تحليل سياسي
شيلا...أزمة قيادة ونهاية جيل الاستقلال
أبوذر على الأمين ياسين
أخطر ما كشفته أزمة أوكامبو هو أزمة القيادة والتنظيم التي تضرب البلاد بطولها وعرضها!؟، وهذا جانب مسكوت عنه في التعاطي السياسي عموماً بسبب المعناة السياسية التي خلقها المؤتمر الوطني تحديداً والتي جعل منها المناخ الذي يقتات منه لترسيخ وجوده السياسي ودعم انفراده وتفرده بضرب القوى الاخري دونما مراعاة لخطورة ذلك حتى على المؤتمر الوطني ذاته. وتأتي مناسبة انضام فتح الرحمن ابراهيم شيلا ولفيف من قيادات الحزب الاتحادي ضمن هذا الاطار، وفي سياق يرسخ أن المؤتمر الوطني لا يري على الساحة السياسية السودانية ورغم تاريخها الطويل إلا المؤتمر الوطني وما عداه نكرة لا يحق له الوجود، وأن مساحات التعامل مع الآخر لا تتجاوز ضمه إلى المؤتمر الوطني أو كسبه لصالح خطه ولو عبر اتفاق معلن وذو بنود تجاري تحديات الواقع لكنها تكتب فقط لأجل المظهر الاعلامي ويكون الاتفاق محدود بالاشخاص المستفدين منه مباشرة وليس بما يمثلون.
قاد نهج المؤتمر الوطني هذا تجاه القوى السياسية الاخرى إلى ترهل المؤتمر الوطني لدرجة أن حدود ومظاهر الفرق بينه والحزب الاتحادي الديمقراطي تكاد تكون معدومة!؟، وأن السلطة وامكانات الدولة فقط هي التي تخفي تلك الملامح وذاك التطابق بينهما. وأن أمتلاء المؤتمر الوطني بالخارجين عن الاحزاب والقوي السياسية الاخرى بلغ حداً من الإمتلاء لدرجة اعاقة المؤتمر الوطني نفسه. ذلك أن هذه المجموعات المنضمة للمؤتمر الوطني إنما تنضم وفقاً لثمن وترتيبات تكون حتماً خصماً على من هم مؤتمر وطني قدامي أو قادمين، وتترتب عليها تكتلات متنافرة تمثل حقيقة الكيان الجامع أو الحزب العملاق، لكنها عند أو محك ستعاني ذات معاناة الحزب الاتحادي الذي فقد القيادة واصبح كل من فيه قائد. على الأقل ذلك ما كشفه طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الاخير، والذي جعل كل المعركة تنصرف وتتركز داخل المؤتمر الوطني، وأن القيادات فيه أكثر مما أظهرتها أزمة الاتحادي الديمقراطي لكنها ما تزال في مرحلة التفاعل وترغب لحظة الانفجار.
ورغم خطورة الأزمة التي مثلتها مطالبة مدعي المحكمة الجنائية الدولية أوكامبو الاخيرة، إلا أن المؤتمر الوطني ما يزال يرى أن جمع وتوحيد الصف الوطني إنما هو الانضمام للمؤتمر الوطني، وأن ما عدا ذلك محض هراء لا صدق فيه ولا تعويل عليه. والذي يؤكد ذلك أن إنضمام شيلا و 78 قيادياً كان أهم وأولى من مبادرة الميرغني للتراضي الوطني التي تسعي للتقارب مع المؤتمر الوطني تحديداً. وكأنما الاشارة هنا والرسالة أن الإنضمام المعلن للمؤتمر الوطني هو الحق وما عداه باطل لا يستحق الركون إليه أو انتظاره خاصة اذا كان انضمام شيلا والقيادات ال 78 ما هو إلا تمهيد لإنظام 470 قيادي بما لا يبقي للحزب الاتحادي قيمة كحزب صاحب مبادرة أو وجود على الخارطة السياسية فقد انفض بمن فيه ليدخل جبة الحزب العملاق ويصبح جزءاً اصيلاً من الكيان الجامع وربما الحركة الاسلامية.
لكن السؤال ما الذي يدفع قيادي مثل شيلا الذي عاش أوضاع الحزب المترهل الذي تتجاذبة الصراعات وتتعدد به القيادات والكيانات، لينضم إلى حزب على ذات الشاكلة!؟. ففي بيان انسلاخه عن الحزب الاتحادي الديمقراطي أوضح شيلا أن الأسباب التي دفعته للتخلي عن الحزب الاتحادي رغم تاريخه الطويل كقيادي أساسي فيه هي: التوهان السياسي، وأنعدام العمل الجماعي المؤسسي، وغياب ممارسة الديمقراطية، وعجز الحزب وانقسامه تجاه الازمات الطاحنة التي تواجه البلاد. وهذه أسباب قوية لقيادي خبير بالسياسية خاصة في بلد مثل السودان. ولكن اذا كان ذلك كذلك ما الذي دفع شيلا للإنظام للمؤتمر الوطني؟، وهل المؤتمر الوطني به عمل جماعي أو مؤسسي، أم هو حزب ديمقراطي جاذب من فرض حضور وتمثل الديمقراطية داخله وبينه وبين القوى السياسية الاخرى؟، وهل كان المؤتمر الوطني يوماً في قامة التحديات التي تواجه البلاد؟، وما هو التوهان السياسي بالنسبة لشيلا؟، هل هو إفراغ المرارات الشخصية ضد الاخرين أياً كانوا ضمن الاتحادي الديمقراطي؟، أم هي تحصيل مكاسب في الزمن بدل الضائع وانتظار الظروف لتهيئة الاوضاع للعودة بعد زوال المؤتمر والوطني وعودة الصواب لزعامة الحزب تجاه شخصه؟.
لقد عزى على السيد وآخرين انسلاخ شيلا لمررات شخصية، قد يكون ذلك صحيحاً أو محض تقدير شخصي لكل منهم. ولكن مهما تكن دوافع شيلا فإنها حتماً تسقط بإنظامه للمؤتمر الوطني. والمهم عندنا هو كيف كان ينظر شيلا للمؤتمر الوطني؟!، في افادات له بالغة الدقة يقول شيلا في حوار له باصحيفة أخبار اليوم بتاريخ 2-3-1429 هـ "* سيد شيلا انخفاض صوتكم المعارض وانزوائكم خلف الكواليس اعطى انطباعا للعديدين بان المؤتمر الوطني قد احتواكم وبعتم القضية بثمن بخس؟". ويرد شيلا قائلاً: "الحزب الاحادي من الصعب احتواؤه لان جماهيره عريضة واحتواؤه امر غير ممكن حقيقة هناك ململة داخل الحزب الاتحادي حول ما يشاع عن علاقته بالمؤتمر الوطني ولكن ما انا متأكد منه ان الشارع الاتحادي لا يقبل اي نوع من التعامل مع المؤتمر الوطني وهذا نتج من سياسة الانقاذ في السنين العشرة الاولى ومعاناته والاضرار التي لحقت بالشعب السوداني من الفصل والتشريد واستئثار ابناء المؤتمر الوطني بمقاعد الخريجين من ابناء الشعب السوداني لذلك من الصعب تطبيع العلاقات مع جماهير الحزب الاتحادي مما يجعل التحالف مع المؤتمر الوطني امراً عسيراً".
هذا الموقف الذي عبر عنه شيلا في حواره ذاك على صفحات صحيفة أخبار اليوم تفضحه بل تكذبه خطوة انضامه للمؤتمر الوطني خاصة وأنه لم ينضم وحده بل معه نيف وسبعين قيادي هم وفد المقدمة ل 470 آخرين، وعليه إما أن يكون شيلا لا علم له ولا علاقة حقيقة أو معرفة بجماهير الحزب الاتحادي، أو أن الازمة التي عاشها ضمن الأتحادي هزمته فإصبح لا يهتم لا بالمؤسسية ولا بالعمل الجماعي، ولا تمثل الديمقراطية عنده إلا (كرفته) يتزين بها أمام الاعلام ويحسن مظهره. ذلك أن المؤتمر الوطني لم تعرف عنه لا المؤسسية ولا العمل الجماعي وهذا ظاهر ومفضوح، أما ديمقراطية الوطني هذه فيكفي شاهدات شيلا نفسه حولها. وعليه هل أصبح الانسلاخ عن الحزب وتكوين حزب آخر أو الانضمام لحزب قائم أداة من أدوات الصراع السياسي بين القيادات ذات التاريخ الطويل ضمن احزابها؟.
الاجابة على هذا السؤال تثير مزيداً من الحيرة في شأن شيلا تحديداً. ذلك أن افادات شيلا نفسه في ذات اللقاء السابق مع صحيفة أخبار اليوم تحكم على كل من ينضم للمؤتمر الوطني بأنه إنما يفعل ذلك بصفته الشخصية وأن جماهير الحزب على درجة من الوعي لايسمح باستدراجها، وقال أن على الناس أن لا يفرحوا بالذهاب للمؤتمر الوطني وجاء حدثيه كما يلي: " انا لست راض بوضع الحزب الاتحادي الديمقراطي الان واحس بكمية من القلق والاشفاق على مستقبل الحزب وقد كتبت سلسلة من المقالات ووضعت جملة من المقترحات لمعالجة ازمة الحزب والانشقاقات الداخلية واعضاء المؤتمر الوطني لو جرونا اليهم كقيادات لا يمكن ان يجرو ا الجماهير فهي واعية ووارثة للمجد و التجرد واقول لهم نحن في حوارنا نريد العلاقة مع الجماهير وليس مع القيادات وهذا ما قلته للمؤتمر الوطني مثنى وثلاث ورباع وقلت الناس لا يفرحوا بالذهاب الى المؤتمر لانهم سوف يعودون كما فعل مجذوب طلحة وقد اثبتت في التجربة اننا رحبنا بكل من عاد الينا واي شخص يذهب سوف يذهب لوحده لعلمي بان الجماهير الاتحادية قوية ولا تنقاد." ولكن هل بعد هذا الحديث والموقف تتوقع أن يضم شيلا ونيف وسبعين قيادي للمؤتمر الوطني وهو ذاته شيلا الذي قال في اللقاء السابق: " الاتحادي الديمقراطي جماهيراً موجود في الساحة بقوة متماسكة ثابتة وملتزمة مما يجعل اي شخص يذهب الى المؤتمر الوطني يذهب بمفرده دون جماهيره وهذا ما يقلل فرص الانضمام للمؤتمر الوطني"، وهل إنضمام هؤلاء الذين جاءوا للمؤتمر الوطني بصحبة شيلا انظمام فردي خاصة اذا علمنا أنهم افادوا بأن القادمين للإنضمام للمؤتمر الوطني من الحزب الاتحادي 470 قيادي!؟،وهل هذا تقليل من فرص الانظام للمؤتمر الوطني؟!، وهل هذا موقف قيادي ينظر للمؤتمر الوطني هذه النظرة التي جاءت على لسان شيلا كما يلي: " اخيراً اقول لكي ان موقفنا من المؤتمر الوطني واضح جداً وهو حزب سياسي موجود في الساحة رغم حداثة تجربته وخبرته ويعتمد على امكانيات السلطة والثروة وجهاز اعلامي للدولة مقتدر تتبع له كثير من وسائل الاعلام في الدولة وما ينعكس في هذه الاجهزة غير دقيق والمؤتمر الوطني من حقه ان يسعى لتعزيز موقفه ولكن حزب عريض كالحزب الاتحادي من الصعب احتواؤه لان جماهيره عريضة واحتواؤها امر غير ممكن لكن وجود خلافات كثيرة يعتبر نتيجة لعدم وجود تنظيم فاعل منتخب يضع حدا لحزب يعتمد في سياسته على ثيقة التراضي وليس الانتخاب." اللقاء السابق.
إن انظام شيلا يحتاج إلى تفسير من خارج سياق مواقفه المعلنة!، فهل لذلك علاقة بما صاحب افتتاح دار الحزب بإمدرمان؟. فقد أوردت (الصحافة) الخبر التالي وقتها: "في تطور مفاجئ ، الغي رئيس الحزب الاتحادي محمد عثمان الميرغني الخطاب السياسي للحزب في الداخل ، بعد ان تم الترتيب لاذاعته عشية امس بافتتاح دار الحزب في امدرمان ، واثار القرار ردود افعال غاضبة، دفعت بنائب الامين العام فتحي شيلا الي اغلاق هاتفه النقال ، ومغادرة الخرطوم ،فيما اتهمت مصادر موثوقة بالحزب قيادات معروفة بتسريب فقرات من الخطاب تنتقد المؤتمر الوطني بحدة الي الميرغني، الذي عاجل بعدها باصدار توجيهات حرم بموجبها شيلا من الحديث في الندوة"، وعليه هل موقف شيلا ما هو إلا رد على زعيم الحزب محمد عثمان، وافشال لخططه ومبادراته الاخيرة بسحب الحزب كله أو جله وضمه للمؤتمر الوطني؟. خصوصاً وأن هناك جملة اشارات كانت تشير إلى أن شيلا ذاهب للمؤتمر الوطني لا محالة وهو ما ورد في سؤال مباشر له ضمن حوار بصحيفة الرأي العام بتاريخ 22 يونيو 2008م فبماذا أجاب شيلا: " هناك من تكهن بأنك ستغادر الاتحادي الى المؤتمر الوطني او الحركة الشعبية؟ - انا لم اخرج من الاتحادي، ولكني اخترت طريقاً ثالثاً واعتذرت عن مواصلة نشاطي لمبررات سقتها. هل هناك اتصالات معك من جانب المؤتمر الوطني او الحركة الشعبية؟ ضحك واجاب:- اسأل العنبة الرامية في بيتنا." لكن العنبة لم ترمي بأي بيت فالرمي كله كان وسيُتبع ببيت المؤتمر الوطني.
ورغم كل الدهشة والغرابة التي تظلل المشهد والمواقف السياسية عامة، إلا أننا في الحقيقة نعاني من غياب القيادات الحقيقية الفاعلة والمبادرة، ومن غياب القوى السياسية ذات التمثيل الجماهيري الحقيقي، وأن كل الذي يجري إنما أبطاله قيادات أكل عليها الدهر وشرب وظلت تنشط في المجال السياسي منذ الاستقلال، دون أن تواجه تحديات أو حتى تقود هي مشاريع ذات طابع وبعد قومي على أي مستوى كان. والآن يبدو أننا بلغنا مرحلة التغيير الشامل الذي لا يقف عند حدود تغيير القيادات بل يتجاوز ذلك لتغيير الكيانات التمثيلية ذاتها. وهذا بقديري هو أس الأزمة التي تستشعرها تلك القيادات، بل هو سبب (اندلاقتها) نحو السلطة إرضاء للتطلعات وطموحات طال بها الزمن ولم يعد مجال لتحقيقها وقد بلغت الاوضاع والامور مرحلة التغيير الشامل، بل المطلوب استدارك بعضها ولو على حساب المواقف والاقوال. وشيلا ليس استثناء فقد شبع سياسية وقيادة لكنه لم يبلغ مراده يوماً، كما أن الزمن والعمر لا يسعفه في انتظار أجيال أكثر ادراكاً لأبعاد الأزمة السياسية وأكثر تحديداً لأولوياتها، فالزمن القادم لا مجال فيه إلا للجديد، وعليه لا بأس بإستدراك القليل ولو بالإنظام للمؤتمر الوطني حتى في زمن الادانة الداخلية والدولية.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة