" رأس " السودان في لاهاي !!
عمار فتح الرحمن
لم ينعم السودان كثيراً بإتفاقيات السلام المتعدده التي توالت عليه علي مدار الاعوام الاربعه الماضيه سواء في الجنوب او الغرب وكذا الشرق،ولايبدوا كذلك بانه موعود- قريبا- بأستقرار سياسي حقيقي،سيما في ظل التداعي المرتقب للأتفاقيات المختلفه،بعد أن أفرزت الضغوطات الدولية المستمرة علي السودان وضعا عبثيا يظن فيه البعض بأنه "سلام " لكنه لن يلبث أن ينهار ويتصدع بمجرد أصطدامه بأرض الواقع،وبالضغوط التي باتت تلاحق السودان خصوصا تلك المتعلقه بتقرير المدعي العام للمحكمه الجنائيه الدوليه لويس مورينو اوكامبو الذي اورد اسم رئيس الجمهوريه المشير عمر البشير ضمن لائحة المتهمين في تمرير الاباده الجماعيه وجرائم حرب غير تلك التي تتصل بجرائم ضد الانسانيه،والتي يقول اوكامبو بان البشير هو الذي حرض ودفع لحدوثها،الامر الذي خلق واقعا جديدا في المعادله السودانيه وكذا في المحيط الاقليمي والدولي،و- حتما – فان الامر لن يقتصر علي الرئيس البشير وحده وسيتعداه الي الازمه السودانيه علي أطلاقها ولعله سيتجاوز السودان الي المدي الابعد المرتبط بالسابقة نفسها،وامكانية تكرر ذات السيناريو مع زعماء اخرين في حال رضي العالم وقبل بمثل هذا العبث الذي تجاوز كل الحدود المقبوله،وسيربك الموقف الاخير كثير من الحسابات التي كانت قائمه وستصل اثاره الي مستقبل السلام في دارفور وغيرها من بقع الصراع باعتبار ان الحكومة السودانيه وقائدها البشير هي التي توصلت الي تلك الاتفاقيات،ومجرد اتهام راس الدولة سيخلع عباءة الشرعيه التي قامت عليها تلك الاتفاقيات،ومن طرف اخر فان الخرطوم ستكون اكثر تطرفا في مواقفها بعد ان نزع المجتمع الدولي قناع الحياد واعلن بوضوح موقفه الرافض لحكومة البشير،ومع كل ذلك سيكون امكانية تحقيق سلام عادل وشامل مؤجل هو الاخر لحين اشعار اخر،وبذلك يكون المدعي العام للجنائيه الدوليه - بعلم او بجهل – قد أضر بفرص السلام وانقاذ الابرياء هناك من المعاناة والالام التي يعانونها والتي لن تزول بقرارات المحكمة او حتي مثول السيد الرئيس امام اوكامبو .
لقد جاء إعلان المدعي العام ليفتح جبهة جديدة للمواجهة بين السودان والمجتمع الدولي يضاف إلى مواجهاتهم السابقة والتي حاولت الحكومة السودانية فيها الخروج من معاركها بانتصارات تقوي وضعها الداخلي،وتقودها خطوة الي الامام بحل المشاكل الداخليه في اقليم دارفور لسد الذرائع واغلاق الباب امام القوي الدولية الساعيه للايقاع بها،وتحريك الكرة المتدحرجه الي ملاعب اخري بعيد عن اراضيها وحاولت التعامل مع الخطوة بشكل قانوني من خلال رفضها لها ووصفها بغير الموفقه والمتعجله،مقلله من شرعية المحكمة وبانها ليست ذات صله او اختصاص بالاوضاع في السودان دافعه بحزمة من الاسباب والدوافع اهمها كذب الادعاء وعدم تصديق الحكومة السودانيه علي قرار تشكيل المحكمه وبالتي عدم اعترافها باجرءاتها بالرغم من ان القائمين علي امر المحكمة يؤكدون بان اختصاصاتهم واسعه وتصل حتي لتلك الدولة التي امتعنت عن الاعتراف بها،وان محركها ومحرضها للسير في هذا الطريق قرار من مجلس الامن الدولي التي طالبت المحكمة الجنائية بالعمل في الملف السوداني وهنا تحديدا مربط الفرس !! اذ ان الاعلان الاخير استند علي خلفيات سياسيه ابتدأ من الجهة " مجلس الامن " التي اصدرت التوجيه للمحكمه مروراً بالتوقيت والظروف التي احاطت بملابساته،لذلك فان موقف الحكومة السودانيه يمكن ان يحمل جوانب لاتخلو من وجاهه،سيما في ظل مايجيط بالمحكمه الجنائيه الدوليه من شبهة " التسيس "التي قادتها من قبل لاتخاذ موقفا سلبيا من الاحداث التي ارتكبتها صربيا ضد مسلمي البوسنه والهرسك منتصف التسعينات وصرف الانتباه اليوم الي دارفور التي لاتحمل بين طياتها الكثير من ماورد في تقرير واعلان مدعي الحكمة الا انها تبقي الهدف المرتقب للقوي الدولية التي تحاول الاستفادة من تباين الرؤي الداخليه لتمرير اهدافها واغراضها،لتعكس سوء نية مبيت وتربص مرتب هدفه زعزت الاستقرار في السودان خدمة لمصالح دول وقوي اخري،تأذت كثيراً من بقاء الحالة السودانيه – رغم الخلاف والصراع – في حالة مستقره،رغم ذلك لم يطرب لتقرير المدعي العام الا بعض ضعاف الوطنيه بيما اصطفت جميع القوي السياسيه خلف رمز الدوله بعيدا عن خلافات السياسه وتبايناتها الامر الذي يؤكد بان الخطوة ساهمت دون قصد بطبيعة الحال من القوي الدوليه علي ترتيب البيت الداخلي واعادة اللحمة الوطنيه التي ربما كانت في حاجه الي حدث جلل يلهيها عن خلافاتها البينيه والوقوف خلف رئيس الدولة ليس لشخصه فقط،ولكن ايضاً لقيمته الاعتباريه والدستوريه التي ارتضاها الجميع رغم شدة الخلاف والاختلاف السياسي،ولكن لايعفي هذا التعاضد الداخلي الحكومة علي اتخاذ جملة من الترتيابت المهمه لمواجهة الخطوة الاخيره وان تبعد قليلا عن الخطابات والهتافات وتعمل علي مجابهة الامر بالطرق القانونيه والاستعانه بخبراء في القانون الدولي والتواصل مع المحكمة الجنائيه الدولية وتفنيد الاتهامات ولو بصورة غير رسميه،ومن جانب ثاني لابد من تكثيف الاتصالات مع القوي الاقليميه المؤثره وفي مقدمتها مصر من اجل ايجاد صيغه سياسيه اولا: لانهاء الازمه الطارئه المرتبطه بتقرير اوكامبو وثانيا :بغية خلق مخرج ملائم ونهائي للازمه الحقيقيه في دارفور حتي تغلق هذا الباب بشكل حاسم .
السؤال الحقيقي الذي يطل بوجهه بعد اعلان المحكمه الجنائيه هو ماسيحدث لاحقا!!ففي ظل الإصرار والرفض من قبل الحكومة السودانيه فيما يتعلق بالتعاون مع قرار المحكمة الجنائيه وتاكيداتها بان القضاء السوداني هو الفيصل والحكم في مثل هكذا قضايا يبقي قرار لاهاي حبر علي ورق لايمكن الاعتماد عليه او الاعتداد به،ليس فقط لان السودان ليس عضو او طرف في المحكمه،بل لان قراراتها ومطالبتها غير ملزمة بل تتم عبر التعاون الطوعي والاختياري ويبدوا بان الحكومة السودانيه قد ابانت موقفها حيال هذه القضيه برفضها الكامل حتي قبل صدور واعلان الاسماء،بل وعملت علي التحقيق داخليا في اتهامات بارتكاب جرائم حرب باقليم دارفوروتقديم قيادات عسكريه وامنية عليا للعداله والقضاء السوداني وسمحت للجان تقصي حقائق وتحقيق دوليه دخلت الاقليم وجميعها براءت ساحة النظام السوداني من الجرائم التي يصر اوكامبو علي صياغتها في تقريره،الامر الذي يعني بإن الحكومة تعاونت من قبل مع المجتمع الدولي واعترفت جزئيا بوجود تجاوزات،إدراكا منها لحقيقية الاحداث علي واقع الارض في دارفور وليس كما تحدث عنها السيد لويس.
ammarfathi@hotmail.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة