|
|
Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55 |
|
بين كشيب ونمر : الصادق حمدين
خطوة متقدمة جدا وإن جاءت بعد فوات الأوان أن يعترف نظام السحل والإبادة بعد طول مماطلة وإنكار بليد بأن في إقليم دارفور جرائم حرب قد حدثت ضد المدنيين تستوجب التحقيق وتقديم من يثبت تورطه فيها " للعدالة " وذلك لقطع الطريق أمام محكمة الجنايات الدولية وليس رغبة من السُلطة في تحقيق العدالة وإنصاف إنسان دارفور وإرجاع حقه السليب إليه ، فهذه التحركات الخجولة والمفضوحة الغرض لم تأت إلا بعد أن برزت العصا الغليظة من المجتمع الدولي ممثلا في محكمة الجنايات الدولية بتحريك إجراءات توقيف رأس النظام البشير ومن بعده أدواته التي بها يبطش ويقتل ويحرق ويغتصب ويُهجًر ويعدم ويسجن ، وفي خطوة أشبه بلعبة " الضالا " الشعبية لما يتخلل هذه اللعبة من هرجلة وغوغائية وتفكير جماعي بصوت عال طابعه التشويش أثناء الانغماس فيها ، قامت وزارة العدل بتعيين مدع خاصا للتحقيق في جرائم الحرب التي كان مسرحها إقليم دارفور وذلك بعد ثلاثة أسابيع فقط من إيداع مدعي محكمة الجنايات الدولية لويس مورينو أوكامبو لمذكرته أمام القضاة في المحكمة الجنائية الدولية للنظر في الطلب واصدار قرار بشأنه ، فهذه الخطوة التي تشبه عمل الترزية في ليلة " القفلة " تؤكد سياسة حافة الهاوية التي ظلت تتبعها هذه السُلطة منذ استيلائها علي السُلطة الشرعية في البلاد وحتى يومنا هذا ، فسياسة ما بعد وقوع الحدث التي أدمنها النظام هي التي جعلت من قادة الإنقاذ " كالجداد " في يوم قائظ لا يدرون إلي أي ظل يتجهون فأصبح الجميع يردد في هذيان صحو جُملا طابعها التكرار الممل كمن أصيب بحمي " الوردة " بكسر الواو في ليل شاتي ، كقولهم المحكمة الجنائية الدولية غير مختصة ، والسودان غير موقع عليها ، ومجلس الأمن ليس له حق الإحالة ، ولن نتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية ، فهذه " الهضربة " السياسية لا ينفع في علاجها المسكنات و" المكمدات " كتلك التي نسمعها من قادة الإنقاذ كلما سنحت لهم سانحة فموقف المنظمات الإقليمية مثل الإتحاد الإفريقي والجامعة العربية من المحكمة الجنائية الدولية لا يعدو وأن يكون موقفا سياسيا تحكمه موازنات وتكتيكات تحتمل تغيير وتبديل المواقف بحسب ما يقتضيه الحال ، أما موقفهما من وجهة النظر القانونية هو التعامل مع محكمة الجنايات الدولية وليس العكس ، فتاريخ الجامعة العربية دائما يبرز لنا حالة الانقسام الحاد أمام قضايا العرب المركزية كالقضية الفلسطينية ، حصار ياسر عرفات مثالا ، والقضية اللبنانية حرب صيف 2006 مثال آخر ، وغزو العراق وإعدام رئيسه مثال ثالث ، أما موقف الإتحاد الأفريقي فمن المفارقة أن معظم الدول الإفريقية مصادقة علي ميثاق روما الأساسي الأمر الذي يلزمها بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في كل مراحلها ، موقف السنغال مثال أول ، ويوغندا مثال ثاني ، وجنوب إفريقيا لطرحها للتأجيل مثال ثالث ، ورابع الأمثلة دولة تشاد حيث صرح وزير خارجيتها مؤخرا ( نحن ملزمون بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية ) ، أما سياسة أسواق " أمدورور " التي يتبعها النظام مع الدول العظمي كروسيا والصين والقوة النامية تركيا وذلك بإرسال الوفود لفتح أسواقه لها للاستثمار ميسر الشروط لتقف بجانبه في مثل هذه الحالات فلم تعد مجدية ، فالسياسة الدولية لا تقم بفتح بئر بترول هنا واستخراج طن حديد هناك ، فالصراع الدولي له حساباته التي تحكمه والسودان بفضل سياسات هذا النظام لم يكن رقما مهما فيها والدليل علي قولنا هذا هو إصدار مجلس الأمن الدولي دون إعتراض من أحد للقرار 1593 ما عدا إمتناع الصين وأمريكا عن التصويت الأمر الذي تم بموجبه إحالة قضية دارفور إلي محكمة الجنايات الدولية ، فليس من المنطق أن يصدر مجلس الأمن قرارا ويرفض نتائجه ، فقد قبل النظام نفسه بالقرار 1593 وهو في حالة نشوي لإفراطه في تناول خمر السُلطة المُسكر فبهجة خمر اليوم دفع النظام ثمنا باهظا لها في أمر الغد الجلل ، إما أمل قادة السلطة ومناصريها في تطبيق المادة 16 من قانون روما الأساسي والتي تضع قادة السُلطة في موقف " الحاري " أفضل من " المتعشي " فهو إعتراف صريح من النظام بالمحكمة الجنائية الدولية إذ لا يعقل أن ترفض السُلطة الإعتراف بالمحكمة وتقبل بإعمال المادة 16 والتي هي في صلب نظامها الأساسي ، أما موقف الصين وروسيا ومن بعدهم تركيا هو نصيحة قادة النظام بالتعامل مع محكمة الجنايات الدولية ، وبالرغم من وضوح هذا الموقف إلا أن هناك بعض الأصوات لا زالت تحلم بتدخل هذه الدول الأمر الذي وصل بسقف الهلوسة إلي أقصي مدي له وذلك بدعوة الصين وروسيا التي دنا عذابها بإقامة قواعد عسكرية مؤقتة ومشروطة لهما في السودان هكذا!!! ، وبحسب رأينا المتواضع عمليا لا يمكن لدولة كالصين من إستعمال حق الفيتو لأنها في هذه الحالة هي صاحبة الاقتراح المقدم والفيتو يعني حق النقض أو الاعتراض فكيف يستقيم هذا بأن تتقدم دولة بطلب وتلزم الآخرين به دون أن يعترض الآخرون علي ذلك !!!؟ ، أما إذا كان الحالمون يتوقعون حدوث ذلك لمرحلة ما بعد إصدار قرار أمر القبض أي مرحلة التنفيذ فهنا تكون ( الفأس قد وقعت في الرأس ) ، أما موقف قادة المؤتمر الوطني اليوم من أزمة محكمة الجنايات الدولية فينطبق عليه المثل القائل ( تاباها مملحة تاكلا يابسة ) ففي مقابلة له مع ( رويترز ) قال وزير خارجية هولندا ماكسيم فيرهاخن ( إن نهج الحكومة السودانية تجاه المحكمة الجنائية الدولية يتحسن وإن المسؤولين ما عادوا ينازعون في حق المحكمة في التعامل مع السودان ، ولكن اعتراضهم في إصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس عمر البشير ) إنتهي كلام السيد الوزير ، وهذا يعني أن " الدافوري " السياسي الداخلي قد بدأ فليس من العدل استبعاد لاعب أساسي من اللعبة فلن يصمت قائد فريق الإبادة ومنسق جرائم الحرب بدارفور والمتهم الأول فيها علي عثمان محمد طه والذي تأكد كل الدلائل بأن القائمة القادمة سيكون متصدرا لها ، أما سياسة " قاطعي الطريق " الذين يُعرفون في الثقافات المحلية " بالربًاطين " والتي حمل عصاها " المضببة " السيد/ نمر إبراهيم واتجه صوب دارفور وأول ضحية وجاني قابله في طريقه هو النكرة كشيب والذي لا يحمل أي هوية تميزه سوي تلك التي منحتها له السُلطة والتي كُتب فيها : المهنة : قاتل ، وهذه هي أول خطوة موثقة للإعتراف بالجنجويد وإلا لمصلحة من كان يعمل هذا الكشيب !!؟ علما بأن قائد الجنجويد كشيب قد حوكم من قبل وأُطلق سراحه فهل كان هذا قانون إنقاذي جديد يُبيح محاكمة الشخص مرتين علي ذات الجرم !!؟ هذا بفرض إنه قُدم إلي محاكمة ، أما إذا تمً شطب البلاغات في مواجهته أمام النيابة فالذي يقوم به السيد/ نمر الآن يسمي إعادة تحريات بموجب القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 وهذا القانون ليس فيه نصا واحدا له علاقة بجرائم الحرب أو جرائم الإبادة أو الجرائم ضد الإنسانية ، أما إذا قام ترزية القوانين بتفصيل قوانين جديدة تناسب الحالة فإنهم يصطدمون بقاعدة قانونية آمرة والتي تقول إن القوانين لا تسري بأثر رجعي ، كذلك تنص القاعدة إنه في حالة صدور قانون جديد فالقانون الواجب التطبيق هو القانون الأصلح للمتهم ومن مصلحة النظام هو القانون القديم لأن الحصانات التي تحملها نصوصه تجعل من المتعذر محاكمة حتى الجنود ، لنتجاوز كل هذا " العك القانوني " ولنتوجه مباشرة بجملة أسئلة للسيد/ نمر هل ما زال مسرح الجرائم التي حدثت بدارفور كما هو منذ نحو خمسة سنوات !!؟ وهل ما زالت الأدلة المادية كما هي وخاصة جرائم الإغتصاب لما تطلبه من فورية مباشرة للتحريات لإثباتها !؟ وهل يمكنه الوصول إلي الضحايا والشهود ؟ وهل يمكنه حماية الشهود وهو نفسه قد يحتاج للحماية إذا تعدي الخطوط الحمراء ؟ وهل يمكنه كسب ثقة الشهود وهو معين من قبل جلاديهم ومنتهكي إنسانيتهم ؟ ، وهل في مضابط تحرياته وقائع إزالة المقابر الجماعية كما هو ثابت بالمستندات وشهادة الشهود ؟ ، وفي حالة إن أحد المتهمين من الحركات المسلحة هل يمكنه الوصول إليه ؟ ، أم أن مهمته هي تقييم لجنة القاضي العلامة دفع الله الحاج يوسف والتي أثبتت حدوث جرائم ضد الإنسانية بدارفور ، أم من مهامه تنقيح تقرير لجنة القاضي أنطونيو كاسيس رئيس لجنة الأمم المتحدة للتحقيق الدولية التي بموجبها تمت إحالة قضية دارفور إلي محكمة الجنايات الدولية ، أم أن الأمر كله لا يعدو أن يكون لبن سمك تمر هندي في مطبخ السياسة الإنقاذية المربك ، كان يمكن أن يكون لخطوة تعيين مدع خاصا للتحقيق في الجرائم التي حدثت بدارفور معني إذا أتت مباشرة بعد صدور القرار 1593 لأنها هي فترة السماح المحددة قانونا بسنة لتقييم المعايير التي بموجبها تتدخل أو لا تتدخل المحكمة الجنائية الدولية لتكملة عجز أو عدم رغبة النظام القضائي الداخلي في محاسبة المسؤولين من إرتكاب جرائم تدخل في اختصاصها ، أما أن تأتي هذه الخطوة نتيجة لسياسة " القحة ولا صمة الخشم " بعد أن يخنق " الألمي القنطور " فهذا يعتبر من باب هدر موارد الدولة فيما لا يفيد قادة السُلطة في شيء ، فطريقة القفز بالزانة والوصول بها دون مقدمات مقنعة إلي نتائج يعرفها الجميع لن تضيف شيئا في ترجيح كفة ميزان العدالة المختل لصالح الضحايا ، فماذا تعني خطوة التحقيق مع المدعو كشيب بهذه السرعة والتي استغرقت حوالي السنتين حتى وصلت إليها المحكمة الجنائية الدولية ؟ فما كشيب هذا ألا جنديا سابقا ملكته السلطة جهاز ثريا وعربة وأصبح ترسا يدور في ماكينتها التي لا تنتج إلا قتلا وسحلا ، فلماذا تصر هذه السُلطة علي إتباع سياسة القفز في الظلام ؟ فالفظائع التي حدثت في دارفور لا يمكن أن يقوم بها شخص مثل كشيب دون إستخدام جهاز الدولة ممثلا في قادتها الكبار ، فالطريقة التي يعمل بها جهاز الدولة لإدارة حربه في دارفور لا تحتاج لعناء تفكير ، فالنظام الإداري في دارفور يوضحه وجود التنظيم الهرمي الذي علي رأسه ولاة ولايات دارفور الثلاث الذين يتم تعيينهم مباشرة من الرئيس وهم مسؤولون أمامه يليهم المعتمدون ومسئولي المحليات وهم أعلي ممثلين مدنيين للسُلطة في ولايات دارفور ومناطقها ويكون الوالي بحكم صفته عضوا في اللجنة الأمنية في الدولة مع ممثلين عن الأمن والمخابرات العسكرية وهنا يتضح الدور الذي تلعبه الهرمية المدنية ( الولاة والمعتمدون والمسئولون المحليون ) وصلاتهم المباشرة بالأحداث العسكرية بل في بعض الأحيان تصل سلطتهم إلي إعطاء الأوامر والتي بدورها تأتيهم من أعلي القادة موقعا في الخرطوم ، كما لا يخفي قيام الولاة والمعتمدون بدور هام لتنسيق عمل الزعماء القبليين المحليين في تجنيد عناصر المليشيا وتوفير ما يلزم من أدوات البطش والقتل ، في 22/نوفمبر/2003 عثرت منظمة هيومن رايتس ووتش علي رسالة عنوانها ( زيارة قردود ) وقردود هذا معسكر لمليشيا الجنجويد يقع في الشمال الشرقي لمدينة ( كاس ) والرسالة صادرة من والي جنوب دارفور آدم حامد موسى موجهة إلي كل من معتمد نيالا سعيد آدم جمعة ومعتمد كاس أحمد أنجابو أحمد والغرض منها زيارة هذا المعسكر وتم ذلك بحضور السيد/ وزير الدولة أحمد هارون ( توأم ) كشيب الذي إرتبط به إرتباطا وثيقا لا يمكن فصم عُراه ، وكان من أسوأ الفظائع التي جري توثيقها بولاية غرب دارفور الإعدام الجماعي لعدة مئات من الرجال في وادي صالح في مارس 2004 وكان مسئولون حكوميون كبار موجودين في وادي صالح في ذلك الوقت ومن بينهم معتمد مكجر الطيب عبدالله طرشاني ومعتمد جارسيلا في ذلك الوقت جعفر عبدالحق وتقع مسئولية السياسات والقرارات الأمنية في يد كل من الوالي ومعتمديه علي نحو مباشر وقد تعاونوا ضمن شبكة ثلاثية تجمعهم مع الجيش والجنجويد وعلي كشيب كان من ضمن جوقة هذه الأوركسترا التي طالما عزفت سيمفونية لحن الموت والحريق والاغتصاب والتهجير كثيرا ، فماذا يتوقع المدعي الخاص لجرائم دارفور من تحقيقه مع رجل مثل كشيب الذي سيقول له نفس المعلومات آنفة الذكر ولن تأخذ بها السُلطة لأنها بمثابة الإدانة للنظام كله ، وهذه رسالة لكشيب ومن لف لفه لقد كنتم بالنسبة لهذه السلطة كالدجاجة التي تبيض ذهبا فأخذت السُلطة الذهب وضحت بالدجاج . umniaissa@hotmail.com
|
© Copyright by SudaneseOnline.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة
الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة
عن رأي الموقع