ومــا تِــلكْ بقــلبك يا مُــوسى؟!
ردا علي الاستاذ فتحي الضو
د. ابومحـــمد ابوآمـــنة
في ذكريات له عن الكفاح المسلح علي الجبهة الشرقية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي عكس الاستاذ فتحي الضو بعض انطباعاته عن قياديين تولوا امر مؤتمر البجا ونضاله المسلح. سجلها الاستاذ فتحي بطريقة مشوقة تثير الاهتمام والاعجاب, والمرء يتمني ان يتحفنا الاستاذ بمثلها من وقت لاخر اذ ان الكثير من الاحداث المثيرة التي وقعت هناك يكتنفها الكثير من الغموض. الا ان بعض ارائه تستحق المناقشة وخاصة تلك المتعلقة بقيادات مرت علي تنظيم مؤتمر البجا هناك.ـ
لماذا لم يحمل أهل شرق السودان السلاح ويتمردوا على السلطة قبل الجنوبيين؟
للحقيقة والتاريخ الجنوبيون الذين طرحوا هذا السؤال لاول مرة كانوا هم المعتقلون من حركة انيانيا حين نفتهم حكومة عبود الي سجن سواكن المهجور في منتصف الستينيات من القرن الماضي, وحينها كان السيد علي شنقراي, والد الامين الذي اصبح قياديا للمؤتمر في ما بعد, مديرا لذلك المنفي, وكان حينها الطالب محمد عثمان طه معتقلا هناك رغم صغر سنه.
السوال زال يتكرر كلما رأي الاخوة الجنوبيون الوضع الماساوي الذي يرزح تحته البجا.
وجدوا في الشرق من هو اكثر تخلفا واكثر معاناة, فصاروا يحثونهم علي التحرك والدفاع عن الحقوق ولتغيير هذه الظروف المذلة التي يرزحون تحتها.
كذلك عندما كتب الاخوة الدارفوريون كتابهم الاسود الذي حلل ظروف التهميش بطريقة علمية, وجدوا من هو اكثر تهميشا منهم, وهم البجا في شرق السودان.ـ
نعم يا فتحي ..
لكن ما يُدهِشك حقاً أن حتي غبوش الجندي الجنوبي نسي معاناته وهانت عليه مصيبته بعد أن رأى مصيبة غيره، فهو لم يكن ينِزُّ شحماً ولا لحماً ولا ورماً, كما قلت ، فهل بعد هذا يصح ان يتاجر الانتهازيون بقضية هؤلاء البؤساء التي تدمي القلوب ؟ّ!
حمل البجا السلاح, وفتحوا الجبهة الشرقية وكبدوا النظام خسائر فادحة, ومهدوا للحركات الاخري الطريق لضرب النظام من موقع موجع. وحين وقعت اتفاقية السلام لم يكن فيها اي ذكر لقضيتهم, كما كانت تقتضي قواعد اللعبة.ـ
رحلت كل القوات التابعة للاحزاب تاركين البجا خلفهم في الميدان. ثبت المناضلون, ولكن حدثت تغيرات وتدخلات غير محمودة.
القيادات صارت تبدل كلما شاء الاصدقاء ذلك. أقالوا رواد الكفاح المسلح أمثال المناضلين محمد طاهر أبوبكر أول رئيس للتنظيم، وحسين ولي أركاب ومحمد موسى والشيخ عمر محمد طاهر, ومحمد طاهر أحمد وابراهيم آداب وسليمان أونور ومحمد عثمان ابراهيم, وأتوا بجهلاء لا يفقهون في امور الدنيا الكثير, ولكنهم يخضعون وينفذون كل ما يأتمرون به, حتي لو كان ذلك في غير مصلحة البجا.
نعم, يا فوزي, ازاحوا الابطال وأتوا بالنكرات من ذوي الافق الضيق, والذين لا ماضي نضالي لهم, لم يروا السجون وبيوت الاشباح ولملموا علي هؤلاء المزيد من المتسلقين والانتهازيين وعملاء النظام, وقالوا لهم انتم تفاوضون, ولا أحد غيركم لطي ملف قضية الشرق.
وكونوا لهم منظمة اسموها جبهة الشرق, وقاموا بتعيين قيادة ثلاثية لها, فاقدة للاوئام والانسجام.
هذه القيادة التي تراها علي رأس هذه المنظمة اتت بها ارتريا, الجماهير لم تنتخبها ولم تستشار في امرها, وعندما تقدم الاصدقاء بدستور مشبوه مفصل بطريقة لتكون كل سلطة المنظمة في يد نائب الرئيس, رفضه المخلصون من ابناء الشرق في مؤتمر ادرسا الاخير عام 2006, فأضطر الاصدقاء لسحبه ومنذ تكوينها صارت المنظمة دون دستور, بل دون قيادة منتخبة. الادعاء بخلاف ذلك كذب في كذب, وتهريج سياسي رخيص.
هل رأيت, يا فتحي, المناضلين عندما نزلوا من الطائرة القادمة من اسمرة بعد التوقيع علي الاتفاق؟
السودانيون الذين كانوا في المطار في ذلك اليوم حسبوهم سواح اجانب, وصاروا يتساءلون متي سيحضر الابطال؟ الذين نزلوا في ذلك اليوم كانوا من ذوي الوجوه النضرة, من المنعمين المترفين, في آخر صيحة من البدل والهندام والعطور الباريسية, والكروش والاصلاب!
بين هؤلاء لم يكن قط من رأيتهم انت في الوديان وعلي سفوح التلال, والذين حدثك عنهم غبوش بمرارة وقلبه كاد ان يتفتت من الآسي والحزن. هل رأيت ذلك المنظر, يا فتحي, وهم يتبخترون في ارض المطار؟ هل هؤلاء بجا؟ هل منهم من ذاق مرارة الجوع والعطش والحرمان؟ هل منهم من حمل البندقية من أجل القضية؟
لقد خانوا القضية من اول وهلة.
ألاصدقاء قالوا لهم ابعدوا المثقفين عن التفاوض, وكذلك المجتمع الدولي, ومنظمات الامم المتحدة, وخاصة الامم الاوربية, والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني السودانية, وكل وسائل الاعلام اي كانت, واياكم والتصريحات, واياكم من مناكفة رجال الانقاذ.
خضعوا ونفذوا ووقعوا, فجاء الاتفاق خاليا تماما من تطلعات اهل الشرق. الواقع انها كانت صفقة بين دولتين, واحدة منها تطمع في البترول والتجارة وتأمين الحدود وطرد المعارضين لها, والاخري تطمع في تصفية جيش البجا. فوقعت الصفقة وكان للجانبين ما ارادا.
عندما تكونت منظمة جبهة الشرق وقع كل من رئيس مؤتمر البجا ورئيس الاسود الحرة علي ميثاقها لتكون تحالفا بين هذين التنظيمين, ولكن هناك من نط بعيدا منها وقال انها حزب قائم بذاته!
فوقع صراع مشين كما قلت.
الا ان هذا الصراع الدائر الان بين هذا وذاك لا يدور حول اوجاع انسان الشرق. انها الانتهازية تتصارع فيما بينها وهذا لا يهم المجتمع البجاوي, ولا يستحق ادني اهتمام. لقد صدقت حين قلت:-
المعارك المحتدمة بين آمنة وموسي الآن تعد عملاً إنصرافياً مخجلاً، والمفارقة انهما إستمرا في هذه المسرحية السمجة والمتطاولة في حين أن السودانيين وجماهير الشرق كادت أن تتغاضي الطرف عن ماضيهما الذي لا يؤهلهما للجلوس على الكراسي التي يجلسون عليها.
هم خانوا القضية وخضعوا للانقاذ, يأتمرون بأوامرها, يطلبون منها الحماية والارشاد, كلما اشتد الصراع بينهم, نسوا انسان الشرق وآماله وركنوا للمال والجاه. القيادة تقول شيئا للجماهير وتنفذ شيئا اخرا.
أسأل بربك , يا فتحي, ومـا تِـلكْ بقلبك يا مُــوسى؟ أنسيت معاناة الاهل ودماء الشهداء؟
لكن تأكد, يا فتحي, ان في الشرق رجال ممسكين بالقضية وسيدافعون عنها حتي النهاية مهما تطلب ذلك من تضحيات. ان جماهير البجا ستواصل النضال وستأتي بقيادات صلبة, واعية, مخلصة, امينة, حتي تتحقق الامال في حياة حرة كريمة في الغد المشرق.ـ
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة