هل يَتَرَبّعُ تُورْ شَيـــنْ جديد
على عرش القصر الجمهوري؟؟
مصعب المشرّف
mosaab5@gmail.com
(الحلقة الأولى)
(وضع الشمالي في الحركة الشعبية)
جميل أن يعلن بعض أقطاب الحركة الشعبية ترشيح رئيسها سيلفاكير لخوض انتخابات الرئاسة السودانية المقبلة في مواجهة عمر البشير ..... فالترشيح من الناحية النظرية البحتة يجئ دليلا على أن هناك نوايا طيبة لدى هذه الحركة ، بالاستمرار ضمن إطار السودان الموحد ، بعد أن بدأت تجني ثمار سلام نيفاشا وأهمها اقتسام كعكة السلطة والثروة مع الشمال . رغم أنها وفي الجانب الآخر تنفرد وحدها بكعكة السلطة والثروة في الجنوب.
لكن ليس كل ما يصرح به السياسي ويعلنه هو عين الصدق . فالسياسي الصادق هو سياسي فاشل. والشعب الذي يصدق الساسة في كل ما يعلنوه وينطقوا به هم في حقيقة الأمر مغفلين ، وأقرب إلى القطيع منهم إلى البشر.
ولابد أن وراء الأكمة ما وراءها .. وربما كان هذا الترشيح جزء من صفقة خارطة طريق أبيي المسيرية الذي تنازل عنها المؤتمر الوطني لأجل خاطر ((العيون الزرقاء)) في الحرة الشعبية ، وعلى رأسهم المندوب السامي الأمريكي في جوبا ((روجر ونتر)).... والذي باتت شهيته بعد ((زنقة أوكامبو)) الملعوبة والمرسوة بدقة المحترفين. باتت شهية الكاو بوي المتأصلة فيه مفتوحة لالتهام كل أملاك العرب والمسلمين من حلفا شمالا إلى نمولي جنوبا .. بل ومثل جباة ضرائب التركية السابقة .. فقد أصبح مثل قوز الرملة لا ترويه حتى الطّرْفة في عز الخريف.
وإلى جانب اليانكي الأمريكي .. فلاشك أن هناك الكثير من شباب الشمال بات متحمسا إلى سيلفاكير . ظنا منه أن الحركة الشعبية أفضل حالا من المؤتمر الوطني وأكوازه ، أو هو كالمستجير من الرمضاء بالنار...
والسبب في ذلك معروف ومفهوم وتفسيره أنها مسألة نقسية . أو كما يقول المثل الإنجليزي :
((The other side of the fence always green))
.........
وفي حقيقة الأمر فإن المؤتمر الوطني بأكوازه وزجاجه وميلامينِهِ و بايْركْسِهِ .... وبالنسبة للشمال والوسط والشرق والغرب عامة ؛ هو ((جمرة الكراع واطياها )) . ولأجل ذلك يحسون بها وبحرها ... أما الحركة الشعبية فلا تزال بعيدة عنهم . ولم تطأها الكراع أو تحترق الجلود بجحيمها وسعيرها بعد . .... ولأجل ذلك يعتقد البعض من سذج العرب والشمال أنها جمرة هَبـّـوُد باردة لا تشوي الجلود ولا تحرق الكراعين.
لقد درج أهل الجنوب ممثلين في كافة الحركات العسكرية والسياسية الجنوبية ، على اتهام عرب الشمال بأنهم عنصريون . وأنهم لا يعطون فرصا لغيرهم من أبناء الجنوب وغير الجنوب في تولي الوظائف القيادية ...
كلام جميل ... ؛ ولكن ماذا يقول الجنوبيون عن أنفسهم وقد صار لهم حكم أنفسهم بأنفسهم في أرضهم ، وبينهم العديد من أبناء النوبة والنيل الأزرق والشمال والوسط ؟؟.. ماذا آل إليه مصير هؤلاء من الذين رهنوا لهم أنفسهم وقاتلوا إلى جانبهم ؟؟؟
فعلى سبيل المثال لا الحصر :
حـالـة عرمــان:
ياسر عرمان من أبناء الشمال أو الوسط ؛ ظل يخدم في الجنوبيين نصف عمره ولا يزال . يُلَمّعُ لهم وجوههم بالبوهية . وأحذيتهم بالورنيش على (كاونترات) القنوات الفضائية العربية !! فأي منصب قيادي تنفيذي جرى منحه أو تقليده له ؟؟
الإجابة النموذجية هي : Nothing
أقصى ما وصل إليه ياسر ؛ وبعد لأي وجهد وإغراق كل السفن مع الشمال .. وبعد أن أصبح عديل جون قرنق ، كان هو المترجم ((العربي)) الرسمي لتصريحات جون قرنق وقيادات الحركة الشعبية .....
ثم مات جون قرنق ، فخبأ نجم ياسر . وجاء بافان أموم النشيط يجمع لنفسه كل الحطب ، ويضع تحت إبطه كل الأوراق والدفاتر والإيصالات . فلحق بياسر عرمان الإهمال والتهميش . وها هو الآن بلا عمل في مكتبه يسلي وقته بشرب النيسكافيه الممزوج بالحليب ، وتقريض الرغيف الحار ...
ثم إذا بنا نفاجأ الآن به وقد أصبح مجرد مراسلة للسفارات الغربية في الخرطوم يستجدي الأموال للحركة وكأن نصيبها من النفط لا يكفي . بالإضافة إلى تنصيبه ومتحدثا رسميا بإسم الحركة أمام حاجات التسالي والمَرَِرُو ، وبائعات الشاي ، وستات الكسرة في الخرطوم .. ولابد أنه يغني لهم حاجه كولن كولن .. حاجه تعالي لي أشكي ليك حالي ..... وما شاء الله ما شاء الله.
ثم عندما تتعب قدميه من الحوامة وسط البراريد والكبابي والصاجات والمناقد . يذهب إلى سكان الأحياء الطرفية والعشوائية في ضواحي العاصمة . يخدرهم بما يريدون أن يسمعوه ويضحك عليهم .... ويبدو أن بافان أموم قد ضحك عليه وأوهمه بإمكانية ترشيحه لنفسه وسط هؤلاء في الانتخابات القادمة .. مما يدل على الشمالي لو كسر رقبته فلن يكون له في الجنوب مجال ولا مآل.
أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه سياسي في حياته هو حرق كل السفن وكل الأوراق . وكل البطاقات التي تتيح له الفرصة في تغيير مساراته ...
ومأساة ياسر عرمان أنه باع نفسه جملة وقطاعي للجنوبيين ... في حين أن الجنوبي لا يثق بشمالي عربي حتى لو كان ملكيا (عربي الأب من أم جنوبية) . أو كان صهرا لهم ، وجاء لهم بالملائكة قبيلا.
والمناصب والمعادلات لدى الجنوبي ليست بحسب الكفاءات . بقدر ما هي حسب الانتماء القبلي على عكس الواقع المعاش في الشمال ...... ومن ثم فلا نقول لياسر عرمان حين حاول إقناع فقراء العاصمة بأنهم مهمشين ويسكنون بيوت الطين .. لا نقول له :-
- وأين تسكن أنت حاليا ؟؟
- وأين يسكن السوبر فايزر الجديد بتاعك (بافان أموم) ؟؟ بل نقول له بكل هدوء :-
- أين أنت من المراكز القيادية التنفيذية الحقيقية في الحركة ؟؟؟
- أين أنت منها وقد تخليت لها عن بني جلدتك ، وبعت للجنوبي لحمك وشحمك وعظمك والأولى والآخرة .. وأفنيت في خدمتهم ونيل رضائهم نصف عمرك ؟؟؟؟
- ألا ترى أنك أصبحت أشهر من جرى تهميشه على أرض السودان؟؟؟
.......
ثم الحلو الذي لم يكن مصيره بأحلى من سابقه . فهو ليس سوى ((ماسك)) ملف دارفور ، المهمل من جانب الحركة . كما ليس هناك مدعاة لهذا الملف أصلا لدى الحركة الشعبية التي لم توفي بالتزاماتها تجاه حلفائها ممن سالت وسطهم الدماء في جبال النوبة والنيل الأزرق فما بالك بمسلمي دارفور وعربانهم ؟؟
الطريف أن الأخبار تترى بأن بافان أموم قابل ميناوي .. واجتمع مع عبد الواحد .. وهاتف خليل ... وقابل وفدا من تشاد .. وزار ليبيا .. وطار إلى واشنطون ... ولكننا لم نسمع في يوم من الأيام بالحلو في وسط هذه الأخبار رغم أنه وكما ذكرنا .... ودون أن ينكر ذلك ((مَـاسِكْ)) ملف دارفور .
...............
حـالة منصور خالد:
أما منصور خالد ؛ فهو وإن كان قد حافظ على ((لياقته)) خلال ركضه في مضمار الخلاف بين الحركة الشعبية والحكومة . فإنه وخلال ترَقِّيِهِ في مدارج السالكين، و تَـقَـلّبهِ بين الساجدين ما بين بلاط النميري ، وأكواخ قرنق ، وسراديب الإنقاذ ؛ كان ولا يزال التكنوقراطي المحنّك . فظل (على عكس ياسر عرمان وأمثاله) محافظا على تِكّةِ سِرْوَالِهِ دون مَسَاس .... وعلى نحو لم يدع أحداً يَحِلّهَا بسوء نية .. أو بَزْعُمُ تغيير عقدتها بحسن نية ...
ثم إنه حين أحس من الحركة الشعبية نكوصها إلى عنصرية الجنوبي الحقيقية ، برفضها تعيينه وزيرا للخارجية لا لشئ سوى لأنه شمالي (رغم عضويته للحركة الشعبية) .... أدرك ببصيرته أنه لن يصل مع الحركة إلى قمة مبتغاه ، ولو ضرب نفسه بوهية وإنقَلَبَ الهُوبَا . فقنع بأن يجد لنفسه منصبا هلاميا يمكنه من الجمع شرعا بين بَـعْلَيْنِ بعقد نكاح واحد ... فاصبح قاب قوسين أو أدنى من رئيس الشمال . ودون أن يرمي عليه الجنوبي يمين الطلاق .....
ولابد أنه طوال رحلته مع الجنوبي كان ولا يزال مقتنعا بصدق المثل القائل : العرجا لمراحا.
(يتبع الحلقة الثانية)
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة