بسم الله الرحمن الرحيم
ديمقراطية الإسلاميين مابين الرفض والمخادعة
إيمانا بأهمية النقد الذاتي الذي يغيب كثيرا في تعاملنا مع الأمور الخاصة بالتنظيمات والجماعات التي ننتمي لها بذريعة الخوف من استغلال حيثياته في هدم هذه الأجسام بدلا من التقييم والتقويم لأدائها,وخوف آخر من تداعيات الانقسام والتفكك,الأمر الذي منع الكثيرين من الخوض في هذا المجال,مما وفر بيئة مناسبة لتكرار العيوب والأخطاء وتعاظمها,والمؤسف أن أغلب نتائج تلك الأوضاع تنعكس في الآخر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المواطن الذي له كل الحق في معرفة ما يدور بالداخل وما يؤثر على استقراره وسلامته.
كمدخل لمناقشة رؤى ومواقف الحركات الإسلامية المعاصرة فيما يخص قضايا الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان وطبيعة التعامل مع الآخر (الملي) وغيرها, أذكر أنه قبل حوالي ثمان سنوات وفي زيارة لشيخ الترابي لقرية ود الفادني بالجزيرة تحدثت معه حديثا منفردا وقلت له هل ترضى فعلا بأن يكون رئيس البلاد غير مسلم فقال لي (نحن بنقول ليهم ذلك ونعلم تماما تحت تحت إننا أكثر منهم عددا). مثل هذا الحديث وغيره مما نعلمه يجعل من الصعب علينا الحكم بصورة دقيقة علي الحركات الإسلامية من حيث المنطلقات الفكرية والتصورات الأولية لها و مدى صدقها وتطورها في التعامل مع قضايا العصر الشائكة. وكذلك الحكم على الجوانب المتعلقة بالممارسات المميزة في إطار سعيها في مجالات العمل العام المختلفة. ففي الغالب نجد تباينا كبيرا بينها قد يصل أحيانا إلي درجة أكبر من التناقضات في الرؤى بين بعض التيارات(الإسلامية وغير الإسلامية). ولو أن هذه الحركات تأملت جيدا أمر تبايناتها لصارت أكثر نضجا في التعامل مع الآخر.ولكن لن يتم ذلك إلا بالحكم على حقائق الأشياء بمعزل عن العصبية التنظيمية والميل العاطفي الرابط بينها والذي تشكل نتيجة لعدة أسباب من أهمها الاشتراك في مواجهة التحديات بدءا بظروف النشأة وانتهاءا بالاستهداف الذي تعانيه اليوم. هذا بالإضافة للصورة الواضحة للاختلافات في الكسب في ممارسة العمل العام, فقد صارت بعض تلك الحركات نماذجا ايجابية لتمثل العديد من القيم التي غابت أو ضعفت في المجتمع ,مما جعل لها مقبولية وأفضلية في مجالات التنافس السياسي والثقافي وساعدها ذلك في صنع بعض التغيرات التي تصبو لها.وفي الجانب الآخر نجد أن بعض الحركات الإسلامية كان نتاج كسبها نفورا عن الإسلام وتشويها لصورته,وفي نموذجي طالبان بأفغانستان ودولة الإنقاذ في السودان خير مثال لذلك.
ولو حاولنا الحديث عن الحركة الإسلامية السودانية, نجد أن له تعقيدات تشابه تعقيد الواقع السوداني والشخصية السودانية. فالحركة قد سبقت غيرها من الحركات الإسلامية بالتأسيس لوعي إسلامي معاصر للعديد من القضايا,بدأته بدعوة لتجديد أصول الفقه الإسلامي ثم اجتهادات مقدرة في قضايا الفكر السياسي والاقتصاد والمرأة والفن وغيرها من الأطروحات الكلية التي إذا ما قيست بالكسب المعرفي للحركات الإسلامية الأخرى المعاصرة لكان الفارق كما بين السماء و الأرض وقد مثل ذلك لعضويتها في تعاملهم مع الإسلاميين بالدول الأخرى امتدادا لاعتزاز الشخصية السودانية بتفوقها في العديد من المجالات.وقد أقرت تلك الحركات لها بذلك التفوق وتطلعت لنجاحها في تجربة الحكم التي قررت الخوض فيها بالسودان. وقد أوهم قادتها أنفسهم والآخرين من الإسلاميين بأنهم فعلا قادرون على ذلك.ففي تجربة الإنقاذ (الشائهة) استطاعت الحركة أن تحدث بعض الإنجازات بعدد من المجالات المختلفة فتوسع التعليم العام والعالي بصورة واضحة على الرغم من عدم اهتمامها بما سيتبع ذلك من آثار على مستوى التحصيل الأكاديمي وأخرى اجتماعية سالبة في ظل ارتفاع تكلفة الدراسة وعدم مقدرة الأسر على الالتزام بها ,كما لم يتبع ذلك التوسع زيادة في فرص العمل المتاحة ولكن ذلك بحمد الله انعكس إيجابا على زيادة الوعي المجتمعي بالمظالم وإشكاليات التنمية والعدالة.وكذلك انجاز آخر باستخراج البترول السوداني الذي أيضا لم يواكبه إلى الآن تغير يذكر في ارتفاع مستوى دخل الفرد ورفاهيته.وهنالك إضافات أخرى قامت بها الإنقاذ في مجالات الصناعية والطرق والاتصالات وغيرها. لكن يبقى بعد كل ذلك ضرورة الإجابة الواضحة على الأسئلة الجوهرية والتي من أهمها: ما مدى التغيير الذي استطاعت أن تحدثه الحركة الإسلامية بهذه التجربة في المجتمع السوداني؟ والي أي مدى استطاعت الحركة أن تجسد ما ظلت تدعو له الحركات الإسلامية من قيم الدين؟ فهل استطاعت أن تقنع الآخرين بأنها تؤمن بالحرية للناس لا القهر!! والشورى في إدارة الأمر العام لا التسلط !! والعدل والمساواة لا الظلم والمحاباة!! والزهد في الدنيا لا الجشع والفساد !! وغير ذلك من القيم.الغريب في الأمر أنك مهما اجتهدت لكي تجد قيمة اجتماعية استطاعت أن تنتصر لها الحركة الإسلامية وتثبتها لنفسها في هذه التجربة لن تجد.
لست من الذين لا يؤمنون بأن الرجوع لقيم الإسلام فيه حل لكثير من إشكالاتنا اليوم. ولست كذلك من الذين يرهبون الناس بأنهم أبناء الله في الأرض وأحباءه. فبعض عضوية الحركة الإسلامية يعتبرون أن تبنيهم للخيار الإسلامي لوحده يكفي بأن يجعلهم خير من الآخرين,مهما فعلوا من شر في حياتهم وكأنهم بتبنيهم لهذا الخيار صاروا ضمن حاشية ملك ظالم يرضى بالولاء له علي حساب أي فعل آخر يقومون به ولو كان في ذلك ظلما للعباد وهدما للبلاد.فالرجوع إلي قيم الدين التي ضعفت(أو غابت) بالمجتمع لن يكون بالشعارات والصياح والإرهاب. فبعض المعتوهين يعتبرون أنك إن أتيت بمسئول إسلامي (إسما)يسرق ويحابي ويكذب أفضل من أن تأتي بشيوعي في هذا المنصب ولو كان في ذلك انتصار لقيم الأمانة والعدالة والصدق.
أعلم أن المنطلقات الأولى التي تأسست الحركة الإسلامية من أجلها هي أهداف سامية في أصلها.فقد كان القصد أن يعاد المجتمع لأصول دينه وأن يكون مجسدا لقيم الإسلام الفاضلة في جميع مناحي الحياة وأن يكون مؤمنا مبادرا عزيزا متفاعلا يربط قيم السماء بالأرض ويعلم أنه لم يخلق عبثا ولم يتركه الله من غير أن يبين له الخير من الشر.ولكن الإسلاميين قد غفلوا عن أن ذلك لا يتم إلا عبر إرادة حرة ومشيئة أعطاها الله لعباده لا يستطيع أي أحد ولو باسم الدين أن يسلبها منهم. فالمجتمع المادي الذي يعيش كل تفاصيل حياته بهواه بعيدا عن أمر الله خير من المجتمع الذي تتطبق فيه أوامره كراهية وإجبارا من الذين بيدهم الأمر ونفاقا واستكانة من المحكومين.
وبحكم انتمائي للحركة الإسلامية السودانية أعلم تماما أن بها عيبين كبيرين يتوارثهم الأجيال بداخلها,الأول الإحساس المستديم لدى عضويتها بأنهم أفضل من الآخرين إجمالا(لأنهم لا يحملون هم الإسلام والمسلمين) .والعيب الثاني أنهم يؤمنون بأن الشعب يجب أن يحكم بما أنزل الله ولو كرها أو خداعا. فكرة تستبطن معها سوءا يقتل قيمتها ومعناها. فأغلب الإسلاميين يعتبرون أن الرجوع لأمر الله في الشأن العام من الممكن أن يتم إما كرها (وهذا رأي القادة التقليديين) وأما خداعا (وهو رأى القادة المستنيرين).فالأول هو الغالب ويتبناه أصحاب النزعة الانقلابية والمستمسكين بشوكة الحكم والسلطان ومن يروجون دوما لدعوى أن الشورى معلمة للحكام وليست بملزمة لهم, و لا يجدون أي حرج في التضييق على الآخرين واعتقالهم وتعذيبهم (أو قتلهم إن لزم الأمر) خاصة إن تبنوا أطروحات غير إسلامية( فالقوم هم القوم كأنهم قريش) ولا يخفون تلك القناعات ويعتقدون تماما أن هذا هو الإسلام وأن الشعب ليس من حقه أن تكون له ديمقراطية تمكنه من إبداء الرأي في أمر يكون لله فيه مقال قاطع وثابت,ويرفضون المطالبة بديمقراطية تسمح للناس بأن يمنعوا أمرا حلله الله أو يقروا فعل شيئ حرام. على هولاء- وهم كثر- أن يعلموا أن الشعب من حقه أن يحكم بحرية و ديمقراطية ولو أقر برلمانها فتح البارات وإجازة التعامل بالربا وترك المرء لدينه وأن لا يصلي الفرد أو يذكي أمواله إن شاء وأن تلبس النساء ما يرغب في غير تضييق ولا عقاب ما دمن يردن ذلك. لان الله لم يعطي حتى الرسل(عليهم الصلاة والسلام)حق السيطرة على العباد ولكن أرسلهم مبشرين ومنذرين.
أما أصحاب الرأي الآخر وفي مقدمتهم( شيخهم) يعتبرون أنك من الممكن أن تعيد الدين للحياة العامة ولك في سبيل ذلك أن تكذب على الآخرين و تعلن قبولك معهم بالاحتكام للشعب في حسم الأمور كلها وأن تقول أن المواطنة هي الأصل في الحقوق والواجبات وغير المسلم من الممكن أن يحكم البلاد (عند التأكد طبعا من أن الغالبية مسلمة) وأن تدعو لأن تكون المرجعية للدستور بعد أن تشرف علي تزوير الإجراءات الخاصة بالاستفتاء لإجازته,وأن تتعامل مع الأحزاب الأخرى بخبث وخداع يساعدك في الوصول إلي أهدافك, على أن يتم ذلك بلغة مخادعة ومتصالحة مع الآخر, وأخرى-مغايرة تماما-داخل التنظيم للتطمين.ليعطي كل ذلك صورة مفادها أن هنالك صراع دوما ما بين أمر رباني معين (وقد يكون غير ذلك)ورغبة أخرى لآخرين (مغايرة) من الممكن أن تغلب وفقا لآليات الديمقراطية المعروفة ويقوم أهل الحركة الإسلامية دوما بردم الهوة بين الخيارين بفقه الضرورة الذي يحمل الكثير من المخادعة والكذب والاحتيال والتزوير على أن يتم الأمر الذي يقصدون وإن بهدم الكثير من المعاني والقيم.منهج ما زال موجودا لدى البعض الآن, خاصة المتذاكين من أبناء الحركة الإسلامية السودانية بشقيها(الوطني والشعبي) وعلى هؤلاء أن يعلموا أنه من المحال أن يكون هذا هو الإسلام.
وأستغرب كثيرا كيف يتغافل هؤلاء و وأولئك عن حقيقة أن إتباع الفرد أو المجتمع لأمر الله لا يكون بإكراه ولا مخادعة بل يجب أن يكون ذلك ناجما عن حرية غير منقوصة ووعي كامل بالأمور. وللمرء أو المجتمع غير ذلك تماما إن أراد وهو خيار أفضل بكثير من النفاق.وعلي الحركة الإسلامية أن تسعي (فقط) بصدق لتمتين قيم الدين السمحة-وما وصلت له الإنسانية من حميد خصال بفطرتها- في المجتمع بقدوة حسنة من غير إرهاب فكري للآخرين, وعليها أن تعي أن ذلك لا يتم عبر الأسماء والشعارات.وأن تترك المجتمع وحده يختار ما يشاء من غير وصاية.وعلي الإسلاميين أن يعملوا مع الآخرين للوصول لديمقراطية حقيقية بالبلاد يكون الفيصل فيها -في كل الأمور-رأي الشعب بقناعاته وقيمه وأولوياته ومخاوفه التي يراها.
ولما كان الإسلام لا مكان فيه(لرجال دين) فهو كذلك ليس بحوجة (لأحزاب دين) تحتكر أمره ودعوته,فالله سبحانه وتعالى يأمرنا بأن نكون ملتزمين بتعاليمه ومجسدين لمكارم الأخلاق من غير حوجة لتمايز بيننا باسم الدين.
د. معتز بلال
elmutaz16@gmail.com