(كلام عابر)
هل أصبحت الكنيسة أكثر رحمة ؟
(....) مواطن من سكان حي شهير في عاصمة ولاية وسطية، رجل على قدر حاله ويعيش رزق اليوم باليوم حامدا شاكرا حتى ابتلاه الله سبحانه وتعالى بمرض ابنه وقرر الأطباء الذين عرضه عليهم ضرورة إجراء عملية جراحية عاجلة حتى لا تتطور الحالة المرضية للأسوأ. في مستشفى المدينة قالوا له إن تكلفة العملية مليون وثمانمائة ألف جنيه،(بالحساب القديم)، وهو مبلغ لم يكن يملك عشره .. طرق كل الأبواب الحكومية التي استطاع الوصول إليها لإجراء العملية مجانا لأنه لا يملك شروى نفير. لم تجد توسلاته شيئا. أشاروا عليه باللجوء لديوان الزكاة فقطعا سيجد عنده الحل. في ديوان الزكاة عرض مشكلته بكامل تفاصيلها، وبعد فترة من التسويف وسطوة الروتين، و(أمش وتعال)، بعد التأكد من سلامة المستندات المختلفة وحاجة (.....) الملحة، تمخض الجبل فولد فأرا ولم يوافقوا إلا على دفع مبلغ مائة وخمسين ألف جنيه من جملة تكلفة العملية، يعني أقل من 10% من التكلفة. لم يتبق أمامه إلا خيار واحد صعب لم يخطر على باله من قبل.. الكنيسة. قالوا له إن بعضا من أصحاب الحالات الإنسانية الحقيقية لجأوا للكنيسة من قبل ولم تردهم خائبين. فكر كثيرا في الأمر وبدا له صعبا أول الأمر ولكنه كان مضطرا لركوب ذلك الصعب لأنه لم تكن لديه خيارات أخرى ، والزمن يداهمه وحياة ابنه في كف عفريت والأبواب كلها أغلقت أمامه.
المسئولون في الكنيسة اقتنعوا بالحالة الإنسانية التي مثلت أمامهم ولم يترددوا في دفع كامل تكلفة العملية الجراحية إضافة إلى بعض المال لمواجهة تكاليف ما بعد العملية، وبالفعل أجريت العملية بنجاح ومنّ الله تعالى على المريض بالشفاء والعافية وأصبح فؤاد (.....) أفرغ من فؤاد أم موسى، فشكر خالقه الذي هيأ له الأسباب وسخّر له خلقه، ولم يجد في نفسه حرجا من التعبير على رؤوس الأشهاد عن امتنانه وتقديره للكنيسة واستهجانه لما كان من ديوان الزكاة . ويقال أن تداعيات تلك الواقعة بجانبيها المشرق الجميل والمظلم القبيح وردّة فعل الرأي العام دفعت المسئولين المعنيين في عاصمة تلك الولاية للتدخل لتطويق هذه التداعيات وفرض التعتيم الإعلامي المعروف.
ولكن، القضية الأساسية، بعيدا عن هذه الحالة الفردية التي تكررت أكثر من مرة، هي تخلي الدولة عن دورها كجهة توفر العلاج المجاني ، للفقراء على الأقل، في بلد معظم مواطنيه موعودون بالفقر منذ صرخة الميلاد الأولى، ووجود ديوان الزكاة كجهة سلطوية جامعة للزكوات التي تقررها وتفرضها كيفما ووقتما تشاء، ووسيط طفيلي بين العبد وربه في تلقي هذه الزكوات والاشتطاط في طلبها، والتصرف فيها والإغداق على مصرف "العاملين عليها" حتى صار "العاملون عليها" أيسر حالا وأنعم عيشا من المتزكي. وهذه كلها أمور تتطلب مراجعة هادئة بعيدا عن التهييج والإثارة، فقد أثبتت التجربة أنه لا بديل لرد حق المواطن في العلاج المجاني الذي كان مكفولا له قبل انقلاب 30 يونيو 1989م من جهة ، ومن جهة أخرى أثبتت التجربة أيضا أنه لا بديل لإعادة النظر في جدوى ديوان الزكاة ومراجعة سجله كمؤسسة وكأشخاص، فالزكاة ركن من أركان الإسلام، وستظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن هذا لا يعني أن ديوان الزكاة في حد ذاته، وهو أداة ابتكرها الإنسان، بقرة مقدسة لا يجرأ أحد على المساس بها أو شعيرة لا يقوم الدين ولا يكتمل إلا بها.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة