|
|
Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55 |
|
توقيف البشير : السلام العادل : الصادق حمدين
عندما كان الحجاج بن يوسف الثقفي أميرا علي الكوفة بالعراق وكانت حروبه ضد الخوارج الأزرقية لا تهدأ حتى تتجدد مرة أخري زحف إليه شبيب الشيباني وهو من أشهر قادة الخوارج بعد إختلافه مع زعيمه قطري بن الفجاءة المازني ، وكان هدفه هذه المرة عاصمة الإمارة الكوفة واستطاع بجيشه الوصول إليها وكان الحجاج بن يوسف متحصنا داخل قصره فيها فسأل حارسا كان بالقرب منه ماذا تفعل هنا فرد عليه الحارس أني أقوم أيها الأمير بحراستك فقال له الحجاج بن يوسف يائسا عندما يبلغ الخوارج النقطة التي تقف بها أنت لن تنفعني حراستك في شيء هيا أخرج لملاقاتهم خارجا ، وعند وصول الخوارج إلي القصر فرً الحجاج بن يوسف من مبارزة امرأة وهي غزالة الشيبانية فأخذت تنشد أبيات الشاعر عمران بن قحطان ، أسد عليً وفي الحروب نعامة : ربداء تجفل من صفير الصافر : هلا برزت إلي غزالة في الوغي : بل كان قلبك في جناحي طائر ، مما دفع الحجاج بن يوسف بالقول مهزوما قهرنني أربعة نسوة ، سُكينة بنت الحسين وغزالة الشيبانية وهند بنت المهلب وليلي الأخيلية وأنا قاهر الرجال ومذلهم ومجندلهم !! . ما دفعني لكتابة هذه المقدمة هي الحال التي وصل إليها نظام الخرطوم فخطته لتأمين العاصمة من شعب يحكمه قهرا تماثل تماما وضع ذلك الحارس الذي كان يعتقد صادقا بأنه كان يحمي أميره الحجاج بن يوسف من داخل القصر ، وهذا بالضبط ما ظل يفعله حارس الإنقاذ " الأمين " صلاح عبد الله قوش ووزير داخليتها ابراهيم محمود حامد ، وهذه الخطط الأمنية التي يعتقد النظام بأنها ستحميه من غضبة الشعب السوداني عندما تحين لحظة المواجهة رفضها الحجاج بن يوسف عام 663 م ودولة الخلافة الأموية في بداياتها ، ويبدو أن هذا النظام لن يحفظ شيئا ولن يتعلم شيئا بالرغم من تشابه سياساته مع سياسات الدولة الأموية في كثير من الأحيان وأحيانا قد تصل حد التطابق ولم يكن ذلك من قبيل الصدفة فدولة الخلافة الإسلامية الإنقاذية التي قامت في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين كان لابد لها من مرجعية فكانت مرجعية النظام الإسلامي الإنقاذي هي الدولة الأموية بكل سوءاتها ولم يأخذ من محاسنها شيء ، ففي أول اختبار للنظام أمام جنود العدل والمساواة في عقر داره التي ظن بأنها آمنة ومحصنة كانت قلوب كل رموزه في جناحي طائر ولم يبرز منهم أحد مما يؤكد استئسادهم أمام الضعفاء ولا نسمع لهم صوتا أمام الأقوياء فهذا هو دائما حال الطغاة الذين يعادون شعوبهم ، فهذا النظام الذي يُوهم العالم بأنه يحكم قبضته علي الدولة السودانية التي تبلغ مساحتها مليون ميلا مربعا نجده في واقع الأمر لا يحكم ولا يبسط سيطرته إلا علي مساحة تبلغ حوالي اثنين وعشرين ألف كيلومترا مربعا وهي تقريبا مساحة العاصمة التي يتحصن بها النظام ويُصدًر الموت لكل أقاليم السودان منها . في عهد المخلوع جعفر نميري وعندما شعر نظامه بالخطر ليس من أعداء الخارج كما يتبادر إلي الذهن لأول وهلة إنما من شعب يحكمه بالحديد والنار ، تفتقت عبقرية بطانته وخرجوا بقانون أسموه الطمأنينة العامة أو السلامة العامة فأفرغوا العاصمة من كل سحنة وهوية يمكنها أن تشكل علي النظام خطرا محتملا وبفضل سوء سياسات نظام المخلوع المشير جعفر نميري من إشعاله لحرب الجنوب مرة أخري وإنكاره المخزي للمجاعة في غرب السودان رجع هؤلاء الذين أطلق عليهم د. حسن مكي ذلك المستعرب الذي يدعي بأنه خبير في القرن الإفريقي وليس الخليج العربي الذي يتوق إليه روحا ووجدانا " بالحزام الأسود " فالتف هذا الحزام حول عنق نظام الطاغية النميري وكان العامة من سكان العاصمة الذين أراد الطاغية سلامتهم في مقدمة الذين ثاروا ضده في ثورة السادس من أبريل المنهوبة ولم يضمن سلامته وسلامة نظامه وحل الطاغية ضيفا غير مرغوبا فيه بقاهرة المعز وأخذ يردد في هذيان يقظة لا ينقطع بأنه عائد . وفي عهد هذا النظام المتهالك وبفضل سياساته القمعية توسع هذا الحزام حتى شمل كل أقاليم السودان مجتمعة ، ففي شمال السودان آخر الأقاليم التي كانت آمنة من آلة القتل المباشر قبل أحداث كجبار المأساوية والذي ظن هذا النظام الغشيم بأن مواطنيه سيمررون له سياساته التي هجًرتهم وأسكنتهم صحاري غفر يباب لا يستطيع ولاته مخاطبة مواطنيه حتى ولو كانوا بجزر معزولة سرعان ما يركبون " طوافاتهم " ويولون الأدبار كما حدث بأرض " أردوان " العصية حيث هتف المواطنون الشرفاء ضد النظام ومؤيديه " مأساة عبود لن تعود " وهذا هو السلاح الذي تخشاه السلطة أكثر من أي سلاح آخر وهو العصيان ووقوف العُزًل من الجماهير أمام جبروتها وآلتها العسكرية رافضة لتلك السياسات التي لا تخدم إلا هذه السلطة وبطانتها ، فالتنمية للإنسان وبه فإذا رفضها مقابل تخليه عن وطنه الصغير فعلي هذا النظام الغاصب أن يستجيب لرغبة المواطنين إن كان فعلا صادقا في تنميتها ، ويبدو أن هذا النظام الذي يواصل سياسة الانتحار لا يعرف علاقة المزارع بأرضه ومدي تمسكه بها ، أما الدماء التي سالت في إقليم البحر الأحمر لنأخذ منها مثالا أحداث بورتسودان التي راح ضحيتها أكثر من عشرين مواطنا بريئا لا لجرم قد إرتكبوه إلا أنهم قالوا لا في وجه نظام متعطش للدماء ولنقارن ذلك بثورة المسجد الشعبية التي حدثت برفاعة عام 1946 إبان الإستعمار البريطاني ضد آثار قانون منع الخفاض بالرغم من خطورة هذه الثورة عليه إلا أن ردة فعل المستعمر لقمعها كانت نتيجتها قليل من الجرحى وسجن بعض الذين تم القبض عليهم لمدد كان أقصاها سنة فأين هذا من نظاما يتعامل مع شعب ينتمي إليه بهذه الدموية والوحشية والقسوة !!!؟ أما إطلاق النظام الذي يدعي بأنه يهتدي بهدى الإسلام يد زبانيته وجلاديه في أقبية بيوت الأشباح حيث رأينا كيف نُحرت الزمالة علي محراب السلطان واستشهاد دكتور علي فضل علي يد من أقسم معه علي مبادئ أبقراط وأنسته السلطة ما قاله هذا الحكيم بأن الدماغ هو سيد الأعضاء فأدخل فيه " مسمارا " كان حدا فاصلا بين البطولة والاستشهاد في أروع صورهما والغدر والخيانة في أحطهما ، وما زال الزميل علي العوض يتسامي علي جراحه مذكرا جلاديه في صمود لا يلين بأن المتاريس أمام الحرية والديمقراطية لابد وأن تنهد ، وهناك العميد ود الريح الذي قض مضاجع النظام وهو يفضح ممارساته الوحشية في كل المحافل وقد كانت كلماته تلهب ظهورهم وتعذبهم أكثر من كل سياطهم وأدوات تعذيبهم ، وهذا قيض من فيض للذي حدث لمعارضي هذه السلطة باستعمالهم ضدها سلاح الكلمة فقط ، كان القرشي شهيدنا الأول وكان ذلك عام 1964 والشعار الذي رفعه الشعب السوداني آنذاك " مقتل طالب مقتل أمة " فقد كنا نظن أن لهذا الشعار وحده حصانة كافية للطلبة والتلاميذ لحرمة دمائهم فانظروا منذ عام 1989 وحتى الآن كم طالب وطالبه سالت دمائهم وكم أمة ماتت حتى تظل هذه السلطة حاكمة ومتحكمة في رقاب العباد ، " دق القراف خلي الجمل يخاف " هذا هو حال القوانين التي تُستعمل لمرة واحدة ثم تنتهي صلاحيتها بإنتهاء الغرض من سنها ومن ضحاياها مجدي محمد أحمد ، والطيار جرجس ، والطالب أركانجلو وكانت جريمة هؤلاء مجرد حيازة نقد أجنبي فأفرغ النظام السياسة العقابية من مضمونها فالعقوبة التي لا تتناسب مع الجريمة تُعتبر من باب التشفي والإنتقام ، أما التصفيات التي طالت العسكريين والمدنيين بما في ذلك ثمانية وعشرين ضابطا دفنوا في حفرة واحدة وكأنما أكبر دولة في إفريقيا لا تسع لهم قبورا مما أكد وحشية هذا النظام حتى رفقة السلاح لم تشفع لزملائه من هذا المصير ، أما ضحايا النظام نتيجة لحروبه الجهادية في كل من جنوب السودان وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق فجعلهم مهرا للسلام لا يغير من واقع مأساتهم في شيء ، أما ما حدث في دارفور من جرائم حرب وإبادة فبحسب سردنا أعلاه لم تكن هي الأولي من نوعها في السودان ولكنها الأكثر فظاعة قياسا بأرقام الضحايا والوسائل والظرف التاريخي وطبيعة المتورطين . هذه باختصار شديد قد يصل حد الإخلال عريضة دعوي الشعب السوداني في مواجهة هذه الطغمة الفاسدة ، فهل ما زال السؤال قائما بأن يكون السلام أولا في مقابل إسقاط العدالة أو تأجيلها بحق البشير وطغمته فكيف لنظاما كهذا بأن يصنع سلاما ودماء ضحاياه تحاصره في كل مكان وماذا يعني السلام !!؟ هل إيقاف صوت البندقية في دارفور لأن معاناة مواطنيها الآن الأعلى صوتا يعني أن السلام قد تحقق وبعدها فلتذهب العدالة إلي الجحيم ويعود من تسبب في كل تلك المآسي حاكما من جديد ، أولم يقرأ المنادون بالسلام أولا في كتاب الله (ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) البقرة ، فالقصاص عقوبة دنيوية تتعارض مع عفا الله عما سلف لأن العدالة في معناها البسيط تعني حقن الدماء وترك تحقيقها يعني بأن تعم الفوضى أم أن السودان قد خلا من أولي الألباب حين رأينا اصطفاف الكثيرين مع الجاني ضد الضحية والسؤال ما زال موجها إلي أولئك المصطفين ماذا حدث لدولة ليبيريا عندما تم القبض علي رئيسها وتم تقديمه للعدالة ؟ وماذا حدث لكل من دولة يوغسلافيا السابقة والكنغو الديمقراطية ورواندا وسيراليون عندما تم تقديم كل المتورطين في الجرائم التي حدثت بها إلي العدالة ؟ وماذا حدث لكل الدول التي كان يحكمها الطغاة عندما ذهبوا وتركوا الحكومات التي ظنوا بأنهم مخلدون فيها . وخلاصة قولنا أن الطريق إلي التعايش السلمي في دولة الحروبات الممنهجة وإتفاقيات السلام التي لا تتناسل إلا حروبا لا يمر إلا من زاوية تحقيق العدالة بوجهها المتكامل لاسيما إذا اشترك فيها المجتمع الدولي ممثلا بالمحكمة الجنائية الدولية ، وخطوة العدالة أولا من أهم أهدافها أن يري المتأذون من فظاعة هذه الإنتهاكات بأن هناك عدالة تقتص لهم حقهم وحق أعزائهم الذين فقدوهم وهذا أيضا يطمئن الآخر الذي في مهب ريح الإنتهاك أن هذه الجرائم لن تحدث مرة أخري ، وأخيرا تحقيق العدالة أولا ربما أعاد إلينا احترامنا كشعب يمتثل ويحترم العدالة بدلا من أن يؤدي هؤلاء الحكام اليمين الغليظة علي مخاصمة العدالة فيعيدوا لنا عار ظل يلاحقنا وهو عار تلك الإنتهاكات ، إذن فالسلام العادل هو الذي يحقق لهذه الدولة المنكوبة الأمن والاستقرار وليس السلام وحده دون عدالة قادرا علي فعل ذلك .
umniaissa@hotmail.com |
© Copyright by SudaneseOnline.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة
الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة
عن رأي الموقع