د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
درس في السياسة
باكستان من اكثر بلدان العالم تعقيدا ، يتعايش فيها الحديث مع البدائي و العلماني مع المتدين و في جزء منهم لا يتعايشون و انما يتقاتلون بضراوة. موقع ذلك البلد استراتيجي لحد كبير و يقع في منطقة من اسخن مناطق العالم و تشير كل الدلائل الي ان تلك المنطقة ستشهد المزيد من السخونة و التوتر. في بلد يشهد العديد من المتناقضات و تحيط به مجموعة من الاضاد مثل الصين و الهند و ايران و لا يبتعد كثيرا عن روسيا و تركيا و اليابان ، في ذلك البلد جاء برويز مشرف الي الحكم عبر انقلاب عسكري ضد حكومة منتخبة ديمقراطيا و مع الاخذ و الشد اخذ يكتسب شرعية الامر الواقع الي ان وقعة واقعة 11 سبتمبر. بعد ذلك التاريخ تحول مشرف من سياسي مطارد الي حليف وثيق لامريكا في حربها " ضد الارهاب" و اصبح بذلك من المُطاردين لمن يسمون قادة للارهاب خاصة قادة القاعدة و الطالبان.
طيلة ايام ذروة تلك الحرب كانت الولايات المتحدة و الدول الغربية تشيد بمشرف و بصلابته في الحرب ضد الارهاب و كان الرجل يمارس عمله الرئاسي و العسكري بشكل اكثر من طبيعي و لم يعاني من حصار او ملاحقة من الغرب الي ان اصبحت الامور تتغير داخل الدول الغربية نفسها. بعد مرور اكثر من خمسة سنوات علي اجتياح العراق و غزوه و تدميره بارادة امريكية و تأييد بريطاني و تبعية لدول اخري و إذعان لغيرها و بعد سبعة سنوات من احتلال افغانستان و اسقاط طالبان و بعد سبع سنوات من هجمات سبتمبر تشكلت قاعدة معارضة قوية للحرب و للسلوك السياسي الامريكي و للحرب ضد الارهاب. تشكلت تلك القاعد المعارضة و اتسعت نتيجة لعدد من الاسباب منها توسع نطاق تلك الحرب لتشمل دول اخري مثل بريطانيا و اسبانيا و دول عديدة اخري كما ان التدخل في العراق و افغانستان لم يأتي بالنتائج الموعودة و زادت الازمات الاقتصادية و ارتفاع مستويات الاسعار من اسعار الطاقة حتي اسعار الغذاء الامور تعقيدا و جاءت ازمة الرهن العقاري الامريكية لتفاقم من الامر الي ان وصل العالم الي سنة الانتخابات الرئاسية الامريكية.
في ظل تلك الصورة العالمية ارتخت قبضة مشرف تحت ضربات مؤذية من جميع الاتجاهات مصحوبة بضغوط سياسية قوية من الداخل من مختلف المؤسسات الحديثة و التقليدية مع العديد من الاخطاء المرتكبة من قبل الجنرال و اكبرها قبوله بالتخلي عن بزته العسكرية و تسليم عصا القيادة الي جنرال اخر و كانت تلك قاصمة الظهر. اضطر مشرف للتنحي عن السلطة و لان السياسة لا تعرف الصداقة الدائمة فقد تنكر اصدقاء الامس لمشرف و اصبحوا " يتغابون فيه العرفه " ، الامريكان يقولون لن يعطوه لجوءا سياسيا و كذلك أصدقائه و اصدقاء اصدقائه في الوقت الذي رفض فيه القادة الجدد منحه الامان. لم يحظي مشرف بمصير مشابه لنموذج بينوشيه و لا بصديق مثل موغابي يحمي منقستو و لا خليفة مثل بوتين مع يلتسن و ترك مشرف في العراء تتقاذفه الانواء و من غير المعروف الي اين ستذهب به الرياح. انه درس بليغ في السياسة، ان الحماية الاساسية للحكام تأتي من قبل المحكومين ، من قبل الشعب و ويل لحكام لا يعتبرون و يسيئون لشعوبهم ، اذ لن تنفعهم قوتهم و سطوتهم و نفوذهم حتي لو كانوا مثل شاوسيسكو او صدام او خلافهم و كل ما يأملون فيه هو ان يتوفاهم الله و هم علي مقاعد الحكم.
Dr.Hassan.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة