|
|
|
|
ختل الوعي الزائف وتحوير وتلفيق النص !!
(قلت لكم مراراَ
أن المدافع التى تصطف
على الحدود، فى الصحارى
لا تطلق النيران إلا
حين تستدير للوراء
إن الرصاصة التى ندفع
فيها ثمن الكسرة والدواء
لا تقتل الأعداء
لكنها تقتلنا إذا رفعنا
صوتنا جهارا
تقتلنا وتقتل الصغارا
قلت لكم فى السنة البعيدة
عن خطر الجندي
عن قلبه الأعمى وعن
همته القعيدة
يحرس من يمنحه راتبه الشهرى
وزيه الرسمي
ليرهب الخصوم
بالجعجعة الجوفاء
والقعقعة الشديدة
لكنه إن يحن الموت
فداء الوطن المقهور
والعقيدة
...............
حاصر السلطان
واغتصب الكرسي
وأعلن "الثورة"
فى المذياع والجريدة).
أمل دنقل.
كتب صاحب العمود اليومي بين قوسين فى صحيفة السوداني اليومية فى العددين الصادرين بالتواريخ 19/2/2008م، 22/3/2008م عما أسماهـ مجلس شورى الحركة الاسلامية، فاستهل مقاله بانقلاب الجبهة الاسلامية القومية فى 30 يونيو 1989م ، واستأنف حديثه عن الحركة الاسلامية وممارسة الشورى فقال:
"فى التنوير الذي قدمه الأخ رئيس الجمهورية بين يدي الاجتماع الدوري لمجلس شورى الحركة الاسلامية ابتدأ السيد الرئيس لقاءه بالتركيز على شكر الله على ما أنعم على أهل السودان من نعم لو بدأنا بـ (عدها) وإحصائها لصار ذلك نوعاً من الجحود والنكران فى حق المنعم الوهاب لأن نعم الله على هذا البلد لا تعد ولا تحصى "قال الرئيس أن موعد (التحرك) كان قبل الموعد المعروف بأسبوع لكن ظروف فشل الانقلاب الذى كان قد نسب الى (العميد آنذاك) الزبير محمد صالح قيادته وارتفاع درجة الاستعداد داخل القوات المسلحة والأمن حدا بهم الى تأجيل (ساعة الصفر) خاصة والشهيد الزبير كان رقماً أساسياً فى تنظيم الإسلاميين العسكري.
الشاهد أن ضباط يونيو كانوا يعتقدون أنهم فى أحسن حالاتهم من حيث الاستعداد فى التاريخ (المؤجل) وأن الموعد الثانى وهو (30 يونيو) كان بكل المقاييس الحسابية غير مواتٍ البتة! لكنهم كانوا (مضطرين) للتحرك لأنهم علموا من مصادرهم (الاستخبارية) النشطة أن انقلاب (البعثيين) قد صار قريباً (جداً)! قال الرئيس انه عند (جرد) حساباته فقد كانت نسبة النجاح أمامه لا تتعدى الـ (10 %) بمعنى آخر كان التحرك فى تلك الليلة يعتبر (كارثة) بكل المقاييس لكنهم كانت لديهم حسابات أخرى تقول أن أى تأخير يعتبر أيضاً كارثة. فماذا بقى؟ الله.
قال الرئيس أنهم قرروا التحرك بالعشرة فى المائة التى عندهم وترك أمر (التسعين) الباقية على من فى يده حتى (العشرة) التى لديهم. ووقف الله الى جانبهم وأيدهم بالنصر. وكانت بداية (البشريات) ساعة التحرك نفسها. قال الرئيس انه وصل هو و(بكرى) الى مبنى القيادة العامة عند الساعة الثانية صباحاً (لم نكن نعرف كيف ندخله)! تقدم بكرى حسن صالح حيث خاطب قائد (الحماية) التى كان مناطاً بها حراسة القيادة العامة ضمن برنامج الاستنفار الأمني العام. بعد شرح موجز من بكرى أعلن قائد القوة انحيازه الى (الثورة) التى تقدم قائدها و(خطبنا فيهم واستلمنا القيادة)!
(انتهى ما اقتطفناهـ من مقال صاحب عمود "بين قوسين").
وما يفهمه القارئ من سياق حديث الكاتب عن الشورى، فى ملابسات الحدث المحكي عنه، ولغة الحكى، لا يخرج من تفسيرين: -
أولهما هو أنه أراد (من حيث لا يدرى)، إثبات القطيعة الكلية والشاملة بين مفهوم الشورى، وفكر ما يسميه بالحركة الإسلامية، وذلك بنفيه البات والقاطع، لممارسة الشورى داخل كامل التنظيم الذي يسميه بالحركة الإسلامية، وفى المقدمة من ذلك ما يسميه تلفيقا، بمجلس شورى الحركة الإسلامية، وفى هذهـ الحالة، نقول له: (بخ بخ) ونشهد أنه لا يحدثك أحد مثل هذا الكاتب، عن عوز وافتقار ما يسميه الحركة الإسلامية، إلى الشورى بمعناها الوارد فى القرآن الكريم، ولا نتحرج من وصفها بلغة العصر، بديمقراطية المشاركة فى إدارة شئون العباد، وحكمهم واتخاذ كافة القرارات فى شأن معاشهم وكسبهم وسائر شئون حياتهم.
وثانيهما أن الكاتب يعمد مباشرة، إلى تحوير وتلفيق معنى الشورى، وبإيعاز من ضلال الإيديولوجية بما تلقيه من أعباء ثقيلة على كاهل قلمه، فتحيله إلى نموذج تام للوعي الزائف، لتعنى الشورى لديه ولدى من يعبر عنهم، نقيضها بالتمام والكمال، كما سنوضح لاحقاً فى ثنايا هذا المقال تباعاً، فتأمل كيف يكون تفسير وتأويل النص القرآني، لمحض دعاية سياسية دنيوية ساذجة، ومكتظة بالمغالطات والتدليس والتلبيس.
وقبل البدء فى استنطاق المقال نفسه لاستيلادهـ أسانيد وأدلة بطلان مزاعم وادعاءات الكاتب الرامية إلى ربط المؤتمر الوطني بنسب (مريب ومشكوك فيه) إلى الشورى، وهى عنه براء، ويعلم القاصي والداني بعدهـ عنها وأنه فى شعابها وساحاتها، غريب الوجه واليد واللسان، كما فى قول الشاعر، ولا تقل غرابته هنا عن غرابة صالح فى قومه، أو عن مقدار ما يعلق من الظفر بقواطع قلامة الأظافر شيئا، ولا نستدل على بطلان نسب المؤتمر الوطني إلى الشورى بشهادة خصومه وما يسندها من حجج، وما أكثرها، ولا بالشواهد العيان البيان التي بين أيدينا، وما يدعمها من أسانيد، وما أقواها، بل نستدل عليها بأقوال الكاتب نفسه، التي سوّد بها الصحف قبل مقاله محل هذا التعليق وبعدهـ، مرارا وتكراراً، وفى سياق حملة أتباع (القصر) (وطعام معاوية الأدسم)، على أتباع (المنشية)، المطرودين من نعيم وجاهـ السلطة، حيث قال فى هجائه المقذع للدكتور الترابي، ما لم يقله مالك فى الخمر، فأورد فيما كتب عن زعيمه وشيخه (السابق)، ما ينهض دليلا قاطعاً على نفى صفة الشورى عن التنظيم نفياً مطلقاً، فقال أنه أحكم هيمنته وتسلطه على الحركة الإسلامية، خلال ما يربو على الأربع عقود، (ويقصد العقود السابقة للانشطار والتشظى الذي دهم القوم فى مستهل الألفية الثالثة)، ووصفه بأشنع أشكال الدكتاتورية والاستبداد بالرأي والطغيان، وذكر كيف كان يتحكم فى التنظيم ويفرض عليه رأيه الفرد و إراداته الأحادية فتمضى دون مقاومة، وكيف كان يلزمه بقراراته التي لا معقب عليها، ولا يجرؤ أحد على مجرد الاعتراض عليها، ومن لم يستكن ويخضع كان جزاؤه الإقصاء والإذلال، وأسهب الكاتب فى بيان كيفية إخضاع الدكتور الترابي للحركة الإسلامية لسلطانه وهيمنته المطلقة، ومشيئته المنفردة، وكيف أنها كانت بقضها وقضيضها فى قبضته كالجثة الهامدة بين راحتيه، يقلبها ذات اليمين وذات اليسار، ويفعل بها ما يشاء، لما يقارب نصف قرن من الزمان، فإذا كانت علاقة الإخضاع والخضوع المتبادلين طوعا واختياراً ودون إكراهـ أو غصب (من جانب عضوية التنظيم على أقل تقدير) مستمرة باعتراف الكاتب حتى إقصاء الدكتور الترابي من السلطة، فى المفاصلة الشهيرة المعروفة (بصراع القصر والمنشية)، فلا تملك قارئي العزيز إلا أن تضرب كفاً بكف، وتعجب كيف يتجرأ الكاتب على الحق، ويستخف بالشورى فيدعى لها نسباَ، بمثل هذا التنظيم الذي استطاع شخص واحد أن يتحكم فيه و يدجنه إلى هذه الدرجة المهينة والمذلة؟؟! (وللقارئ أن يستنتج سر سكوت الكاتب عن ضلال وجور وظلم واستبداد الترابي، وانتهاكاته الفظة لمبدأ الشورى، كل هذهـ المدة ولواذهـ ومن معه من (الشوريين الخلص)، بالصمت إزاءها، والخرس الذي أصابهم، فسكتوا عن الحق دون أن ينبسوا ببنت شفه، حتى رد عليهم صاحب (القصر) أبصارهم وبصيرتهم فجأة، وكشف لهم عن ضلال وزيغ عوار رأى زعيمهم المخلوع وفسادهـ، فاستبانوا بفضل من بركات (صاحب القصر والسلطان)، اعوجاج وقبح منهج وأداء (الشيخ المخلوع)، فما توان الكاتب فى شتمه وسبه وأقذع وأفحش قلمه فى هجائه، كما فعل نفس الشئ مع آخرين من قيادات التنظيم السابقين، الذين اختلفوا معه وهجروا مقاعدهـ، وذلك تبعاً لفجور صاحبه فى خصومة كل من اختلف مع (صاحب القصر والسلطان)، (وأولياء النعمة)، ولمجرد اختلاف فى الرأي والنظر، ومن هؤلاء أذكر، الدكتور عبد الوهاب الأفندى، والدكتور التجانى عبد القادر، وهما عالمان جليلان ورجلا فكر، تصديا لقيادة تنظيمات الإسلاميين الطلابية، فى أكثر مواقع الحركة السياسية والفكرية استنارة، وأشدها أثراً وخطورة، وكانا ولا يزالا حجج فى الرأي عامة وفى تخصصاتهم العلمية خاصة، وأصحاب أقلام تساهم بإنتاج فكرى ومعرفي يرفد حقول العلم والثقافة والاستنارة فى بلادنا، ويعزز أنتاجهم مع غيرهـ من حصاد الكسب المعرفي والثقافي، ترقية الوعي الجمعي لشعبنا بقضاياهـ القومية والوطنية الحيوية المتعددة، وأقلامهم فوق هذا وذاك، اتفقنا معهم فى الرأي أم اختلفنا، هي أقلام مسئولة وعفيفة فى القول والخطاب، كسائر أقلام مثقفي السودان، نظيفة وطاهرة تؤمن وتعمل بمقتضى الحديث الشريف القائل (ليس المؤمن بلعان ولا فاحش ولا بذيء).
وما يزيد الأمر خبالاً على خباله، الكاتب أن الكاتب لم يكتف بسعيه المستحيل لربط النقيض بنقيضه، ومحاولاته لإيجاد نسب ما بين الشورى، وما يسميه بالحركة الإسلامية، بل سعى بأقصى ما يملك من حيلة لنسبة أفعال الانقلابيين التآمرية إلى المولى عزّ وجلّ بينما تخفى الانقلابيون وراء بيان القيادة الشرعية حتى تمام التنفيذ، وبعده أنكروا صلتهم بما يسميه الكاتب بالحركة الإسلامية جملة وتفصيلاً، وأعجب كيف ينسب الكاتب إلى المولى عزّ وجلّ فعلاً من فرط شناعته اضطر فاعليه لإنكار نسبته إلى من قاموا بانجازهـ لحسابه، ولا ينكر الفاعل من أفعاله إلا الشنيع المستهجن عملا بالمثل السوداني الدارج والسائد (الشينة منكورة)، فالله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم الرءوف الودود الكريم الحق العادل برئ من نصر وتأييد البندقية التي تطيح بالنظام المنتخب من الشعب،وتعصف بالشرعية الدستورية التي أختارها الشعب ، وتعطل الدستور الذي ارتضاه الشعب، وتحل الأحزاب والنقابات والمنظمات الجماهيرية التي بناها الشعب، بماله وكده وعرقه، كما أنه لا يبارك البندقية التي تفعل كل ذلك لتكريس الوطن ومقدراته لحساب حزب واحد، ليقيم تحت حراستها نظاما دكتاتوريا شموليا قمعيا معاد للشعب، وفرضه على الشعب غلابا واغتصابا، لأن فى ذلك خروج على مبدأ الوفاء بالعهود والالتزام بالعقود، وفيه خروج على مقتضى الأمانة، التي بموجبها وضع الشعب تلك البندقية فى يد الجند لحماية الوطن لا لترتد غدراَ إلى صدر هذا الشعب، الذي ائتمن حاملها عليها، ليزود بها عن حياضه، ويحمى حدوده وموارده، ويرد عنه كيد الأعداء والطامعين، ويحفظ أمن البلاد ووحدتها وتماسكها، فهل ينطبق على حامل هذه البندقية، الذي خان مقتضى الأمانة، وأحل الولاء للحزب محل الولاء للوطن وتآمر على الشعب لمصلحة حزبية ضيقة، وغدر بمن ائتمنه عليها، وصف سوى ما نعت به الحديث الشريف من " إذا أؤتمن خان"، فى آيات المنافق الثلاث. فمن رأى أنه جدير وحقيق بأن يحوز هذهـ الصفة المرذولة، التي شانتها السنة النبوية المطهرة، فليهنأ بها ويسعد، وإن شاء أن يحتفي بها كل هذا الاحتفاء ويستحسنها كل هذا الاستحسان، فهذا شأنه، ولله فى خلقه شئون.
وكاتب العمود وهو من كادر المؤتمر الوطني الإعلامي (الواصل)، ورغم ذلك لا يكاد يتبين خيبات من يعبر عنهم، والسقوط المدوى لمشروع دولة الأحادية الثيوقراطية التي جاءوا لإقامتها، بدليل تراجعهم القسرى عنها، وانتقالهم حتف أنفهم إلى تبنى الدولة ذات النظام التعددى والدستور العلمانى، كما يعلم الناس، ويشير تلبيساَ وتدليساَ بعبارة مجلس شورى الحركة الاسلامية، قاصداَ ما يعرف بمجلس شورى المؤتمر الوطني الحاكم، ولذا لا نقف كثيرا عند تلبيسه وتدليسه فى هذه التسمية، فإعلام المؤتمر الوطني، وكما يعلم الناس أيضاَ، مولع لغير ما مسوّغ أو سبب، بالمراهنة على حمل الآخرين ولو على مراعفهم، إلى وهم الاعتقاد بأن المؤتمر الوطنى هو الإسلام والإسلام هو المؤتمر الوطني، وتأسيساَ على هذا الاعتقاد الواهم يركب الإعلام المذكور مركباَ صعباَ لتسويق حجته القائمة، على ترسيخ مفهوم "فردانية" المؤتمر الوطنى الإسلامية، وحجب صفة الإسلام عما عداه، ولا يستثنى من ذلك أحدا بالمطلق، خاصة إذا حمى وطيس التباري والتنافس المعلوم، على كسب ود الناخبين، واستقطاب الموالين والمؤيدين فى حلبة الصراع الاجتماعي والسياسي "الدنيوي المحض"،حيث لا يتورع هذا الإعلام فى اعتماد خطاب أيديولوجي خادع وموغل فى تطرفه، وفى تصنيف الناس إلى صنفين لا ثالث لهما، الأول هو حزبهم الموصوف كذبا ومخاتلة بحزب الله، والثاني هو حزب الشيطان، ويشمل الخصوم السياسيين والفكريين لحزب المؤتمر الوطني ويمتد ليغطى كل من لا يمت له بصلة نسب تنظيمية أو عاطفية أو مصلحة طبقية.
وما يلفت النظر ويثير الانتباهـ فى إعلام المؤتمر الوطني عامة والمقال المذكور خاصة، هو أن الدولة السودانية بعد جائحة حكم الجبهة الإسلامية، أمست في حاجة ماسة وملجئة إلى ما يلزم استعارته من فقه قانون قسمة إفراز الملكية الشائعة المعمول بها فى السودان، وإعمالها لأغراض إجراء ما يلزم من تدابير وإجراءات المسح والتحديد وإعادة التسوية والتحديد للدولة، التي عمد الحكام قصداً، وبسوء نية جعل عاليها سافلها، وخلط حابلها بنبالها، وبغرض إعادة الحال على ما كان عليه قبل الجائحة المذكورة، كإجراء لازم وضروري من كل بد ، لإنهاء الاندغام العضوي لحزب المؤتمر الوطني فى الدولة، ولفك الارتباط غير الشرعي بين دولة الأيديولوجيا، التي بشر بها وسعى لتأسيسها أهل المشروع الحضاري، ودولة المواطنة التي نص عليها دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م، مع إجراء ما يلزم من ترتيبات قسمة إفراز وإنها حالة الشيوع القائمة، بين الدولة والحزب، والعام والخاص في المال والوظائف العامة، حتى يستبين المواطن الفرق بين ما هو عام ومشترك يتملكه مع غيره من السودانيين محاصصة على قدم المساواة، وما هو خاص بالجبهة الإسلامية ومن حر مالها "إن وجد"، قبل استباحتها الوطن ومقدراته جميعا دون فرز. وذلك حتى نضع حدا للاختلال القانوني والوظيفي والأخلاقي الذي أشاعه هذا التداخل وأفشاه الاختلاط المتعمد والمقصود من قبل الحزب الحاكم، بين العام الذي نشترك فيه جميعا، والخاص لا ننازعهم فيه، والدولة التي ننتمي إليها والحزب الخاص الذي أطبق كلتا يديه على الدولة وكافة مواردها ووضع يده عليها، مما أدى إلى شيوع مال الدولة (العام) المحرّز افتراضاً في الخزينة العامة، فى مغانم وفئ الحزب الحاكم وأعضائه دون فرز واستقر فى جيوبهم وخزائنهم الخاصة "أنى وجدت"، ولفك الاشتباك بين الوظيفة العامة (الميرية)، والمركز الحزبي (الخاص)، والذي استمرأ إعلام المؤتمر الوطني الخلط بينهما قصداً وتوطئةً لسوء استخدامه خبثاً ومكراً، ومن أمثلة ذلك في مقال الكاتب، قوله مخاطبة رئيس الجمهورية لما أسماه مجلس شورى الحركة الإسلامية، وهذا التلبيس والتخليط المتعمد هو الغالب في النهج الراتب لدى إعلام هذا الحزب، فمجلس الشورى المزعوم هيئة حزبية، ومن يخاطب هذهـ الهيئة الحزبية ، صرف النظر عن موضوع خطبته، وصرف النظر عن الكيفية التي اكتسب بها شاغل المركز منصبه الدستوري، يفعل ذلك بصفته عضوا قياديا أو قاعدياَ، فى الهيئة الحزبية التي يخاطبها، أما رئاسة الجمهورية فهي وظيفة دستورية، ليس من بين مهامها الدستورية مخاطبة الهيئة الحزبية التي ينتمي إليها، أو اجتماع حزبه، بهذه الصفة الدستورية والرسمية، فشاغل هذه الوظيفة عندما يشارك في اجتماعات حزبه أو يخاطبها، لا يفعل ذلك بصفته الدستورية أو تحت مظلة هذه الصفة أو باسمها، بل بصفته عضوا في حزب سياسي كغيره من المواطنين وعامة الناس الذين ينتمون إلى ما يختارون من منظمات سياسية. |
ولفظ التنوير الذي استهل به الكاتب عموده اسم مفعول من الفعل أنار ينير تنويراً ويراد به إلقاء الضوء على شئ، وتوضيح ما وقع من أفعال أو أحداث سردا وشرحا وتوضيحا لمن غاب عن علمه وقوع تلك الأفعال والأحداث وملابساتها والظروف التي أحاطت بها، ويعنى التنوير فى السياق الذي أوردهـ الكاتب، إحاطة المخاطبين علما بم حدث، ومن البديهيات أن ما حدث لا يمكن أن يكون إلا فعلا ماضياَ، أي وقع وانتهى، وترتبت عليه كافة آثاره، وأن ما وقع وانتهى وترتبت عليه آثاره كافة، لا يمكن أن يكون محل استشارة، أو بذل النصح، ولا يفهم أحد بالغا ما بلغ من العي ومحدودية الإدراك، الشورى المنصوص عليها فى الآيتين الكريمتين (وأمرهم شورى بينهم) (وشاورهم فى الأمر) بالمعنى الذي جاء فى سياق خبر الكاتب، عما أسماه اجتماع مجلس شورى الحركة الإسلامية،والمجلس الذي يجتمع ليتم تنويره بأحداث وأفعال تمت فى الماضي، لا ينطبق عليه اسم مجلس الشورى، حتى ولو كانت تلك الأحداث والأفعال قد وقعت لتوها، ناهيك أن تكون قد وقعت قبل ما يقارب العقدين من الزمان. ونضيف أن المجلس الذي يجتمع ليتم تنويره عن كيفية تنفيذ انقلاب عسكري للإطاحة بحكومة شرعية منتخبة من الشعب، يصح أن يطلق عليه فقط أسم مجلس تآمر وانقلاب على خيار الشعب، والفرق واسع بين التآمر والشورى.
والتنوير بالمعنى الوارد فى سياق المذكور، لفظ شارح لنفسه كما يقول الانجليز، ويفضح زيف الهيئة المسماة بمجلس شورى الحركة الإسلامية، ويعرى تركيبة أطرها وهياكلها ذات التراتبية التنظيمية الصماء، القائمة على علاقة التبعية المطلقة التي تربط القاعدة بالقيادة المختصة باتخاذ القرار،وما يترتب عليها من علاقة إذعان وطاعة عمياء تخضع الحلقات القابعة فى أدنى الهرم للقرارات الصادرة من الحلقات القائدة فى أعلى الهرم ، فلا غرو إذن أن يأخذ مفهوم الشورى عند هذه الجماعة معنى هو النقيض التام من المراد به، لغة ومصطلحا فيشمل القرارات فى صيغ الأمر الصريح السافر أو المغلف بألفاظ ذات دلالات ملتبسة كالتنوير فى المعنى الذي ذهب إليه الكاتب.
ويستخدم التنوير كثيراَ فى لغة العسكريين للدلالة على إنهاء (القائد) إلى علم (الجند) أمراَ على سبيل الإحاطة به،مع ما يلزم من الشرح والتوضيح عند الاقتضاء، ومن هذه اللغة تسرب هذا اللفظ فى معية كوادر الاسلامويين العسكريين إلى لغة سياسييهم وإعلامييهم بيسر وسلاسة، بجامع هيكلية الأطر التنظيمية ذات الهرمية التراتبية،لجماعة الإسلام السياسي، والتشكيلات العسكرية، فى كل، وما يستتبع ذلك تماثل تام بين الاسلامويين والعسكر، فى سبل وطرائق اتخاذ القرار وتداوله، وغنى عن البيان بالطبع أن لفظ التنوير فى حد ذاته وبالمعنى الوارد فى سياق الخبر،مصطلح ناف لأي دلالة من دلالات الشورى.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن انقلاب 30يونيو 1989م موضوع التنوير، الذي تحدث عنه الكاتب، لم يكن هو أول انقلاب عسكري يفلح منفذوه في الاستيلاء على السلطة في السودان أو في غيرهـ ، ويمكن رصد أمثلة كثيرة لانقلابات عسكرية قادتها ونفذتها جماعات، يعتبرها الكاتب وجماعته خصوما ألداء لهم ولحركتهم، ويناصبونها العداء الأيديولوجي المعلن على أساس من ذلك، ورغم ذلك نجحت فى الاستيلاء على السلطة والبقاء فى الحكم فى أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، لمدد طالت أو قصرت. وليس بمقدور الكاتب أن يبين لنا فيما اختلف نجاح انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م، عن نجاح غيره من الانقلابات، ونضرب له مثلا بانقلابات عبود ونميرى فى السودان، وانقلاب عبد الناصر فى مصر، و القذافى فى ليبيا، والبعثيين فى سوريا والعراق، وغيرهم فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية ...الخ. وكل هذه الانقلابات لم تتزعمها جماعات إسلامية، بل يعتبر الكاتب وجماعته منفذيها وقادتها على طرفي نقيض من حركتهم الإسلام السياسي التي ينتمي إليها الكاتب؟! فما تبريره لنجاح الانقلابات الأخرى، وبخاصة تلك التي كان قادتها من خصوم الاسلامويين الألداء. وبعد التسليم التام بمشيئة الله وإرادته الغالبة والإيمان بقضائه وقدرهـ، وبالمسطور في اللوح المحفوظ، منذ الأزل وإلى الأبد، فإن لنجاح الانقلابات العسكرية أسباب وعوامل موضوعية وذاتية مختلفة، منها السياسي المتعلق بالوضع الاقتصادي والمعيشي والحقوقي بما فى ذلك الحريات الأساسية ....الخ، والعسكري الفني المتعلق بسرية التحرك وحجم وقدرات القوة المعتمد عليها فى تنفيذ الانقلاب، بالإضافة إلى سفه وغفلة المعنيين بحراسة البلاد وحماية الشرعية الدستورية، وطبقاَ لذلك تزداد احتمالات نجاح الانقلابات متى كانت كل هذه العوامل مواتية، والعكس صحيح.
وإذا أخذنا السودان مثالاَ، فقبل انقلاب 30 يونيو نجح انقلاب المغفور له عبود وحكم لمدة لست سنوات عجاف، كما استولى جعفر نميرى (تغمده الله برحمته)، على الحكم وجثم فوق صدور السودانيين ستة عشرة عاما، وفى أثناء حكم الأول فشل انقلاب خطط له وشارك في تنفيذه قادة متنفذين في حركة الإخوان المسلمين وقتها (1959)، وفى أثناء حكم الثاني فشل انقلاب المرحوم حسن حسين عثمان (1975)، وليس بمقدور تنظيم الإخوان المسلمين إنكار صلته بالضلوع في تدبيرهـ وتنفيذهـ، وبعده دحرت حركة المرحوم محمد نور سعد (1976) وكان الإخوان المسلمين ممن خططوا لها وبعض جندها، الذين شاركوا فى تنفيذها (ومن أراد الاستزادة فليسأل الدكتور غازي العتبانى وغيرهـ من كوادر الإخوان المسلمين الذين شاركوا فى تلك الأحداث).
وإذا جاز إعمال منطق الكاتب القائل بأن نجاح انقلاب 30 يونيو، دليل القبول والرضا الإلهي لعمل الانقلابيين التآمري، فماذا يقول عن نجاح انقلابات عبود ونميرى بعده، بل قبله وبعده ماذا يقول عن دحر وسحق الانقلابات المذكورة أعلاه والتي شارك فيها الإسلامويون ،علماَ بأن الإسلامويين الذين يزعم الكاتب، بأن الله قد نصرهم بنجاح انقلابهم فى 30 يونيو هم نفس الذين دحروا وسحقوا في أواخر خمسينات وأواسط سبعينات القرن الماضي وبأشخاصهم تقريباَ، (راجع دور المرحوم الرشيد الطاهر بكر وشقيقه، وقيادات نافذة فى تنظيم الإخوان المسلمين فى انقلاب 1959، م وراجع أحداث 1975 و1976م). وإذا كان الكاتب يتوهم أن بإمكانه إقناع أحد بأن مدبري انقلاب 30 يونيو 1989م قد نفذوه كواجب اسلامى مبذول لوجه الله تعالى، وأن السلطة التى اغتصبوها "هى لله لا للحكم ولا للجاهـ" فكيف يفسر تشظى وانشطار التنظيم حول المغانم والأسلاب ومحض شهوة الحكم، بإقرار عراب الاسلامويين وكبيرهم الذى علمهم السحر، وكيف يفسر لنا الفساد والإفساد المؤسسي الذى ولغ فيه أفراد تنظيمهم رأسيا وأفقيا تحت الحماية الكاملة لجهاز الدولة بل وبتسخيرهـ التام لنهب المال العام والخاص، وكنز الذهب والفضة، ومراكمة الثروات،وتطاول العراة الحفاة رعاة الشاهـ فى البنيان، فى زمن والإدقاع والمسغبة والعوز والفقر الذى أنشب أظفارهـ فى أعناق الغالبية العظمى من أبناء وبنات الشعب السوداني، ليس بسبب شح فى الموارد أو انقطاع فى الرزق، بل بفعل فاعل هو المؤتمر الوطني الذي احتكر السلطة والثروة وكل موارد البلاد، وفعل كل ما فى وسعه لإقصاء الآخرين من دائرتيهما.
ولا تدرى كيف يتجرأ الكاتب وينسب إلى الله جل وعلا، عمل تبرأ منه فعلته لشناعته وأنكروه وأنكروا نسبته إلى تنظيمهم الذى يسميه الكاتب الحركة الإسلامية، ويعلم القاصي والداني حديث (اذهب إلى القصر رئيساَ وأذهب إلى السجن حبيساَ)، بكل ما انطوى عليه من غش وتآمر وخداع فيه كثير، مقصود به فى المقام الأول إيهام الناس بألا علاقة للانقلاب بما يسميه الكاتب بالحركة الاسلامية ومحاولة نسبته إلى المؤسسة العسكرية بما يفترض فيها من قومية التوجه، حتى لا يرتاب الناس فى أمرهم، وإذا علمنا أن الناس المراد خداعهم وغشهم بسيناريو (القصر رئيسا والسجن حبيسا) هم أفراد الشعب السوداني ذو الغالبية المسلمة، ففي أى مذهب يجوز خداع وغش المسلمين؟؟ إذا كان صريح نص الحديث الشريف يقول (من غشنا فليس منا).
وفى كل الأحوال فإن مثل هذا النظر السطحي البائس، والتفكير الفطير يستورط صاحبه دائما، فيما لا قبل له من التحديات الفكرية والتعقيدات المنطقية المستعصية، ويفتح عليه سيلاَ جارفاً، من أسئلة وإستفهامات دقيقة ومحرجة لا سبيل إلى تفاديها، بل أن صاحبه يجد نفسه دون وعى منه واقعاً فى شراكها وفخاخها المنصوبة، عاطلاً من أية حيلة، ومجرداً من أية قدرة على مجابهة، أسئلة عصية لا حصر لها يعجز المسئول عن إيجاد أجوبة منطقية شافية وكافية لها، إذا ما واجهه القارئ بحججه، على سبيل قاعدة إلزام القائل بحجته. ومن بين هذهـ الإستفهامات نختار فقط هذا السؤال. إذا كان الكاتب يعزو نجاح انقلاب 30 يونيو 1989م، إلى أن نصر الله وتوفيقه كان حليف منفذيه فكيف يفسر الكاتب فشل الاسلامويين فى الاستيلاء على السلطة فيما سبق من محاولاتهم الانقلابية التي خططوا لها وشاركوا فيها فيما مر ذكرهـ سلفا؟، وهل يعنى ذلك (بالتبعية) أنه يقر إقرارا قطعياً بأن نصر الله وفرجه، لم يحالفا نفس الجماعة فى سابق محاولاتهم؟، وهل يجوز لمن لم يكن الله حليفه وناصره أن يزعم أن دعوته هي نصرة دين الله؟، علما بأن من ينصر دين الله فالله ناصره، كما يقرر الشرع الحنيف، ومن ينصره الله فلا غالب له.
ولا أختم مقالي هذا قبل تقرير أن تباهى الكاتب بنبرات استحسان عالية، وبزهو لا مثيل له، بما تم في 30 يونيو 1989م، لا يثير دهشتنا البتة، لأن العدوان على حقوق الشعب، والذي يوجب الاعتذار وطلب العفو من الشعب، فى نظر الإنسان السوي فكراً وخلقاً وديناً، قد يكون مبعث فخر وتباهى وزهو لدى غيرهـ، ولكنى أذكر الكاتب ومن باب الذكر ينفع المؤمنين، باليمين الغليظ الذي أداهـ منفذو الانقلاب، كغيرهم من منتسبى المؤسسة العسكرية، وما حواهـ من التزام الطاعة والولاء للقيادة الشرعية للبلاد، وحماية الأمن والمحافظة على النظام والدستور، أفلا يستوجب فى نظرهـ، حنث القسم الغليظ هذا، إعلان التوبة والاستغفار إلى الله الرحمن الرحيم التواب السميع الغفور الذى يغفر الذنوب جميعا وتسع رحمته العالمين، وكفى بالشخص ظلماً أن يتباهى بما يوجب الاستحياء من الله والاستغفار إليه.
أمين محمد إبراهيم
المحامى.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة