احداث المسيرية والرزيقات والايدي الخفية
بقلم: سليمان ابوداؤد
من المؤسف ان يقتتل الاشقاء فيما بينهم في الوقت الذي هم فيه بحاجة إلى بعضهم البعض، لقد تابعنا الاحداث الدامية التي وقعت بين المسيرية والرزيقات في مطلع شهر اغسطس والتي راح ضحيتها عدد من ابناء القبيلتين، فالاثنين ينتسبون الى جد واحد هو عطية ولذلك يطلق عليهم اولاد عطية ، ومن هنا تاتي صعوبة فهم الدوافع وراء اثارة الفتنة بين المجموعتين اللتان تعتبران من اكبر قبائل البقارة في غرب السودان من حيث العدد والثروة ، فهما يمثلان العمود الفقري لتثبيت دائم السلم الاهلي في الاقليمين ، لذا اي صراع يحدث بينهما يعتبر خسارة كبيرة للطرفين وهو صراع في غير محله لا يوجد فيه غالب ومغلوب بل الاثنين خسرانين معا، فالقاتل أخ المقتول وحالهما في ذلك كحال هابيل وقابيل عندما قتل احدهما اخيه ومن ثم ندم على قتله له، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لمصلحة من هذا الاقتتال، بالطبع هناك جهات حتما ستستفيد من هذا الصراع لان المجموعتان تتصديان لجهات لديها اهداف سياسية تريد ان تنفذها في السودان منذ أمد بعيد ولكن وجود القبيلتين يحول دون تحقيق تلك الاهداف، لذلك لا نستبعد ان تكون تلك الجهات وراء اشعال نار الفتنة بين الطرفين من اجل اضعافهما ومن ثم الانغضاض عليهما لتحقيق مآربهما، يا ليت الطرفان ادركا تلك الحقيقة حتى لا يأُكلوا كما أُكل الثور الأبيض من قبل، إن المتربصين بالقبيلتين هم اولئلك الذين انهزموا امام ارادتهم منذا قديم الزمان ، فماضي القبيلتين في النضال الوطني لا يخفى على احد وتصديهما للمتآمرين على وحدة السودان واستقلاله لا ينكره الا جاحد، من اجل ذلك جاءة ادانة واستنكار ابناء القبيلتين في دول المهجر لتلك الاحداث لانها لا تليق بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم المنشود ولا بقيمهم وعاداتهم النبيلة، فوحدة التاريخ والمصير المشترك تحتم عليهما ان يعيشا في وئام ومحبة وان ينبذا عوامل الفرقة والشتات ويعملان من اجل اعلاء قيم التسامح والمحبة فيما بينهما وان يفوتا الفرصة على اعدائهم المتربصين بهما وان لا تسمحان لاصحاب الاهداف الغزرة ان ينفذوا مخططهم الرامي الى زرع الفتنة بينهما، فهناك جهات ذات اجندة سياسية تريد ان تستقل هذه الاحداث لتعميق الخلاف بين الطرفين ونأمل أن يدرك الجانبين هذا المخطط ويقضوا عليه في مهده ويفوتوا الفرصة على اعدائهم من قبل اليمين والشمال.
إذا ما حللنا العوامل التي ادت الى نشوب هذا الصراع من زاوية اخرى نجد ان هناك سببان رئيسيان فالأول هو ضعف الإدارة الأهلية وهو الذي استقله المتربصين بالقبيلتين لايقاع الفتنة بينهم، فكما هو معلوم من قديم الزمان ان المجموعات القبلية التقليدية لا تنقاد الا عبر قادة الراي فيها وقادة الراي هنا تمثلهم الادارة الاهلية فهم ينصاعون لاوامرها اكثر من انصياعهم لاوامر السلطة الحكومية، فالمجتمع البدوي لا يبدي اي احترام او تقدير للسطلة الرسمية بقدر احترامه للسلطة الاهلية.ولكن من الذي اضعف تلك القوة التي كانت تحفظ النظام والامن وسط هذه المجموعات؟ للاجابة على هذا السؤال لابد ان نرجع بذاكرتنا الى حقبة مايو المظلمة تلك الحقبة التي دمرت اهم مؤسسات المجتمعات البدوية في السودان، فالقرار الاخرق الذي اتخذه نميري بحل الادارة الاهلية من دون ايجاد بديل لها ادى الى خلق الفوضى بإحداثه لفراغ إداري سببه حل السلطة الاهلية مما ادى إلى فقدان الدولة لهيبتها وسلطتها التي كانت تمثلها الادارة الاهلية، فالقرار لم يضع بديل يسد الفراغ الذي تركه حل الادارة، فمنذا ذلك التاريخ وحتى مجيء الانقاذ جرت مياه كثيرة تحت الجسر غيرت مجرى حياة تلك المجتمعات لا سيما بعد نشوب الصراعات القبيلة والتمرد في الجنوب وما صاحب ذلك من انتشار كثيف للسلاح وسط هذه المجموعات لحماية نفسها في ظل ضعف الاجهزة الحكومية الامنية الامر الذي جعل من تلك المجموعات ان تنظر الى نفسها كسلطة قائمة بذاتها لا تبالي بسلطة الحكومة. وبعد مجيء الانقاذ شرعت في إعادة الإدارة الأهلية ولكن هذه المرة من منظور سياسي بحت لا يمت بصلة لدورها التقليدي في ادارة شئون المجتمعات القبلية ، وتجلى ذلك من خلال تفتيتها للنظام الاهلي الذي كان قائم قبل حلها في عهد مايو، فالهدف من وراء هذا العمل هو تغيير الانتماءات السياسية لهذه المجموعات فنظام الانقاذ يرى لا سبيل لتغيير الولاءات السياسية لهذه المجموعات سوى اضعاف الادارة الاهلية وتمزيقها الى وحدات ضعيفة تتنازع فيما بينها لتجد فرصتها في كسب ودهم وضم تلك القيادات الى صفوفها عبر الاغراءات المالية التي تغدقها عليهم وهذا ما حصل بالفعل اذ نجد ان قبيلة المسيرية التي كانت تتكون ادارتها الاهلية من ثلاث نظارات ويرأسها نظر عام قد تم تفتيتها الى خمسة عشر نظارة او امارة كما اطلق عليها نظام الانقاذ متناسين بان اسم الناظر جاء من كونه ناظر لاحوال الناس اي يتفقد احوالهم ويرعى شئونهم ولا يقتصر دوره على الجانب السلطوي بخلاف نظام الامارة الذي يعني القيادة، واما العمد الذين يمثلون المستوى الثاني في هرم الادارة الاهلية فقد ارتفع عددهم من خمسة عشر الى اكثر من سبعين واما المستوى الثالث وهم الشيوخ فحدث ولا حرج فعددهم لا يحصى ، فهذا التصرف قد ادى الى اضعاف دور الادارة الاهلية ولم تعد تحظى بادنى اعتبار من قبل افراد تلك المجموعات وتلاشى دورها الذي كانت تقوم به في حفظ الامن والنظام وسط قبائلها وعشائرها التي تتولى قيادتها، ومن هنا وجدت الجهات المتربصة بهذه القبائل فرصتها لاحداث الفتنة فيما بينها فنجدها استقطبت بعض القيادات الاهلية وجعلت منها مخالب قط لتنال منها لتحقق عبرها ما عجزت عن تحقيقه بالقوة، فكان الاجدى بنظام الانقاذ ان ياتي بقيادات اهلية موالية له بدلا من تفكيك الهيكل التنظيمي للإدارة الأهلية، لقد انقلب السحر على الساحر فبعض القيادات التي اتت بها الانقاذ انضمت الى جهات معادية لها وفقدت السيطرة على تلك المجموعات ، فاصبحت تمثل لها هاجس امني يصعب عليها احتواه، فالحل الوحيد لهذه المعضلة ان يتم حل الادارة الاهلية الحالية والعودة الى الوضع القديم واختيار قيادات اهلية تحظى برضا وقبول افراد تلك المجموعات دون الزج بالعمل السياسي وسط المجتمع القبلي لانه مجتمع في مرحلة التطور الفكري لا يشكل العمل السياسي اولوية في طريقة اختياره لممثليه، وان تمنح هذه السلطة المقومات اللازمة التي تمكنها من القيام بدورها في تحقيق الامن والسلم الاهلي وذلك بمنحها مزيد الصلاحيات القضائية والتنفيذية ومدها بالموارد البشرية والمالية الضرورية لذلك، فاذا ما اعيدت الامور الى سابق عهدها فان الصراعات التي تقع بين المجموعات القبلية من وقت لاخر سوف تنتفي وبذلك يمكن المحافظة على النسيج الاجتماعي قويا بين هذه المجموعات.وأما السبب الثاني هو غياب الدولة وأجهزتها الأمنية فالأحداث الأخيرة كانت الحكومة على علم مسبق بأنها ستقع فكل التقارير الأمنية التي رفعت للحكومة تشير إلى وجود توتر بين الطرفين نتيجة لتصرفات بعض المجموعات المتفلتة من الجانبين ومع ذلك لم تعير الحكومة أهمية لتلك التقارير حتى وقعت الأحداث لذا من الضروري محاسبة الجهات المعنية بتوفير الأمن في الولايتين على تقصيرهما في حفظ الأمن والنظام وحماية المواطنين وممتلكاتهم.
وأما معالجة تداعيات الاحداث الاخيرة بين القبيلتين فلابد من الاحتكام فيها إلى الأعراف الأهلية التي يحتكم اليها المجتمع القبلي في مثل هذه الحالات مع ضرورة وضع الضوابط التي تكفل عدم تكرارها في المستقبل من خلال تطبيق القانون على كل من يخالف الاعراف والنظم التي تنظم حياة المجتمع البدوي، وعلى قادة الادارة الاهلية من الطرفين عدم التستر على اي شخص يرتكب جرم وان يقوموا بتسليمه الى السلطات المختصة لياخذ عقابه دون ادخال العرف في ذلك، وان لا يتم اخذ المجموعة بجريرة الفرد، فالتصرفات الفردية يجب ان تعالج كحالة منفصلة لا علاقة لها بالمجموعة، وان يوضع ميثاق يقسم عليه الجميع بتحريم الاقتتال فيما بينهم وتكون مسئولية تطبيقه وتنفيذه على قادة الإدارة الأهلية وإذا عجز أي زعيم عن تطبيقه يتم عزله.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة