|
محمد سعيد ناود
جيفارا القرن الإ فريقي
عاصم عطا صالح
أستعير هذا العنوان والوصف من حديث الكاتب والباحث عثمان همد في صحيفة الخرطوم عن المناضل الإرتري محمد سعيد ناود وأحمد له الإشادة والتذكير بمواقف ومبادئ ونضال هذه الشخصية الفذة فقد شاءت ظروف عملي داخل وخارج السودان خلال الثلاثة عقود الممتدة من مطلع السبعينات وحتى نهاية التسعينات أن أكون قريبا من القيادات الإرترية في مختلف التنظيمات وهم جميعا ساهموا في مسيرة النضال الإرتري الأحياء منهم والأموات عليهم رحمة الله فهي مسيرة طويلة وشاقة اختلفت فيها التنظيمات ولكنها كانت دائما موحدة نحو الهدف وهو انتزاع الحق الإرتري خاصة بعد أن قام الإمبراطور هيلي سيلاسي بإلغاء قرار الحكم الفيدرالي وضم ارتريا وأثيوبيا في خطوة سكت عنها المجتمع الدولي وأن كانت بعض الدول ومنها أمريكا عادت لتقر بعد فترة من الزمان بعدم مشروعية الضم وان مصالحها اقتضت موافقتها وعدم اعتراضها في ذلك الوقت وعندما يأتي ذكر المناضلين الذين ساهموا في مسيرة النضال الشاق في إرتريا لايمكن تجاهل أو إنكار دور معظم الزعماء الإرتريين من قادة الجبهات والتنظيمات الإرترية المختلفة منذ فترة إدريس محمد آدم وإدريس قلايدوس وعبد الله إدريس وعمر البرج وأحمد ناصر ورمضان محمد نور وكل المناضلين الذين يضيق المجال عن ذكرهم مع الدور المهم والمحوري الذي لعبه المناضل عثمان صالح سبي في الانطلاقة بجبهة التحرير الإرترية وتحويلها إلى تنظيم عملاق له حضور أعلامي ومكاتب خارجية ونشاط فعال في عدة دول والدور المهم والحاسم للأمين العام للجبهة الشعبية أسياس أفورقي والذي طور المقدرات التنظيمية والعسكرية والمالية للجبهة الشعبية مما أجبر النظام الأثيوبي على الاعتراف بها وإجراء جولات مباحثات معها قادها من الجانب الإرتري الأمين محمد سعيد في " أتلانتا " بولاية " جورجيا " الأمريكية ، والمرحوم علي سيد عبد الله في صنعاء باليمن مع استمرار العمل العسكري حتى تحقيق النصر وسيطرة قوات الجبهة على كافة الأراضي الإرترية وإعلان إرتريا دولة مستقلة بمباركة واعتراف المجتمع الدولي وأثيوبيا على وجه الخصوص .
إلا أن الحديث عن المناضل الإرتري محمد سعيد ناود له طعم خاص فللرجل صفات نادرة فهو مناضل جاد وصبور أمتاز بالاستقامة والأمانة والتجرد ونكران الذات فهو من جيل المناضلين الأوائل وقد سخر كل حياته للقضية الإرترية وبدأ مسيرة نضاله بالكفاح ضد الاستعمار البريطاني في السوداني مشاركا في الحركة الوطنية السودانية بمدينة بور تسودان حتى تحقق استقلال السودان ، حيث قام بتأسيس حركة تحرير إرتريا والتي رفعت شعارات واضحة ومحددة وهي إلغاء النظام الفيدرالي بين أثيوبيا وإرتريا بإعلان الاستقلال وذلك قبل قرار الإمبراطور بإلغاء الفيدرالية وضم إرتريا بداية تأسيسها شعار الوحدة الوطنية والحكم الديمقراطي ثم ترك محمد سعيد ناود الوظيفة للتفرغ لتحقيق هذه الأهداف وظل متفرغا تماما للنضال حتى تم للثورة الإرترية النصر باستعادتها وسيطرتها على كافة الأراضي الإرترية في عام 1991م . فلم يتردد لحظة في اتخاذ قراره بالعودة لبلاده بعد أن تحررت وأصبحت تحت قيادة أبنائها . كانت معظم الدول العربية التي تقدم مساعدات للثورة الإرترية في تلك الفترة تدعم وتتعامل مع التنظيم الموحد بصورة أساسية ولكنه كان يعيش صراعات وخلافات بعد وفاة عثمان سبي ولقد أدت تلك الخلافات لعدم استقرار في القيادة خاصة وبعد ابتعاد أو أبعاد عمر برج وعدم الاتفاق حول خليفة له فجاء علي برحتو المحامي لعدة أشهر وكانت هناك جهات تفضل وتساند صالح أياي حتى تم الاتفاق على أن محمد سعيد ناود هو خير من يتولى رئاسة التنظيم إذ أنه يحظى بقبول الجميع وهو مؤهل لإعادة توحيد التنظيم فأصبح هو الرئيس حتى لحظة انتصار قوات الثورة الارترية بانهيار الجيش الأثيوبي بإرتريا وهروب قائده بأسمرا إلى جيزان .
ولكن محمد سعيد ناود يفاجئ الجميع بقراره بالعودة لإرتريا ولقد كانت بعض الجهات التي تدعم التنظيم الموحد بل حتى رفاقه في القيادة يرون ضرورة استمرار العمل الخارجي حتى يتم الاتفاق مع الجبهة الشعبية والتي تولت السلطة فعليا في أسمرا على دور للتنظيمات الأخرى يحقق لها المشاركة في حكم إرتريا المستقلة أو الاستمرار في المعارضة بالخارج .
أما ناود فقد كان له رأي وموقف واضح ومحدد وهو في تقديري موقف وطني وصادق بعيدا عن المزايدات الحزبية أو المصالح الذاتية فقد قال بأنه ناضل كل حياته من أجل استقلال إرتريا وبعد أن تحقق هذا الهدف والذي كان بعيد المنال لم يعد هناك مجال للتفكير أو التردد في قرار التوجه مباشرة إلى اسمرا ليقضي بقية حياته في إرتريا المستقلة أيا كانت الجبهة أو التنظيم الذي يتولى الحكم فيها مادام تنظيما إرتريا وطنيا وبالفعل قام بتنفيذ قراره بعناد المناضلين الصادقين الأوفياء لمبادئهم ولم يستطع أحد أقناعه للاستمرار في قيادة التنظيم الموحد بالخارج مهما كانت المغريات وهو لم يسع لأجراء أية ترتيبات بعودته بطلب موقع أو منصب رغم أن الحكومة الإرترية كرمته بأن عينته حاكما لأحد الأقاليم .
ولعل كان من يعرف محمد سعيد ناود يستغرب أن أطلق عليه صفة العناد ولكنه عناد حول الالتزام والقناعات والمواقف المبدئية مع أنه يبدو هادئا مسالما بعيدا عن الانفعالات والغضب ويتعامل مع الأمور في أحرج الأوقات بهدوء عجيب وصوت خفيض وابتسامة دائمة وأذكر أنه كان ينقل لي في أحدى زياراتي لأسمرا خبر وفاة * أبنه والذي كان يعمل بالتدريس في حرب الحدود اللعينة بين إرتريا وأثيوبيا بنفس الهدوء والصبر .
ولقد كانت تلك اللقاءات المتكررة بيننا فرصة عظيمة للاستماع بأحاديثه ليس فقط عن تجربته الشخصية المهمة ولكن عن أفكاره وتطلعاته حول أمكانية التعاون والتكامل بين دول القرن الأفريقي خاصة وان له مساهمات ودراسات جادة في هذا المجال وهي كتابه
( العروبة والإسلام بالقرن الأفريقي ) .
وبعد أن شارك محمد سعيد ناود وبصورة فعالة في النضال ضد المستعمر في السودان في تحقيق الاستقلال وواصل نضاله من أجل استقلال إرتريا حتى تحقق ذلك بفضل مساهماته وزملاء الكفاح من كافة التنظيمات الإرترية لم يتوقف عند ذلك الحد وواصل التطلع لتحقيق وحدة أو تكامل دول القرن الأفريقي لقناعته التامة بأن عوامل التوحد والتعاون الجاد بين هذه الدول تفوق الكثير من الدول التي حققت نجاحا في هذا المجال .
هذا المناضل يعيش الآن حياة هادئة بسيطة بأسمرا وهو قانع تماما بأن يقضي حياته بالاستمتاع بتحقيق حلمه بحصول إرتريا على استقلالها والتطلع لتحقيق القدر الممكن من التكامل بين دول القرن الإفريقي وهو متفرغ للعمل في مجال الدراسات والبحوث إذ أنه في تقديري أفضل من يقوم بدور الباحث الأمين المتجرد حول ماضي ومستقبل هذه المنطقة وإذا كان الأخ عثمان همد قد نادى بأن يتم تكريم محمد سعيد ناود من جانب الحكومتين الإرترية والسودانية تقديرا وعرفانا لدوره في معركة التحرير في البلدين فأود أن أضيف لدعوة الأخ عثمان المناداة بأن يتم تكريم محمد سعيد ناود على مستوى القارة الأفريقية إذ أنه يمثل فئة نادرة من قادة العمل النضالي والسياسي المتجرد فسجله النضالي حافل ومتواصل منذ الخمسينات وزهده في الجاه والمنصب والمال يجعله قدوة للساسة والمهتمين بالعمل العام .
فله التحية وأمد الله في عمره ليتواصل عطاؤه ليثري مجالات البحث والدراسة في شئون القرن الأفريقي .
* ابنه لم يتوفي ولكنه أشترك في القتال أمد الله في حياته ( مرسل المادة www.nawedbooks.com )
|