|
|
Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55 |
عبد الله محمد زين .. ذاكرة أمدرمان الحاضرة
محمد خوجلى ود الكراراوى
عبدالله محمد زين .. مر عام بحاله ورحلت فى شهر الفضيلة الى الرفيق الأعلى فى يوم 14 رمضان1428 هـ الموافق26 يوليو2007 ة قد وجرت مياه كثيرة من تحت الجسر أفتقدنا فيها حضورك المتميزفى ساحات الشعروالأدب وففدنا واحدا من فرسانها الأجلاء.. ولكن ذاكرتنا مازالت تستعيد فى كل يوم ماكنت ترويه وتكتبه بصدق وعاطفة جياشة لامدرمان وأهلها ترددت كثيرا فى الكتابة عن هذا الرجل غبد الله القامة السامقة ومنبع خوفى وترددى يتمثل فى أن لا أعطيه حقه من التقديرالكامل الذى هو أهل له وأن أغمط بعض الاشياء .. هى بالطبع من غير عمد عن مسيرة وسيرة حياته الحافلة
بالبذل والعطاء وتصبح مجرد سرد موجز لسيرة ذاتية فقط لاغير وأعزرنى عزيزى القارىء فالكتابة عن شخصية فذة مثل عبد الله محمد زين جد صعبة . فلقد عاصرت هذا الرجل لفترات طويلة فى فترات متلاحقة ومنذ نعومة أظفارنا كنا نراه وهو يجاورنا السكن فى حى العرب بأم درمان وأى شخص يقطن فى حى العرب أوما جاورها يعرف حوش حسن جمعة وأولاده
الفنان أحمد حسن جمعة فردة الثنآئى ميرغنى المامون وكذلك اخوانه على ومحمد حسن جمعة يرحمهم الله فلقد تربى عبد الله فى كنف أخواله أحمد وعلى ومحمد فى جو يسوده التراحم والتكافل والمودة وشملوه بعطفهم نحوه الا وهو اليتيم الذىفقد أمه وهوبعد طفل صغير.. ولد شاعرنا فى العام 1939م من القرن الماضى ونشأ عيدالله فى ذلك المجتمع الفنى الثقافى وهو مجتمع تطغى عليه روح البداوة متمثلة فى الكرم والفروسية ممزوجة بروح المدنية التى لاتنجرف وراء القشور والمظاهر الخداعة وجدان حى العرب شكل نسيجا واحدا للمجموعات التى سكنته برغم أختلاف الهجات
والسحنات، وتلقى عبد الله تعليمه بمدرسة المسالمة الأولية (الأبتدائية) ودرس المرحلة الوسطى بالأحفاد ، ثم المؤتمر الثانوية ، وألتحق بالسلك الوظيفى بعدة مصالح ولكن اكثر وظيفة عمل فيها زمنا ليس بالقصير هى مهنة مضيف جوى بهيئة الخطوط الجوية السودانية ( سودانير) فى حوالى منتصف الستنيات وتعرض للمسألة والاقالة من عمله عندما حمل رسالة كتبتها حرم السيد الصادق المهدى من ام درمان موجهة اليه فى المنفى بلندن ولكن رجال أمن نميرى أحبطوا المحاولة، وأقيل عبد الله بعد ذلك من عمله وأعتقل وتم أرساله لسجن دبك للأسف. بعد خروجه من
المعتقل أفتتح متجرا بمنزله فى حى العرب أطلق عليه بوتيك عزة - لندن، وشهد المحل أقبالا كبيرامن الجمهور نظرا لجودة بضاعته التى يتم استيرادها من أحدث مصانع سويسرا ولندن . بعد ذلك كان قدرك الرحيل الى المنافىء البعيدة فى مدينة الضباب (لجوء سياسى) بعد اقصائك من عملك فى سودانير للأسباب السياسية آنفة الذكر. عاد شاعرنا مرة أخرى الى السودان من لندن بعد غيبة طويلة، وقبل انتكاسة المرض الاخيرة ثم دهابه الى لندن للمرة الاخيرة، حضرت اليه فى بمنزله وكان يبدو فى صحة جيدة وعندما ودعته طلب منى أن أعاوده كلم سنحت لى الفرصة لأساعده فى
مراجعة مسودة ديوانه الجديد وفهرسته حتى يصبح ماثلا للطبع، لفت انتباهى بين دفتى الديوان كلها قصائد جديدة لم تر النور بعد وممهوره بالخط اليدوى البديع وقد أسر لى بأن السيد الصادق المهدى أشاد بهذ الانجاز ، عبدالله محمد زين لم يكن مؤلفا لقصيدة (يتيمة) كما أطلق عليه البعض بل أننى أطلعت على تلك القصائد الوطنية والعاطفية الجياشة كلها تنبض أبداعا كم هائل لم يتوقف الا برحيل صاحبه وله أغنية يتذكرها دائما الباحث أسماعيل الزين وهى مسجلة يالاذاعة لفنان حى العرب ( حسين أبو عرب ) يقول مطلعها: قلبى حكايتو ثانية / يحب ويعشق فى ثانية.. وهى من
الاغان الخفيفة ،بالرغم من أنتمائه لفريق المريخ وتأليف قصيدة عصماء له الا أن ذلك لم يمنعه من كتابة أغنية لنادى الهلال حبا للرياضة والتنافس الشريف وهى من أداء الفنانة سمية حسن والحان الموسيقار الراحل برعى محمد دفع الله . أوتذكر ياعبد الله عند عودنك قبل ألاخيرة للوطن عندما شهد لك ميدان جامعة الاحفاد بحضور ذلك الجمع الغفيرالذى القيت له قصيدة رصينة تحيى فيها آل بدرى ويشهد بذلك صديقك د. قاسم بدرى، وكما قال لى شيخنا اللواء أحمد النور جابر : عبد الله ده راجل غير عادى لقد رحل عنا فى شهر نزل فيه القرآن ، انى لأشهد له بالصلاح . أحب عبد
الله محمد زين أم درمان بلا عصبية أو جهوية لانها سودان مصغر ، وكأنه يتكلم بلسان حالها وديدنها العفوى وأطرف وصف يصفها به كرش الفيل وللخائف أمان، فيها كل الاجناس من بقاع الدنيا لافضل على عربى ولاهندى أويمنى ولا أفريقى غانى أو كميرونى مغربى كنغولى ، يوغندى ،حبشى أو غريقى ،ايطلى أو يهودى الا بالتآذر والتسامح ، كشف عن نبض القوافى المخفية داخل أزقتها، فى الاحياء والأسواق ، فى كل شارع أصوات الباعة الجائلين وروائح شارع العطور والتيمان لها خصوصية المكانذهب ينقب عن كل معلومة مفقودة أو قصة تكاد تكون تائهة ليضمها للتراث،
أغنية فلكلورية ، ملح وطرف ، أفتقدتك أم درمان كثيرا وكثيرا ياعبد الله كما أفتقدت من قبلك الطيب محمد زين و ميرغنى المامون وأحمد حسن جمعة وبله عبد العليم والتاج حمد وعبد الرحمن الريح وابراهيم عوض والتاج مصطفى وعلى المك وآخرون . كمؤرخ جمعت شمل الذين عاصروا عميد الفن محمد أحمد سرور وكرومة وبرهان سجلت بلسانهم شهادة ميلاد جدبدة لأدق التفاصيل المنسية، جمعت من تبقى شيالين عاصروا كرومة منذ 1945 وهم على أبو الجود وأحمد حماماتى ومحمود بخيت ليبوحوا لك بقديم الدرر وقد كنت من المقربين للشاعر عبد الرحمن الريح وأول من يحضر
أغلب البروفات الأولى لمععظم أغانيه وقد سبقك الى ذلك أبناء أخته أحمد بومدين محمد وعبدالرحمن عبد العليم وكتبت تاريخ حقيبة الفن كاملا ومفهرسا بحذافيره ومن دون نقصان لايضارعك أحد فى ذلك حتى تاريخ الاغنية والشاعر وما ألى ذلك ، وتعرفك ياعبد الله أم درمان كلها من مضارب حى العرب الى ود البنا حتى مشارع ابوروف ومجالسهم الادبية ندوة السراج وعبد الله حامد الامين فى الموردة وصالون منزلكم يشهد بذلك ولجه العامة من ظرفاء المدينة ومعهم زمرة الشعراء وجوقة المطربين ورجال أعمال من كل حدب وصوب حتى شعراء الدوبيت فى البادية .. كان معك
الفرجونى والجقر والشاعر أبو قرون فحتى حى العرب ملحمة الاليازة عندك غرست فيك حب الشعر فكنت كهوميروس, محاصرا بمثلث اضلاعه الثلاثة، شمالا أبراهيم عوض وجنوبا عبيد عبد الرحمن والطاهر أبراهيم وسيد عبد العزيز قبل أن ينتقل الى المسالمة شرقا .. وغربا عبد الرحمن الريح وسيف الدسوقى وهذا ليس بغريب عنك فخالك هو الشاعر والفنان أحمد حسن جمعه الرجل الشهم الأصيل الذى تعلمت منه الكثير. ود فرحات أشهر مزين فى أم درمان وصديقه الصدوق كاتم أسراره .. وقد برع ود فرحات فى هذه المهنة وتعلمها من ابآئه يقول :كان عبد الله ساخرا لابعد حد وجادا فى أى
موقف يتطلب الجدية داعب مرة عمنا برعى الأحمدونى وهذا رجل من طراز لاتمله أبدا يحكى لك طرفة فتنسى مابك اذا كنت مهموما .. يابرعى أنت حامد وشاكر انت سينما من غير تذاكر، ودفرحات أشتكى لعبد الله من أن أرجله وقدماه قد تورمتا تورما شديدا ويخشى أن يكون قد أصابه داء ( القاوت ) أو الفيل ، فطمأأنه عبد الله محمد زين :ماهو (كرعينك ) قوية زى مرق العنقريب؟؟ أثناء نوبة عمله كمضيف جوى فى ( سودانير ) وعلى متن الطائرة المحلقة فوق السحاب تناول الركاب الوجبة المقررة لهم ، أحدهم طلب من عبد الله وجبة أخرى فأحضرها له ، وبعد ان ألتهمها طلب الثالثة ، فما كان من
عبد الله الا أن رد عتيه بامنعاض : ياخونا؟ أنت قايلنا ضابحين خروف ولا شنو؟ وله مواقف وحكايات طريفة مع عبد العزيز العريق وحسين محمد على حفظهم الله وعبد القادر محمد على عليه الرحمة وهم من أعمدة ام درمان ولهم فيها المرجعية ، وفى محلاتهم بسوق الذهب ( ألصاغة) يلتقى
نخبة من الوان الطيف السودانى أذكر منهم الصحفى المخضرم استاذنا شيخ أدريس بركات ود الارباب واخرين. قصيدة أنا أمدرمان أوجزت عشرات القصائد فى واحدة ، وكأن عبد الله كان هناك مع المهدى يحارب بيراعه فى فى ساحات الوغى فى شيكان وقدير وعند فتح الخرطوم ومصرع غردون باشا ام درمان اليانعة المنيعة كانت مصدر ألهام لكثير من الشعراء تلك المدينة التى أحبها بصورة وصفها فى شعره أبلغ وصف .. :أتا أم درمان أنا السودان ..أنا الدر البزين بلدى.. انا البرعاك سلام وأمان.. أنا البفداك ياولدى، وكان وصفه دقيقا للرايات تعلو هامات الأبطال والمعارك تدور رحاها
وصليل السيوف يمتزج بصهيل الخيول.. ووقع حوافرها موريات قدحا ..أنا القبة البتضوى الليل وتهدى التاس سلام وأمان وأنا الطابية المحاذية النيل ..عبد الله محمد زين عوضك الله الجنان سكنا ونزلا مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا بقدر ماكنت سمح المعشر، كريما حنونا أخو أخوان فىالحوبة، توزع الأريحية والحنين للناس، وكما قال ابى العلاء المعرى :ضجعة الموت رقدة يستريح الجسم فيها، والعيش مثل السهاد
هذا المقال نشرته فى صحيفة الخرطوم بتاريخ 8 ديسمبر 2007
© Copyright by SudaneseOnline.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة
الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة
عن رأي الموقع