دول فوق القانون وأخرى تحت أرجله
kamal.bilal@hotmail.com كمال الدين بلال / لاهاي
قامت الولايات المتحدة الأمريكية في بداية الشهر الجاري بتنفيذ حكم الإعدام في حق المواطن المكسيكي «خوسي مدلينا» وذلك بالرغم من قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي منع تنفيذ الحكم لحين صدور قرارها في الدعوى التي رفعتها أمامها المكسيك. وقد تم تنفيذ الحكم في المذكور عبر حقنه بمادة سامة بالرغم من مناشدة «بان كي مون» الأمين العام للأمم المتحدة للحكومة الأمريكية بالانصياع لقرار المحكمة الدولية.
ترجع تفاصيل القضية لعام 1993 حين أصدرت محكمة تكساس قراراً بإعدام «خوسي مدلينا» بعد إدانته بالقتل والاغتصاب، وقد ظل المدان في انتظار تنفيذ حكم الإعدام Deathrow منذ ذلك الوقت إلى مارس 2003 حيث قامت المكسيك برفع دعوى ضد الولايات المتحدة الأمريكية أمام محكمة العدل الدولية بشأن 51 مواطن مكسيكي (من ضمنهم المذكور) في السجون الأمريكية محكوم عليهم بالإعدام في قضايا مختلفة. وقد استندت المكسيك في دعواها على فشل السلطات الأمريكية في الالتزام بالمادة 36 من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، والتي توجب على السلطات المختصة في الدولة المُضِيفة إخطار البعثة القنصلية للدولة المُوفِدة بدون تأخير في حالة القبض على أحد رعايا تلك الدولة أو وضعه في السجن أو الاعتقال في انتظار محاكمته، كما توجب على سلطات الدولة المُضِيفة إبلاغ الشخص المعني بحقوقه الواردة في المادة. والجدير بالذكر أن المكسيك ترى أن تدخلها في مرحلة مبكرة كان من شأنه أن يغير مسار القضايا عبر توكيل محامين أفضل من المحامين الأمريكيين الذين عينتهم المحاكم الأمريكية للدفاع عن المتهمين، خاصة وأن أولئك المحامون لم يلفتوا نظر المتهمين إلى حقوقهم بموجب اتفاقية فينا.
صدر حكم محكمة العدل الدولية في مارس 2004 وقضى بأن السلطات الأمريكية قد أخلت بالتزامها الدولي الوارد في المادة المذكورة مما ترتب عليه حرمان قنصل المكسيك من مقابلة المتهمين وتقديم المساعدة القانونية لهم، وأمرت المحكمة السلطات الأمريكية بإعادة المحاكمات ومراجعة قرارات الإدانة وأحكام الإعدام في حق المتهمين. كنتيجة طبيعية لهذا القرار تقدم المتهمون المكسيكيون بعدة طعون إلى المحاكم الأمريكية لمراجعة الأحكام وفقاً لقرار المحكمة الدولية، فما كان من المحاكم الأمريكية إلا ورفضتها جميعا بدعوى عدم إلزامية أحكام المحكمة الدولية للمحاكم الوطنية الأمريكية. وأعقب ذلك إعلان «ديك بيري» حاكم مقاطعة تكساس عن نيته إعدام «خوسي مدلينا» بتاريخ 5/8/2008 وشدد في تصريحات له على أن محكمة العدل الدولية لا تملك سلطة قضائية على مقاطعته. كرد فعل للمواقف الأمريكية المتعنتة قدمت المكسيك بتاريخ 5/6/2008 دعوى قضائية جديدة أمام محكمة العدل الدولية طلبت فيها من المحكمة تفسير الحكم لتحديد مدى إلزاميته للولايات المتحدة الأمريكية. قبلت المحكمة الدعوى شكلاً وأصدرت قراراً بتاريخ 16/7/2008 أمرت فيه السلطات الأمريكية بوقف تنفيذ حكم الإعدام في حق المذكور وأربعة آخرين إلى حين صدور حكمها في الدعوى الجديدة. في ظل ذلك تقدم «خوسي مدلينا» بطلب إلى المحكمة الأمريكية العليا لوقف تنفيذ الحكم في حقه بناءً على قرار محكمة العدل الدولية. وقد قامت المحكمة العليا الأمريكية برفض الطلب بدعوى سمو القانون الأمريكي على القانون الدولي وعدم إلزامية قرار محكمة العدل الدولية بالنسبة لها. وقد تم تنفيذ حكم الإعدام في حق «خوسي مدلينا» في اليوم المحدد.
أهمية هذه القضية تنبع من توقيتها ودلالاتها تجاه التزام الدول بالقانون الدولي واحترام مؤسسات الأمم المتحدة وتنفيذ قراراتها، فمن حيث الدلالة يمثل رفض الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذ حكم محكمة العدل الدولية التي تمثل الجهاز القضائي للأمم المتحدة صفعة قوية للقانون الدولي والأمم المتحدة، حيث أن جميع العناصر القانونية في القضية تم استيفائها، فالولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك دولتان موقعتان ومصادقتان على اتفاقية فيينا التي تحدد محكمة العدل الدولية كجهة لفض النزاعات بين الدول الأطراف حول تنفيذ أو تفسير بنود الاتفاقية، ويعتبر قرار محكمة العدل الدولية بموجب المادتين 59 و 60 من النظام الأساسي للمحكمة وأجب التنفيذ وملزم للطرفين ونهائي وغير قابل للاستئناف. أما بخصوص التوقيت فتأتي القضية في وقت ينشغل فيه المجتمع الدولي بالجدل حول مسألتين هامتين، الأولى تتعلق باتهام مجلس الأمن الدولي بإتباع معايير مزدوجة تجاه قضايا الدول، حيث لا يسعى لتنفيذ قرارات المحاكم الدولية في حالة ما إذا كانت الأحكام ضد بعض الدول كالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كما في قضية الجدار العازل، بينما يقوم بإصدار العقوبات المختلفة على بعض دول (قريحتي راحت). المسألة الثانية، تتعلق بعلاقة مجلس الأمن الدولي السياسي التركيبة بالمحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر مستقلة وغير تابعة للأمم المتحدة ومدى مشروعية إحالته لها ملف دارفور بالرغم من أن السودان دولة غير طرف في المحكمة ولم يقبل باختصاصها.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة