أزددت طولاً يا قرنق
في الذكرى الثالثة لرحيل الدكتور جون قرنق
المحبوب عبد السلام المحبوب
كانت أحلام الدكتور جون قرنق بمساحة الوطن وهو يخطو مراحل عمره القصير مرحلة إثر مرحلة. بدى له السودان وهو يرقبه من موقعه البعيد في الولايات المتحدة الامريكية بلداً منكوباً بائساً تداول عليه الطغاة وحكمه القُصر وتحكم فيه المركز، رأس مشلول القدمين. وكانت أمريكيا السبعينات مستغرقة في مناخات الحرب الباردة مع صنوها اللدود الاتحاد السوفيتي ولكنها القوة الأعظم في العالم، اتاحت للدكتور قرنق –يومئذ- منهلاً عذباً من العلم ولكنها –كذلك- فتحت أمامه ابواب المقارنة العريضة بين أمة وأمة وبين وطن ووطن. وكما تصدم اليوم الناس هناك مظاهر الفاقة والبؤس والمجاعات والأوبئة والحروب الأهلية في جوارنا الافريقي وفي المأساة الأعظم الى القرب منا في دارفور، ويقيسونها إلى حياة يستقبل فيه الأجنة في مستشفيات رائعة العناية والدقة ويمدون أبصارهم وهم رضع في المروج الخضراء، وإذ اينعوا قليلاً يؤخذون إلى رياض اللعب والموسيقى ثم يدخلون المدرسة وهو آمنون مطمئنون واذا تخرجوا للحياة كسبوا من حر مالهم واذا لحقتهم العطالة أو المرض او العجز –لاقدر الله- أمنوا برعاية تُخجل رعاية أي واحد من لأمه وأبيه، وهم يتنافسون في الاقتصاد بحرية لكل حسب اجتهاده ووفق حظه، كما يتبادلون السلطة سلماً بغير عنف ولا تزوير عبر صناديق الاقتراع. أولئك الناس اذا رأوا المآسي والقتل والعنف ثاروا وانتفضوا وتحركو أفذاذاً ومنظمات يقدمون الغوث ولو ارتياداً للمخاطر في بلاد بعيدة لا يعرفونها ونحو ديار لم يزورها أجدادهم وقد تباعد ما بينهم وبين الحرب منذ منتصف القرن الماضي واختفت من حياتهم ظواهر البؤس الفاحش. لكن عقولاً بقطر الجمجمة تقاصرت أن تبلغ أهلها بالعون والاغاثة كلما رأوا ذلك العالم الحر النشط يتفاعل ويقتحم صاحوا: إنها الحرب على الاسلام. نعم لم يبلغ العالم بعد أفق العدالة الأتم ولكن الانسانية بفطرتها اليوم تقترب من قيم الدين وأم راسها الحرية وذروة سنامها كرامة الانسان وحصانته وحقوقه.
قضى الدكتور جون قرنق سنوات من شبابه الأول في الانيانيا الأولى التي كانت تقاتل ضد هيمنة المركز والذي تمسيه ادبيات السياسة إلى يومنا هذا بالشمال، فقد أهله وعيه المبكر بالظلم والعدالة أن يحمل السلام مع جمهرة واسعة من أهله عامة ونخب، فمنذ ذلك الزمان كان السودان رأساً مشلول القدمين، يحاكي إنسان (الفارابي) الهلامي المتخيل على صورة جسد ضخم طويل عريض اذا اشتكى منه عضو لا تكاد مراكز الاحساس في الدماغ تستشعر شكواه إلا بعد دهرٍ طويل وتصلها فاترة، فيجئ التجاوب بطيئاً فاتراً بعد أن تكون البلوى قد استشرت في سعيها الحثيث من الاطراف نحو مركز الجسد في القلب.
ورغم كر السنين وتداولها على السودان منذ أيام انيانيا الأولى وإلى حين وفاة الدكتور جون قرنق المباغتة قبل ثلاث اعوام حافظ السودان على بلواه في الجسد الفارابي المترهل، أو كما بادرني الصديق اللبناني رئيس تحرير صحيفة عربية كبيرة، بعد اشهر من الحادث المريع: لقد غيرت وفاة أو بالاحرى اغتيال رفيق الحريري لبنان وسوريا معاً ضرب لازب في يوم أو بعض يوم، ومضت التداعيات لمدى لا يعلمه إلا الله –سبحانه وتعالي-، ولكن وفاة الدكتور جون قرنق اثارتكم ليوم وبعض يوم ثم عادت الحياة سيرتها الأولى، ورغم أن اتفاقية نيفاشا من نصوصها النظرية الكثيفة بدت مؤهلة لتهز الجبال وتبدل الأحوال، ولكنها مرت عليكم كلفحة الهواء ما زادت خفقكم الآمن إلا ضربة أو ضربتين.
ولو كنت من الناس ذوي الحظ مثلي، أتاحت لك صروف الحياة أن تلتقي الدكتور قرنق دي مابيور عدة مرات، أو كنت من مراقب مسيرته دون تحيز أو تعصب أو افكار مسبقة، فإنك دون أدني ريب أو مغالطة ستشعر اليوم مقدار الفقد والخلل الذي أوقعه رحيله المفاجئ على مسار السياسة السودانية إلى اليوم، بل تاريخ وجغرافية السودان، فقد نقص الميزان نقصاً كبيراً من كفة الوحدة إلى اكف الانفصال.
كانت المرة الأولى حديثاً تلفونياً قصير ولكن في لحكة بالغة الأهمية عقب توقيع مذكرة التفاهم في 19 فبراير 2001م عبر أعضاء وفد الحركة (ياسر عرمان و فاقان اموم) حمل إلينا تهانئ الدكتور بما أنجزنا من عمل، قال أنه (يساعد في وحدة السودان)، كما تحدث إلينا إلى جوار الدكتور جون في نيروبي الدكتور منصور خالد الذي قال (إن مذكرة التفاهم ذات مضامين)، وهو المعني الذي فصله في كتابه الأخير (قصة بلدين – الحرب والسلام)، أن مذكرة التفاهم هي الوثيقة السودانية الوحيدة التي جعلت في بنودها فقرة كاملة تذكر المحاسبة السياسية والجنائية على كثرت ما تحدث السودانيون في الخارج عن المحاسبة عما مضى، وتحمسوا لذلك كلما تذكروا العقود التي مرت عليهم منذ الاستقلال.
المرة الثانية كانت لقاء وجهاً لوجه في العام 2003م قبل عامين من توقيع (إتفاقية السلام الشامل) ابان زيارة قصيرة للدكتور جون قرنق إلى لندن، استغرقت يوماً واحداً إلتقى فيها وزير الخارجية البريطاني (جاك استرو)، إلتقى قبله السيد مبارك الفاضل المهدي، ثم عقب لقاء الوزير كان لقائي الذي استغرق 45 دقيقة، ابستم بعده الدكتور وهو يودعني برفقة الأخ ياسر عرمان يخاطبنا معاً (اذهبوا إلى الميديا واتفقوا على ما تقولون) .. جسدت هذه العبارة تحديداً الودية التي التمستها في اللقاء الأول، إذ لم يكن لقاءً بين حزبين، وقد بدى واضحاً أن الدكتور أكبر بكثير من العقد والحواجز والبرتكولات، سأل باهتمام شديد عن أحوال الدكتور الترابي في المعتقل الذي تطاول منذ مذكرة التفاهم وعبر عن سعادته عندما علم أنه كتب كتاباً مهماً في (السياسة) من معتقله وأن المؤتمر الشعبي إحتفل بذلك الكتاب في لندن ثم علق (لدينا ما كيفي من التجارب لنتجاوز السجون والحروب نحو الحرية والسلام) .. كانت تلك الجملة عصارة تجربة الدكتور جون قرنق في رحلته من الغابة إلى الجبل، ومن الماركسية إلى السودانية ، ومن المقابلة والعداء مع الحركة الاسلامية إلى التفاهم واللقاء ضمن منظومة السودان الذي لابد لها من قبول بعض اعضاءها لبعضهم. وأخيراً حدثنا الدكتور عن اهتمام العالم بتحقيق السلام في السودان بعد النجاح المحدود لوقف النار وذلك صدىً لإجتماعه مع وزير الخارجية البريطاني، ثم فتح ابواب الحوار حول ضرورة الجهد السوداني والمساهمة السودانية في السير الحثيث نحو السلام مهما تكن الصعوبات والعوائق.
وفي صباح لندني صحوٍ جاءني عبر الهاتف صوت الدكتور شول دينق الذي أعرفه جيداً (محبوب دكتور جون يريد أن يتحدث إليك... وصل مساءً متأخيراً في طريقه إلى الولايات المتحدة نحن الآن في هيثرو ليلحق بطائرته).. كان سبب المحادثة واضحاً فقد اعتقل الدكتور حسن الترابي في الصباح الذي غادر فيه د.جون نيروبي إلى لندن وتلقى الأخبار عقب وصوله.. حدثته من هيجة الخرطوم الرسمية بما أعلن (مؤامرة تخريبية)، وأن الشيخ اقتيد إلى كوبر وأن السيناريوهات مفتوحة على جنهم كما تفعل حكومة المؤتمر الوطني دائماً.. طلب الدكتور جون نقل تأسفه إلى قيادة الحزب وإلى أسرة الدكتور الترابي، وأنه سيتصل بالسيدة وصال المهدي فور وصوله لأمريكا، سألته عن وعود السلام قال لي جملته المشهورة (نحاول أن نحملهم حملاً إلى شفير السلام) محوراً العبارة الانجليزية (To the brink of war) .. وكاشفاً عن خاصةٍ أخرى في شخصيته الفذة.. الدعابة وليس السخرية كما هو شأن كبار السياسيين والفلاسفة عبر التاريخ... السخرية مرارة عبرت عن نفسها بالابتسام –كما قرأة مرة لأحدهم-، ولكن الدعابة التي تدخل الطرافة والجدة على رتابة الحياة وكآبتها توشك أن تككون سمة للانسان المثقف –بمعني المشذب المهذب العميق- ذلك أن تنظر في وجوه الذين لا يعرفون الطرفة ولا يفهمونها وأن تعيد النظر في أي تقدير منك يمنحهم صفة المثقف.
المرة الرابعة والأخيرة كانت في لندن، كذلك في طريقه إلى أمريكا وقد تعلق السلام وتعثر بعد أن استفرغ الدكتور جون وسعه ليبلغ به الشفير، لأن زفير الحرب كان قد ارتفع مرة في كبويتا ومرة في قوقريال ومرة في توريت في مبارة غريبة بين القوات المسلحة والجيش الشعبي. زرته في مقره بفندق (الرويال فارد) بصحبة الدكتور على الحاج والدكتور الأمين محمد عثمان والسيدة وصال المهدي وسألناه جميعاً للسلام، إلتفت إلى وقال (ألا يقولون في الكمبيوتر Brwosing، نحن الآن نفعل نفس الشئ حتى ندرك السلام). ثم سأل السيدة وصال عن أحوال الشيخ الترابي في المعتقل، ووعد على الفور أنه لن يدخل الخرطوم وفيها معتقل سياسي واحد، وهو الوعد الذي أكده لمراسل (البي بي سي) الاستاذ عمر الطيب في نيروبي في أول مؤتمر صحفي بعد التوقيع بالأحرف الأولي على اتفاق السلام الشامل بعد سؤال مباشر عن السجين السياسي الأشهر.
تحققت أمنيتنا التي حدثتكم عنها في ذكري مذكرة التفاهم والتي عبر عنها الأخ ياسر عرمان عقب التوقيع، كان هنالك مفكر غربي تأسف لأن كارل ماركس وإلكس دي توكفل لم يلتقيا رغم انهما تعاصرا..، كنا نقول إذا لم يقابل الدكتور جون قرنق الدكتور الترابي فسيكون هذا أمراً مؤسفاً.. نعم تحققت الأمنية مرة واحدة وتبددت ومضتها القصيرة بعد اللقاء الأول ... نعم عاد الدكتور جون قرنق دي مابيور إلى عاصمة بلاده الخرطوم واستقبلته الملايين أملاً وزعيماً للمهمشين...، وفي أعقاب اللقاء الوحيد الذي ضم الرجلين وحقق الأمنية قال الدكتور جون لواحد من اقاربه الخلص: وددت لو أن حديث الدكتور الترابي سجل ووزع على كل مراكز ومحطات الجيش الشعبي والحركة الشعبية، ليكونوا جميعاً مع يغظة وحذر في تشابكات العلاقة الجديدة مع الشريك الجديد.
بغياب الدكتور جون قرنق –كذلك- أمتد الفراغ بمساحة الوطن – تمثله الحاجة الملحة لمفكر سياسي استراتيجي في مثل ظرفنا النفسي التاريخي، فالسياسيون بالعشرات بما يكفي ويزيد ولكن الاستراتيجي هو المعلة النادرة التي تستحق أن يحافظ عليها ويحزن لفقدانها، وأكثر من يكره الاستراتيجي يخشاه هو المرحلي المصلحي، التكتيكي السطحي ذو المخاتلة والحيل، لذلك فقد أمتدت قامة الكاريزما المزورة بالذكاء والخبرة والعلم وتقاصرت الظلال وازدادت بهوتاً حتى كأنها تتلاشى في مدي عشرين يوماً التي قضاها د.جون في القصر الرئاسي..ولأن الدكتور جون بكل هذه الكاريزما وكل هذا الفكر الاستراتيجي يبقى السؤال مشروعاً لماذا غاب بهذه السرعة وفي هذا الوقت بالذات، وهو سؤال تاريخي تعجز عنه لجان التحقيق ذات الجهد البشري المحدود.
بقي أن أقول أن عنوان المقال هو أسم قصيدة للشاعر المُجيد (عز الدين هلالي) ومن عناء الموسيقار الماجد (حمزة سليمان).
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة