جلسة رمضانية (2) ......
الملائكة .... المُقَرّبُون منهم والعُمُوم
مصعب المشرّف
mosaab5@gmail.com
توطئة:
أرجو أن يستمحيني الأخوة الأعزاء عذرا في عدم الوقوف بين كل جملة وأخرى وكأنّنِي (حِمَار بائع اللبن) ، وإضاعة التركيز بالتذييل وحشو هذه السلسلة من الجلسات الرمضانية بالإشارة إلى العديد من المراجع التي استقيت منها. .. فكل ما هو آت موجود في بطون كتب التفسير والتاريخ والأدب والتراث ومعاجم اللغة العربية ... وبالتالي فليس لي من كل هذا سوى جهد الانتقاء والتجميع وإعادة التركيب بهدف التبسيط ....
من بديع خلق الله عز وجل الملائكة. وهم مخلوقات من نور يختلفون عن البشر والجان في أنهم لا يعصون ربهم ويفعلون ما يؤمرون. أو بمعنى آخر فهم ((مُسَيّرُون)) وليس فيهم ما لدى بعض الأجناس الأخرى من تخيير وفق نجدين إما شاكر وإما كفورا.
وعدد الملائكة الكرام غفير لا يعلمهم إلا الله عز وجل خلقوا لأداء وظائف عديدة . وفي خلقهم خير كثير للإنسان والخلائق عامة. وأشكالهم متباينة وأحجامهم تختلف باختلاف درجاتهم وطبيعة وظائفهم. لكن يجمع بينهم جمال وحسن الخلقة وقد قال عز وجل في الآية (1) من سورة فاطر [الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير].
وعن أمّنَا عائشة بنت الصديق رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم] رواه مسلم في صحيحه.
خَلْقُ الملائكة:
خلقت الملائكة قبل الإنسان لقوله عز وجل في سورة ص [وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين] (70)
وحيث أن الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل ولا تتكاثر مثل البشر وفصائل من الجان . فلا توجد إشارة تؤكد على وجه التحديد ما إذا كان خلق الملائكة جميعهم قد جرى في زمان واحد. أم ما زال يجري الخلق منهم إلى يومنا هذا وحتى قيام الساعة.
وكما تقدم فقد جرى خلقهم من نور . ولكن خلقهم يختلف عن خلق إبن آدم في أن الله عز وجل قال للملائكة كونوا فكانوا .. أما آدم عليه السلام فقد سواه الله عز وجل بيديه. ونفخ فيه من روحه وأسكنه جنته وعلمه الأسماء ، وترك له الخيار إما شاكرا أو كفورا بعد أن هداه النجدين على يد أنبيائه ورسله عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. وأسبغ الله عز وجل على البشر نعمة المغفرة وكثير من النعم التي لا تعد ولا تحصى ، ولا يتسع المجال هنا لذكرها.
ولأجل ذلك فقد اختلف علماء السلف في تحديد أيهما أفضل الملائكة أم البشر؟
ففي حين ذهب بعضهم لتأكيد أفضلية الملائكة. ذهب آخرون إلى أفضلية البشر. واعتدوا في ذلك بسجود الملائكة لآدم عليه السلام .. لكنهم اختلفوا هل السجود خاص لآدم وحده أم يشمل كافة البشر ؟؟
أغلب الظن أن الأمر للملائكة بالسجود كان خاصا لآدم عليه السلام وحده لقوله عز وجل [فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين] آية (71) سورة ص.
والسجود هنا ليس سجود عبادة وتقديس لآدم (ما كان لمخلوق أن يسجد لمخلوق) بقدر ما هو سجود لروح من الله، وقدرة الله عز وجل وعلمه وحكمته. وإيذان للملائكة بمدى الخطورة التي يمثلها هذا الكائن الحي الجديد. بل ومدى التكاليف التي يتعين على بعضهم أدائها لاحقا بسببه. وقد جعل الله عز وجل لهذا المخلوق الجديد القوي الضعيف في آن واحد ، الخيار عبر امتحان صعيب نهايته إما جنة أو نار.
ثم أنه كيف يكون سجود الملائكة تعبير سجود لكل البشر على علاتهم . والبشر فيهم أعداء الله ومن هو أسوأ من الأبالسة وفيهم حصب جهنم ووقود النار ؟؟؟
الملائكة المُقَرّبُون:
أكثر الملائكة المقربون هم الذين ورد إسمهم بالنص في القرآن الكريم والصحاح من الأحاديث النبوية الشريفة .. وهم ثلاثة ((جبرائيل)) و ((ميكائيل)) و ((إسرافيل)) عليهم السلام. وقد أجمع العديد من فقهاء السلف على أن جبريل وميكائيل عليهما السلام هما بمثابة السفراء بين الله عز وجل وأنبيائه ورسله في الأرض. وهما وحدهما اللذان ورد إسمهما نصا في القرآن الكريم. أما إسرافيل عليه السلام فقد ورد إسمه نصاً على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد جرت الإشارة إلى ملائكة آخرون في الذكر الكريم ولكن دون ذكر أسمائهم . كما لم يرد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم (سلم لسانه) أسماء لملائكة غير الثلاثة المشار إليهم أعلاه .. أما الأسماء الأخرى فقد حصل عليها المسلمون لاحقا عبر الإسرائليات. ومنهم رضوان ، ومالك ، وعزرائيل عليهم السلام.
جبريل عليه السلام:
جبريل أو (جبرائيل) عليه السلام ، وبإجماع فقهاء السلف هو ((الروح)) المشار إليه في القرآن الكريم . وذلك من قوله عز وجل في الآية (4) من سورة القدر [تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ].
هيئته عليه السلام:
كان عليه السلام حسن الهيئة . وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يأنس به ويفرح . ويشتاق إليه إذا غاب وكذلك الصحابة والمسلمين من أهل المدينة المنورة. فقد كان يأتي أكثر مايأتي إلى المسجد النبوي على صورة الصحابي الوسيم الأنيق دحية الكلبي رضي الله عنه . وكان يأتي أحيانا على صورة أعرابي من البادية نظيف الثياب ليس عليه آثار السفر . وكان أكثر ما يأتي إلى المسجد النبوي وهو على صورته البشرية في شهر رمضان الكريم يتدارس قواعد التوحيد الأساسية ، ويراجع القرآن الكريم مرة واحدة كل عام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عدا السنة التي اختار الله فيها رسوله إلى جواره فقد راجع معه القرآن مرتين.
أما صورته على الهيئة الحقيقية التي رأه فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد كانت مرتين فقط وذلك بنص القرآن الكريم في سورة النجم عند قوله: [ولقد رءَاهُ نَزْلَةً أخرى] (13) [عند سدرة المنتهى] (14) .. و (نزلة أخرى) تدل على أن هناك سابقة لها.
وكان الآية رقم (23) من سورة التكوير قد تطرقت إلى المشاهدة الأولى بالقول [ولقد رءاه بالأفق المبين]. وكذلك قوله في سورة النجم (آية 7) [وهو بالأفق الأعلى]
إذن كانت المشاهدة الأولى خلال بداية البعثة بمنطقة (الأبطح) بمكة المكرمة. وجبريل عليه السلام هابط من السماء إلى الأرض قد سد حجمه الأفق وله ستمائة جناح . وخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم لأول مرة بعد نزول الوحي بقوله : يا رسول الله.
أما الأفق في اللغة فهو مشرق الشمس وقيل مطلعها.
ثم شاهده مرة أخرى في المعراج عند سدرة المنتهى على الوجه الأكمل الأجمل الذي خلقه الله عليه . فقد روى الإمام أحمد عن إبن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتشر من ريشه التهاويل الدر والياقوت].
وهو المُقَرّب لدى الله:
ورد في سورة التكوير عن سيدنا جبريل عليه السلام . قوله:[إنه لقول رسول كريم (19) ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21)].
ولأجل ذلك ذهب الفقهاء إلى أن جبريل ملاك رسول مكرم لتبليغ رسالة الله إلى الأنبياء والرسل في الأرض.
وذكر أن أحبار اليهود في المدينة المنورة بعدما أعجزهم بالعلم الواسع. وأقام عليهم الحجة الدامغة . وفضح مراوغتهم ونكوصهم عن اتباع الحق رغم قناعتهم بصدقه ، سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن إسم الملك الذي يتنزل عليه فأجابهم أنه جبريل. فقالوا : لاحاجة لنا في جبريل فهو عدونا الذي كان يأتينا بالعذاب . ونحن نحب مبكائيل لأنه يأتينا بالخيرات والغبث والرحمة والنبات. فلو كان يتنزل عليك ميكائيل لأتبعناك. فأنزل الله عز وجل قوله: [من كان عدوا لله ولملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدو للكافرين] (198) – البقرة.
وهو القوي الأمين:
جبريل عليه السلام هو المقصود في قوله عز وجل من سورة النجم [عَلّمَهُ شديدُ القُوَىَ (5) ذُو مِرَّةٍٍ فاسْـتَوَى (6) ]
و [ عَلّمَهُ ] في الآية (5) إخبار بأن جبريل عليه السلام حمل علم الله إلى محمد عليه الصلاة والسلام ومن ثم فما ضل محمد ولا غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
هذه جزئية.
أما [شَديدُ القُوَىَ] فهو كناية عن جبريل وكذلك [ذُو مِرّةٍ] أي ذو قوة شديدة .. وقال إبن عباس رضي الله عنهما ذو منظر حسن .. وقال قتادة : ذو خلق طويل حسن وأن [عَلّمَهُ] قصد بها الإخبار عن علم الرسول صلى الله عليه وسلم ...... وربما قصد به العلم الذي حُشِيَ به صدره عليه الصلاة والسلام أثناء جلوسه داخل الحرم المكي الشريف توطئة لرحلة الإسراء والمعراج.
على أية حال فإن من دلائل قوة جبريل عليه السلام أنه اقتلع من على وجه الأرض وبجناح واحد من أجنحته الستمائة .. اقتلع مدائن قوم لوط وعددها سبعة مدائن وتعدادهم 400,000 نسمة (أربعمائة ألف نسمة) ، ومعهم بيوتهم وقصورهم وأسواقهم وبهائمهم ووحوشهم وأراضيهم وجبالهم .. إلخ . ثم رفع كل ذلك على طرف جناحه حتى بلغ بهم عنان السماء. وحتى سمعت الملائكة نباح الكلاب وصياح الديكة ، ثم قلبها رأسا على عقب فجعل عاليها سافلها .... قال السلف ؛ فهذا هو [شديد القُوَىَ] عليه السلام.
وقيل أن مكان هذه القرى الآن هو البحر الميت التي لا توجد به أية مظاهر حياة . ويحاول اليهود في إسرائيل تغيير هذا النمط وتحويله إلى بحيرة حية ، عبر ما يعرف بمشروع قناة (البحرين) التي ستربطه بالبحر الأحمر . وحيث ترى السلطات الأردنية أن هذه القناة ستساهم في رفع منسوب مياه البحر الميت التي تتناقص بشكل سريع.... وعلى كل ؛ فإنه لو كان مكان هذه القرى هو البحر الميت . فلاشك أنها مقبورة تحت مياه هذا البحر لأن المتفق عليه هو أن أرض قرى سدوم (قرى بمعنى مُدُنْ) قد قلبت رأسا على عقب.
ولا جدال في أن جبريل عليه السلام لا يزال يتنزل إلى الأرض مرة واحدة كل عام في ليلة القدر العظيمة ، لقوله عز وجل في سورة القدر: [ليلة القدر خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر (5)]. فهو (الروح) المشار إليه هنا. وليلة القدر يمكن التعرف عليها بسهولة إذ يتغير فيها لون الشمس وأشعتها منذ الصباح الباكر فتكون أكثر ميلا للبياض وقلة الحرارة وينتشر السحاب ويملأ الأرض نسيم عليل حتى في عز الصيف وينشرح قلب المسلم المؤمن ويزداد صياح الديكة بشكل ملحوظ في القرى أو أطراف المدن.... أو هي في مجملها كما قال الله عز وجل وهو عز من قائل : [سلام هي حتى مطلع الفجر].
وكان البسطاء ولا يزالون ، يعتقدون أن ليلة القدر هي ليلة إذا دعا فيها الإنسان تستجاب دعواه فورا ومن وقتها .. ولذلك ترى دائما ما يصفون أحدهم وقد بانت عليه آثار الثراء الفاحش فجأة (حتماً من سرقة المال العام أو الإتجار الحرام) يصفونه بقولهم عنه : الزول دا جاتوا ليلة القدر ولا شنو؟؟
ولكن المقصود من الآية رقم (3) من سورة القدر . أن أجر عبادة الله والقيام والعمل الصالح في ليلة القدر ، أكثر أجرا مما يكتسبه مؤمن ظل يعبد ربه 1000 شهر (83 سنة تقريبا) .
...... والله أعلم.
[يتبع الحلقة (3)] عن الملائكة أيضا
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة