "هايف" يمكن لساعي أو حاجب أي مسئول عربي ، صغيرا كان أم كبير، أن يبتلعه ما بين طرفة عين وانتباهتها دون أن يحس به أو يسأله أحد ،لأنه في الأصل ليست هناك آلية أو تقليد عدلي أو إداري عربي لمحاسبة المسئول العربي ولا يوجد حاجز بين مال الدولة وجيب المسئول وجيوب أهله وعشيرته، وقد درجوا منذ قديم الزمان على التحجج بالحديث "خيركم خيركم لأهله" يقرأونه كيفما شاؤوا .. فحق لإسرائيل أن تتباهى أمام الغرب وأمام كل العالم بأنها الديموقراطية الوحيدة في شرق البحر الأبيض المتوسط التي يتساوى فيها الحاكم والمحكوم أمام القانون..والبلد الوحيد في المنطقة الذي يحاسب أعلى سلطة سياسية فيه على تبديد مبلغ مائة وخمسين ألف دولار، والإعلام العربي ،الحكومي في معظمه، يواصل التسويق الساذج للثقافة الاسرائيلية.
هكذا هم !!
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة