محمد طه.. ما لا تعرفونه
!«...»
ضياء الدين بلال
diaabilal@hotmail.com
كنا على بعد خطوات من صفوف الصلاة على الراحل- لكم أجد صعوبة في كتابة الراحل هذه- الاستاذ محمد طه محمد احمد جنقال، كان الصباح مشوشاً بالحزن، محتقناً بالغيظ على «فاعل» كان وقتها مجهولاً .تتسع دائرة الشك الى مداها الاقصى، أصبع الاتهام يتحرك في كل الاتجاهات..قبل الشروع في الصلاة كان الاستاذ نزار أحمد أيوب يقلب معي قائمة الاتهام..من فعلها؟..العبارة التي لاتزال راسخة في ذهني :(بغض النظر عن ماهية الفاعل.. الحقيقة المهمة، كما كثيرون حزانى على اغتيال محمد هنالك مستفيدون من غيابه.بسبب ان الرجل ذاكرة عقابية متحركة قادرة دوماً على محاكمتهم في لحظات الصعود، وعند تبديل المواقف)..!
انتباهة نزار كانت افكارها وشواهدها جائلة في رأسي دون ان استطيع ضبطها بهذا التركيز الذي يميز نزار عن غيره..محمد طه كان يتمتع بذاكرة فوتوغرافية نادرة وبخاصية بحث غوغلية..يأتي الاسم عابراً فاذا بأدق المعلومات عنه تخرج من ود جنقال تحوي تاريخ النشأة ومراحل التطور ولحظات السقوط..كانت بدايتي الصحفية معه بالوفاق..كان في مرات يكلفني بعمل صحفي أو يحذرني من الكتابة في موضوع محدد..تمضي أشهر على ذلك ،ولا انجز التكليف كسلاً أو عدم اقتناع أو اذا كتبت ما منعني عنه، يكون ذلك عناداً وقوة رأس..وأكون قد راهنت على النسيان او على سقوط التكليف بالتقادم .فاذا بذاكرة الاستاذ تعاقبني (انا ما قلت ليك كدا(....)وانت رديت علي وقلت كدا (...) وكان قاعد فلان وفلان ) .عندها تسقط كل الحجج من بين يدي..وعندها اجد ان متن الرواية غير قابل للاختراق وان توجيهات الاستاذ غير قابلة للتأويل.
أذكر بعد سنتين من عملي «بالوفاق» تلقيت عرضاً مغرياً للانتقال لصحيفة أخرى.كتبت خطاب استقالة. وكلمة وداع بالصحيفة. وغادرت.أحد الاصدقاء جاء الى أستاذنا وصديقنا محمد طه مستفسراً عن انتقالي..فكان رد الاستاذ :(هو صحافي كويس لكن الحمد لله مشى مننا أصلو كان بكسر لينا الكراسي)..وعندما أخبرني الصديق بمقولة الاستاذ في حقي . لم أغضب لانني أعلم ان طه له مهارة نادرة في جعل الشخص يضحك على نفسه. ولكن دهشت جداً لموضوع الكراسي..!
تذكرت وقتها أن في أول يوم عمل بالصحيفة جاء محمد طه الى مكتب المحررين ووجد كرسياً شائخاً قد انهار من تحتي.لم يعلق وقتها ولكنه اختزن المشهد ليخرجه في آخر يوم أغادر فيه الصحيفة...!
نعم دكتور كمال حنفي.. محمد طه مبدع عندما يكتب وعندما يتكلم وعند الأنس..نجلس لساعات. في ونسة مفتوحة . بلا سقف ولا أسوار.لن تجد متعة أروع من الصمت وانت تستمع لحوار نهاري يتم على مهل. في انتظار غداء يعد على عجل. وامطار الخريف تغسل للود قضية. حوار يجمع محمد طه والاستاذ الرفيع الحاج وراق.. في منزل نزار أيوب ودكتورة حنان حجازي.. ولن تجد متعة وجدانية تضاهي حوار ود جنقال والاستاذ عادل ابراهيم حمد في مساء برائحة الكمون بصحيفة الوفاق..وتأتي الدنيا ضاحكة عندما يجتمع طه مع شجر وجمال والطاهر والهندي والمدني وخالد والمادح.
أيام مضت ولا تزال حكاوينا تستمد عافيتها من تلك الذكريات ومن نكات ولذعات ود جنقال. فقد كان يملك سر الكلام ويفتح بمفتاح السخرية ابواب المفاجآت.
نعم اغتيال محمد طه كان اغتيال ذاكرة استثنائية..تعاقب البعض بأسواط الماضي وتسعد الكثيرين بأصوات الحق.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة