تاملات في الشأن السوداني
جمال عنقرة
أزمة دار فور بين التهوين والتهويل
الأحداث التي وقعت بمعسكر (كلمة) للنازحين بضواحي حاضرة ولاية جنوب دار فور نيالا وتداعياتها وإفرازاتها تعيد للأذهان كل الذكريات المريرة التي صاحبت اندلاع أزمة دار فور الأخيرة ومعالجاتها الفطيرة وتسمية الأشياء بغير أسمائها عند جميع فرقاء السياسة السودانية بلا استثناء.
ولقد كانت بداية الشرارة إعلان الحكومة وجود أسلحة وفالتين داخل المعسكر، تم علي اثر ذلك حشد قوات حكومية لمهاجمة المعسكر، ونجم عن الهجوم سقوط عدد من المدنيين ضحايا لهذا الهجوم التأديبي. وهنا انقسم الرأي بين مدافع عن الهجوم يقوده حزب المؤتمر الوطني المكون الغالب في حكومة الوحدة الوطنية، وبين رافض له، هم فضلاً عن الحركات المسلحة والمعارضة، الحركة الشعبية الشريك الأساسي في الحكم وحركة التحرير الموقعة علي سلام أبوجا وصاحبة المشاركة غير المفهومة في الحكومة بقيادة كبير مساعدي رئيس الجمهورية السيد منى أركو مناوى المرابط مع مقاتليه وجيوشه في الصحارى وأعالي الجبال.
هذه الواقعة كان من الممكن أن تكون عادية وتمر مرور الكرام مثل غيرها من سائر الأحداث التي تشهدها بلادنا، ولكن عدم التعاطي مع الأحداث بشفافية، والتعامل معها وفق المنهجين المتعارضين في التعاطي مع أزمة دار فور خلق منها أزمة قابلة لمزيد من الاشتعال. وأقول مزيد من الاشتعال لأن الساحة الآن قد اشتعلت. ويكفي التجميد الأخير لوزراء الحركة الشعبية نشاطهم في حكومات ولايات دارفور الثلاث، وقبله نهج وزراء الحركات الدارفورية المشاركة مسلكاً قريباً من هذا إذ لم يتطابق معه تطابقاً كاملاً.
المنهجان المتعارضان هما منهج التهوين الذي تنتهجه الحكومة ممثلة في حزبها الأساس المؤتمر الوطني، ومنهج التهويل الذي يعتمده المعارضون المناوئون للمؤتمر الوطني وحكومته، ويفعله كذلك المشاركون له علي كره. فلو توافرت الشفافية لجلس الذين رصدوا مخالفات دار المعسكر مع مشاركيهم في الحكومة ولأطلعوهم علي جميع التفاصيل المتاحة ليأتي القرار جماعياً فتكون مسئوليته شراكة بين الجميع، ولكن التربص المتبادل بين الشركاء المتشاكسون ما كان له ليترك مثل هذا النهج المطلوب أن يسود فحدث الذي حدث.
وحتى بعد وقوع الأحداث كان يمكن للمعالجة أن تسير بيسر، ولكن التهوين والتهويل قطعا الطريق وصعدا التوتر. فالمعترضون علي المعالجة كان من الممكن أن يطلبوا التحقيق في هدوء دون توتر، والذين كانوا وراء قرار الهجوم كان عليهم أن يشكلوا لجنة تحقيق بمجرد سماع أنباء عن تجاوزات وقعت في الهجوم. ولكن لا هذا ولا ذاك لم يحدث في حينه. وأخيراً طالب المعترضون بالتحقيق وأعلن الآخرون تشكيل لجان لذلك. وتلك هي ذات العقلية التي أدارت قضية دار فور في جميع مراحلها حتى وصلت بها إلي هذه الدرجة من التأزم.
جريدة الأخبار المصرية الثلاثاء 9/9/2008م
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة