دار فور, الحقائق : بعيون المنظمات الدولية ... ( 3 )
((.. وتشكل الحالة في تشاد والعلاقات المتدهورة , بين السودان وتشاد أيضاً مصدراً شديد القلق , وعرقلة شديدة للتوصل إلي تسوية سياسية لأزمة دار فور . وتعد عملية تطبيع العلاقات الثنائية أساسية بالنسبة لنجاح عملية السلام في دار فور و للاحتمالات الطويلة الأجل للسلام في كلا البلدين ... ))
المصدر : تقرير الأمين العام للأمم المتحدة , عن نشر العملية المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دار فور. 14 / فبراير 2008 م
العقلاء وحدهم هم الذين ينظرون للأشياء قبل حدوثها , وإن حدثت فهم يتداركونها قبل استفحالها , وهنا نود أن نشير إلي نظام الإنقاذ وما أصابه من عمى بخصوص علاقاته الخارجية عموماً وبدول الجوار على وجه الخصوص , فهذا النظام ومنذ أيامه الأولى بدأ بمعاداة القاصي والداني , بسبب وغير سبب , فعلاقة السودان بتشاد ـ على مستوى الحكومات ـ بدأت جيدة وطيبة في أول أمرها وذلك في مستهل التسعينيات من القرن الماضي و حتى أواخرها , حتى أن كثير من السودانيين في تلك الفترة قد وجدوا لهم ملاذاً آمناً بتشاد , واحتضنتهم وآوتهم كما لو أنهم بنيها فشغلوا مناصب رفيعة ومهن جيدة وما زال الكثيرون منهم يعشون كجزء أصيل من أبناء الشعب الشادي وعلى المستوى الشعبي فإن الشاديين يقدرون السودانيين ويحبونهم بل ويحترمونهم ويرون فيهم مثالاً يحتذي للعلم والمعرفة والثقافة , وهناك حكاية يرويها الناس في أواخر التسعينيات عن الرئيس إدريس دبي , تقول الرواية : ( أنه أصدر توجيهاً لقوات أمنه , بأن كل من يأتي بالبوابة الشرقية ـ في إشارة للسودانيين ـ يسمح له بالدخول , لأنه يحمل معه الثقافة , و أن كل من يأتي بهذه البوابة الغربية ـ في إشارة للكمرونيين وبقية الرعايا الأفارقة ـ يتم التحقق معه لأنهم يحملون الايدز , حمانا الله و إياكم ) , طبعاً أيً كانت صحة الرواية أو عدمها , إلا أنها تدل على حسن النية وطيب الخاطر الذي يبديه الشاديين تجاه السودانيين حتى على المستوى الرئاسي , وأنا أشهد على ذلك بحكم معرفتي الوثيقة بتلك الشعوب ومعايشتي لهم لسنواتٍ طيبة . على مستوى التمثيل الدبلوماسي , كان السفير السوداني , في ذلك الوقت عميداً للسلك الدبلوماسي العربي , فضلاً عن أن جميع القبائل السودانية يمكن أن تجد لها نظيراً في شاد , ولا تدعى وتقل لي أنا من سلالة العباس أو من ذرية بني هاشم , فحتى هذه لها وجود في شاد .
قصدنا من هذه المقدمة الطويلة أن ندلل على متانة العلاقات بين الشعبين , بل حتى على مستوى حكام شاد على الأقل , إن لم نقل حكام الخرطوم , فالعلاقة مع شاد لها خصوصيتها وتفردها , حتى أنني أصل إلي درجة وضعها في الأولوية على العلاقة السودانية المصرية .
وذلك لأسباب ربما تحتاج منا إلي بحث منفصل .
نأتي إلى واقع اليوم , فلو أننا نظرنا إلى وضع النظام الحاكم في شاد بشكل منفصل عن علاقته بالسودان , نجد أنه يعانى أزمة داخلية تتفاقم يوماً بعد يوم , تتمثل في الجبهات المعارضة التي حملت السلاح لتغيير النظام بصيغةٍ أو بسواها , وهذا من حقها لو أخذنا الأشياء بمنطق العقل , فتلك ديارهم وهم أولى بها وأدرى بشعابها وليس لأي أحد كائناً من كان أن يتدخل فيها , وهم ليسوا النموذج الوحيد الذي يحمل السلاح في وجه حكومته على مستوى العالم .
أما فيما يخص نظام الإنقاذ , فهو الآخر يعاني من نفس العلة , علة الجماعات المقاتلة والتي تنتشر بنفس خط انتشار الفصائل الشادية , ولكن هنالك اختلاف جذري بين الأمرين , فالأول أي المعارضة الشادية فقد فرضتها معطيات ترتبط بطبيعة النظام الحاكم في شاد كسيطرة القبيلة مثلاً , حيث أن شاد ومنذ أن عرفت الحكم الوطني , أي بعد عام (1960 م) وإلى اليوم تحكمها القبائل , أي أن القبيلة التي يستولى أحد أفرادها على الحكم هي التي تسيطر وتتسلط وتستحوذ على كل شي , الأمر الذي يولد غبناً ـ ولو بعد سنوات ـ لدى أفراد القبائل الأخرى , مما يجعلهم يتمردون على النظام ويحملون السلاح لتغييره , وهذا شأنهم كما ذكرنا , وحكومة الخرطوم تعلم ذلك جيداً , فهي التي دعمت إدريس دبي وزودته بالسلاح و الأرض للوصول للسلطة , حيث كانت نقطة انطلاقه هي مقر القيادة الغربية بالفاشر والتي تحتفظ بشي من عتاده حتى كتابة هذه السطور .
أما المعارضة السودانية ونعني بها الفصائل الثورية المسلحة في دار فور , فهي لم تتحرك بدافع قبلي أو اثني أو حتى جهوي ـ على الأقل في بداية أمرها ـ حباً في تغيير النظام والاستيلاء على السلطة , بدليل أن أغلبية قادة هذه الفصائل كانوا جزءاً من النظام ومناصريه بل ومخلصين له , يؤدون كل فروض الولاء والطاعة , لا ينظرون لأبعد من مصلحة الوطن وسلامة أراضيه ورفعته , إذاً فما الذي جعلهم يحملون السلاح في وجه من كان وليٌ حميم بالأمس ؟؟ لابد أن هنالك من سبب بل أسباب أدت إلي هذا التحول , أيضاً في هذا الجانب الحكومة في الخرطوم تعلم ذلك , هي تعلم الأسباب لأنها هي :
أولاً : من خلقت أزمة دار فور وأوجدتها من العدم , وذلك بتأليب القبائل بعضها على بعض
ثانياً : هي من ألغت دور الجيش القومي والشرطة القومية , واستعاضت عنهما بمليشيات الجنجويد الاثنية الطابع التي عاثت في الأرض فساداً وفتنة .
ثالثا : هي التي آوت المعارضة الشادية لتساوم بها نظام دبي , وتحاربه بها بالإنابة .
رابعاً : هي التي بادرت بانتهاك سيادة شاد , وبدأت بالعداء والبادي أظلم .
نخلص من كل هذا إلي أن جزءاً أساسياً من أسباب التوتر الداخلي في شاد هو مسؤولية الخرطوم , والمسؤولية الكاملة عن الذي يدور في دار فور تقع على عاتق الخرطوم , وذلك لأن هؤلاء الذين يقاتلون ويحملون السلاح الآن في الأحراش و يتغربون عن أعزائهم ويحتسبون أفلاذ أكبادهم , ويرملون نسائهم , ويفارقون أوطانهم , لم يكن كل ذلك جزءاً من هواياتهم ولا أحلامهم التي كانت تراودهم في طفولتهم , فهم بشر أسوياء أصحاء , يحفظون كتاب الله ويؤمنون باليوم الآخر , لكنهم أيضاً يدركون أن حاجتهم للخبز كحاجة أهل الخرطوم والشمالية .
وحاجتهم لسد مروى وكجبار كحاجة أهل المناطق النيلية , وأنهم مؤهلون تماماً لشغل المناصب القيادية والسيادية , حملوا السلاح لأنهم صبروا فنفذ صبرهم لأن للصبر حدود , حملوا السلاح لأنهم أدركوا أن من بايعوه على مصالحهم ومصلحة الوطن أراد لهم أن يسبحون بحمده لا بحمد ربه , يسخرهم كيف يشاء ومتى يشاء , فإذا شقوا عصا الطاعة وحملوا السلاح فهم مأبورون في دينهم وهم ( تورا بورا ) وهم خوارج وهم خونة ومارقين
وعملاء لإسرائيل , لا يا سيدي أن من حملوا السلاح , هم جزء أصيل من هذا الوطن الكبير
الوطن الذي يمتد بمساحة قارة لهم الحق في أي شبر من ترابه أعزاء مكرمين وليس منحة من أحد , هؤلاء المقاتلون سيضعون السلاح متى ما أدركت ذلك وحينها ستضع الحرب أوزارها ويعم السلام .
عودة إلي أعلى الصفحة , إلي تقرير الأمين العام للأمم المتحدة , تلك الأسطر البسيطة , تبدو تافهة من حيث حجم الحبر الذي كتبت به , إلا أنها تشكل منفستو كامل للحل , نعم أنها بمثابة خارطة للطريق الذي يؤدي لا إلي روما لا ولا إلي الهلاك وإنما إلي استتباب الأمن في دار فور وتحسن العلاقة مع الشقيقة شــــــــــــــــــــاد .
نواصـــــــــــــل
حــــاج على /
السعودية
Tuesday, September 09, 2008
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة