|
ترشيح "سلفا كير" للانتخابات الرئاسية... قيد نظر!!
الاستاذ/ يوهانس موسى فوك
انعقد المؤتمر العام الاول للحركة الشعبية عام 1994، فى ظل ظروف سياسية قاهرة، فقد انشقت عنها للتو قيادات تاريخية ابرزهم حينه نائب رئيس الحركة الكمندر كاربينو كوانين بول، والكمندر د. رياك مشار تينج، والكمندر د. لام اكول اجاوين، والكمندر اروك طون اروك وغيرهم، مطالبين وقتها بالاصلاحات داخل الحركة الشعبية، وتحسين وضع حقوق الانسان. اما المتاعب الاخرى: تكثيف الحكومة السودانية لعملياتها العسكرية ضد الجيش الشعبى مستغلاً الخلافات السياسية التى ضربت بعرض الحائط وحدتها.
لذلك المؤتمر الاخير للحركة انعقد والحركة الشعبية فى انعش ايامها، تتطلع فى الوقت نفسه الى تحقيق الديمقراطية من الداخل، قبل ان تعلن صحيتها المدوية للتغيير، ومما لا يخفيه المرء: الشفافية التى صاحبت جلسات المؤتمر، حيث كان من الممكن ان تتشرزم الحركة الشعبية الى فصائل متحاربة لولا بصيرة قادتها، وقد غمرنى شعور عارم بالرضى لحظة خطاب الفريق اول سلفا كير ميارديت رئيس الحركة، بعد انتخابه مباشرةً، وعلمت من بين ما علمتُ اننا على الاقل حققنا انجازاً فريدا، لقد جعلتنى النتائج استدرك القوة الحقيقية للحركة الشعبية، وقدرتها الفائقة على تجاوز المحن والتحديات بجدارة وامتياز.
لكل حزب فى العالم تياراته الداخليه، ومهما يختلف طريقه الضغط ومحاولات السيطرة على مضابط الاجندات، فان الامر فى النهاية لا يمس باية حال من الاحوال الوحدة الداخلية للحزب الواحد. وما حدث فى جوبا اثناء المؤتمر العام للحركة الشعبية، كانت حيلة شيطانية ان صح التسمية، انه اجراء شرير فعلا لكونها تركزت على اجندة خفيه هى: "الاطاحة برجلين عزيزين على الحركة وبشكل ادق ـ د رياك مشار ـ وفاقان اموم.
وبطبيعة الحال، كانت الحركة الشعبية حريصة فى الوقت ذاته على تحسين صورتها داخليا وخارجيا، لذلك تم استدراك الوضع. وما يجدر فكرى الضعيف تحليله هو المشادات والتراشقات الاعلامية التى تصاحب ترشيح الفريق اول سلفاكير ميارديت لاسيما بعد الاجتماعات الاخير للمكتب السياسي للحركة الشعبية بجوبا وما تمخض عنه من قرارات وتوصيات.
اولاً: لى بعض التؤجسات حول مكان الاجتماع نفسه، فبعد ان عقد المؤتمر العام الثانى فى جوبا، وتاكيدا لرؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان التى تدعو لبناء السودان الجديد على انقاض السودان الحالى، كان يجب ان تعقد اجتماعات المكتب السياسي إما فى جبال النوبة او النيل الازرق او فى العاصمة الخرطوم التى تمثل رئاسة الحركة نفسها بدلاً من جوبا.
ثانياً: الاجتماع تطرق الى جملة من القضايا الهامة ولم تحسم منها سوا بعض المواضيع التى لا تثير ادنى اهتمام المواطن السودانى، ان لم يخوننى ذاكرتى فان الرئيس تحدث فى ولاية الوحدة عن عدم وجود نص فى دستور الحركة يؤكد ان الرئيس الذى تم انتخابه فى ولاية ما، سيكون فعلياً حاكم للولاية المعنية. ونسبة لان دستور الحركة الذى تحدث عنه سعادة الرئيس لم ينص كذلك ـ على ان رئيس الحركة فى كل ولاية سيكون الشخص المنتخب من قبل الشعب، اما حاكم الولاية سيكون شخص اخرـ لانه غامض نوعاً ما: تناول اجتماعات جوبا الامر ولكنهم فشلوا فى حسمه، تعرفون لماذا؟.... الاجابه نفسها على عدم حسم المكتب السياسي لتحديد المرشح للانتخابات الرئاسية... فى الواقع: اى تحديد للمرشح اتحدث عنه والمكتب السياسي منذ عام 2006 اكدت فى احد قراراته اختيار الفريق اول سلفاكير ميارديت كمرشح الحركة فى الانتخابات المقبلة عام2009 . بل القائد الفريق اول سلفاكير ميارديت نفسه قال فى مناسبات عدة انه ذعيم المهمشين.
ثالثاً: لنفترض ان المكتب السياسي لم يختار الفريق اول سلفاكير ميارديت للانتخابات الرئاسية، فى الاجتماع المقبل لتحديد مرشح الحركة الشعبية، هل سنشهد تنافسات داخل القيادات لتحديد بديلا له؟... و فى حالة رفض ميارديت للتنافس فى الرئاسة هل سيقدم استقالته من رئاسة الحركة الشعبية؟ ام سيتبادل المواقع مع نائبه الاول د. رياك مشار ليتنافس الاخير على مقعد القصر الجمهورى؟... واذا قررت الحركة الشعبية عدم التنافس فى الانتخابات الرئاسية المقبلة واعتمادها للمشير عمر حسن احمد البشير كمرشحها للانتخابات الرئاسية المقبلة كما فعلت حركة اللجان الثورية السودانية، ما هو مصير جبال النوبة والنيل الازرق والشرق ودارفور وياسر عرمان ومنصور خالد ومالك عقار وعبدالعزيز ادم الحلو..... والقائمة طويلة؟؟؟.
لو نظرنا وتفحصنا حالنا وتمعنا فى الامر جيداً، لو جدنا اننا افضل حزب سياسي يحضى باحترام شعبى ودولى كبيرين، بل واكثر حظاً للفوز بمقعد القصر الجمهورى فى الانتخابات الرئاسية المقبلة، الحركة الشعبية اصبحت فى كل ارجاع السودان، وان مناصريها قادرون على احراز الاغلبية الساحقة فى اى مستوى من مستويات الحكم فى السودان... ولكن بعض الاحيان نستسلم للمقولة التاريخية لاحد رؤساء الولايات المتحدة الامريكية "ان قطيع من النعاج يقودهم اسد اشد واقوى من قطيع من الاسود تقودهم نعجة".
عاد موضوع الترشيح، وتحديد مرشح الحركة الشعبية لتحرير السودان لانتخابات 2009 الى صفحات الصحف بعد التصريح الذى ادلى به مدير مكتب رئيس حكومة جنوب السودان الرفيق مارتن مجوت، والذى اكد فيه ان المكتب السياسي للحركة الشعبية لم يحدد فى اجتماعه الاخير ترشيح الفريق اول سلفاكير ميارديت للرئاسة، ونفى ما تناقلته وسائل الاعلام عن تاكيد نائب الامين العام للحركة لقطاع الشمال الرفيق ياسر سعيد عرمان لترشيح المكتب لكير. وبعد هذا التصريح تحدث من الولايات المتحدة الامريكية الامين العام للحركة الشعبية فاقان اموم نافيا ما ذهب اليه مدير مكتب رئيس الحركة...وكذلك نائب رئيس الحركة مالك عقار الذى ايد ترشيح سلفاكير... وما يجعل تصريح مارتن مجوت اكثر تعبيرا عن الواقع هو انه جاء من شخص يمثل القائد سلفاكير شخصياًً، ولا يمكن ان يكون مجرد كلام عابر وهذا يؤكد شئين: اولا الفريق اول سلفاكير ميارديت غير راغب فى التنافس على الرئاسة فى الشمال. وثانيا ليس هناك تاييد من القيادات لهذه الرغبة الشخصية.
الانتخابات الرئاسية على مستوى حكومة جنوب السودان اصبح وربما على حسب اعتقادى المرتع الوحيد الذى يريد الفريق اول سلفاكير ميارديت التغوغل فيه، ويؤيده قى ذلك عدد مقدر من الانصاليين الجنوبيين. واذا ماتحقق هذه الفرضية سيكون الرئيس قد انحط الى مستوى لا يتوقعه اعضاء الحركة الشعبية باستثناء الانفصاليين منهم...وسيكون ذلك ضربا من ضروب السخرية.
فى الواقع، يعتقد الكثيرين ان الانتخابات فى الجنوب سيكون سهلاً لمرشح الحركة الشعبية من اكتساحها، واختلف معهم فى ذلك لاسباب:
اولاً: الناخب الجنوبى لا يصوت للحزب، وبرامج الحزب لوحده. بل يميل الى الشخصية الجازبة الذى يراع مصالحه، وفوز الحركة يتوقف على نوع المرشح الاخر الذى ينافسه، وكارزميته...واذا ما رشح الاحزاب الجنوبية شخصاً محبوب فى الساحة السياسية الجنوبية نسبة لنشاطاته الوطنية، فاننا فى الحركة قد نخسر الانتخابات فى الجنوب وفى بعض الولايات الجنوبية الاخرى.
على سبيل المثال وليس الحصر، ودعما لاعتقادى الشخصى ، ولاية الوحدة ، وشرق الاستوائية ، وعالى النيل وغرب بحر الغزال، والاستوائية الاوسطى، سيكون اصواتهم محل شك كبير نسبة لما عانوه من اهمال فى توصياتهم لحكومة جنوب السودان....فى ولاية الوحدة طالب مواطنيها باستبدال الحاكم تعبان دينق الذى تورط فى فساد مالى واضح...وتم تكوين لجنة للمحاسبة...والاكثر اثارة من ذلك هو سقوطه فى الانتخابات القاعدية للحزب... ولكن الرئيس تمسك به متحديا الشعب ... ومن طرائف بانتيو: عندما وصل الرئس صاحوا فى وجهه: مرحب مرحب سلفاكير وعندما لوح الرئيس اياديه لتحيتهم...اتطردوا فى الهتاف: سلفاكير شيل تعبان.
اما ولاية شرق الاستوائية، فقد قال لى احد اصدقائى من هناك ان الرئيس اقنعهم بعد مطالبتهم باقاله الحاكم فى الولاية بقوله: "هذا هو الحاكم الذى اخترته، انتظروا الانتخابات وانتخبوا حاكمكم"؟...وفى ولاية عالى النيل فان مشكلة رئيس المجلس التشريعى اصبح عقدة نفسية بالنسبة لاعضاء الحركة الشعبية هناك، فبعد ان اختاروا بديلا للرئيس السابق جاء الرئيس وبقرار عين بموجبه رجل اخر خلافاً للذى اختاره الاعضاء...اما فى ولاية غرب بحر الغزال فان الفريق شرطة ماك نفوش يواجه انتقادات بسبب اعتقاله لقيادات كبيرة فى الحركة الشعبية بالولاية بسبب الخلافات السياسية وهذه جرائم تاعود الانقاذ السابق ان يرتكبها ايام الحرب، وان المواطنين فى الولاية طالبوا مرارا وتكرارا بتغييره، ولكن حصانة الرئيس ابقاءه فى موقعه.....وفى الاستوائية الاوسطى الامر ليس له علاقة بحاكمهم، فمواطنى هذه الولاية يطالبون الرئيس بحسم مسائل متعلقة باراضيهم التى نهبت من قبل اناس يعتقد انهم قيادات ذات مراكز مرموقه فى الجيش الشعبى لتحرير السودان وحتى الان لم يتخذ سعادة الرئيس القرارات الحاسمة حولها.
اما على المستوى العليا للحركة الشعبية فهناك قرارات مرجؤه من الرئيس لم يحسم امره بعد، فوزارة مجلس الوزراء فى الخرطوم اصبحت شبه شاغرة لان بقاء الرفيق فاقان اموم على راسها يعتبر خرقا لدستور الحركة الذى اعفى الامين العام للحركة الشعبية من جميع المسؤوليات الخارجية بما فيها الحقيبة الوزارية. كما هو الحال مع وزارة شئون الجيش الشعبى التى اصبحت شاغرة بعد مصرع وزيرها الرفيق الفريق دومنك ديم دينق اثر سقوط طائرته غرب مدينة رومبيك فى ابريل الماضى.
كل هذه ان لم نرى شيئا مغاير لما سلفنا استعراضه فى السته اشهر المقبله، سيكون فوز المرشح فى الرئاسة على مستوى حكومة جنوب السودان من الحركة الشعبية سوا كان هذا القائد هو الفريق اول سلفاكير ميارديت او نائبه رياك مشار، امر صعب المنال. وحتى ذلك الحين يرتبط نجاح قياداتنا فى الحركة الشعبية بالتخلص من "عقلية المؤامرة" واستبداله بـ"ثقافة التغيير" والتسامح التى بداه الرئيس السابق والقائد الملهم رحمه الله الدكتور جون قرنق دى مبيور فى رومبيك عام 2005.
|