التعليم بالشرق.. لغة الأم هي المخرج
حامد إبراهيم
كثر الحديث في الآونة الاخيره من المختصين ومنظمات المجتمع المدني عن عزوف إنسان الشرق وخاصة البجاوي منه عن الدفع بأبنائه وبناته إلى المدارس وارتفاع نسبة الأمية الأبجدية بالإقليم إلى مستويات مخيفه في عصر يتحدث فيه الناس عن إزالة ألأمية التقنية وذهب الناس مذاهب شتى في تحليلهم للمشكلة وخرجوا بنتائج أصاب بعضاً منها كبد الحقيقة وأخطأ بعضها الهدف ومهما يكن فان تركيز الأضواء في حد ذاته أمر إيجابي ومطلوب و يؤكد مدى الإحساس بهذه المشكلة الذي هو نصف المشوار نحو حلها ، بعد أن كنا ننام على العسل متوسدين تقارير وزارات التربية والتعليم الولائية وإدارات التعليم بالمحليات التي كانت تحوي كل صنوف البلاغة من طباق وتورية وجناس تام وغير تام لتؤكد لنا أن التعليم بالشرق تمام التمام وهو أمر أثبتت الأيام خطله الآن .
وفي خضم هذه الدراسات خرج علينا البعض برأي عجيب به قدر كبير من التعميم والتبسيط وهو أن إنسان الشرق غير ميال للتعلم فطرة باعتبار أن البداوة والترحال يغلبان على نمط حياته !! وهو أمر يدحضه الواقع وينفيه التاريخ ونحن نتساءل من أنشأ أشهر الخلاوي بالسودان والقرن الإفريقي ؟ ألم يكن العارف بالله الشيخ على بيتاي رحمه الله وما هو التنظيم السوداني الوحيد الذي على رأس هرمه القيادي إمرأة ؟ أليست جبهة الشرق التي تتبوأ فيها الدكتورة آمنه ضرار موقعاً قيادياً ؟ إذن الأمر لا يتعلق بجينات الإنسان البجاوي بقدر ما تتحكم فيه عوامل معقدة ومتشابكة وهنالك أسباب جوهرية تعوق سير العملية التعليمية بالشرق علينا تلمسها وإيجاد الحلول العاجلة لها بدلاً من الدوران حولها والالتفاف عليها بإطلاق مثل هكذا استنتاجات .. نعم مواجهة هذه المشكلة بعد عقود من الإهمال أمر في غاية الصعوبة ولكن هذه الصعوبة يجب إن لا تكون مدعاة للتخاذل وأن نبدأ متأخرين خير من أن نظل ساكنين أبد الدهر.
ويمكن إرجاع تعثر العملية التعليمية بالشرق ( حسب رأينا المتواضع ) لعاملين أساسين :
أولهما : وهو العامل المادي اللوجستي من وجود المدرسة نفسها ، المعلم ,الكتاب ,التغذية المدرسية ... الخ ... وفي هذا الجانب والحق يقال هنالك عمل كبير تم في العامين الماضيين في كل ولايات الشرق الثلاث كسلا البحر الأحمر والقضارف كثمره للسلام والاستقرار الذي تعيشه البلاد فهنالك مدارس شيدت وهنالك توفر نسبي للمعلم وللكتاب المدرسي أيضا وإن كنا نأخذ على الجهات ألمسئوله المغالاة في تشييد مدارس فاخره ( خمسه نجوم ) مكلفه وغير متناسقة مع البيئة إلتي حولها مما يجعلنا نتشكك في الهدف الأساسي من بنائها هل هو بحق إنتشال التعليم؟ أم هي للكسب السياسي الوقتي ؟ أم لخلق فرص عمل لشركات الحزب الحاكم ؟ وكان يمكن تشييد مدارس بمواصفات وسط بتكلفه أقل لعدد أكبر من القرى والفرقان كما أننا لسنا من أنصار برنامج الغذاء مقابل التعليم ( وإن حقق نتائج آنية ) فالغذاء يجب أن يكون للغذاء والتعليم للتعليم ..
أما العامل الآخر وهو دائماً لا يجد حظه من النقاش رغم أهميته فيتمثل حسب رأينا في المنهج المدرسي وضرورة أن يكون منهجاً قومياً بحق بحيث يجد فيه إنسان الشرق نفسه تاريخاً, جغرافية, بيئة وثقافة بما تحمله من لغة وفي هذا ندعوا بأن يكون تدريس المواد في الفصول الأربعة الأولي في الشرق بلغة ألأم ( البداويت والتقري ) ويمكن الاستفادة في ذلك من تجربة دولة إرتريا الشقيقة وقد يتبادر لذهن البعض بأن هذا أمر غير واقعي وقد يفهمه آخرون بأنه استهداف للغة العربية والإسلام رغم أن الأمر لا علاقة له بكل هذه التفسيرات البعيدة ولكنه مرتبط أولا: بالعدد الهائل من التلاميذ الذين يتسللون من الفصول الدراسية واحداً بعد الأخر وينضمون لطوابير الفاقد التربوي في الريف لصعوبة استيعابهم للمواد الدراسية باللغة العربية وما يترتب على ذلك من عقاب جسدي من قبل المعلمين الذين هم غالباً من غير بيئة التلميذ مما يخلق حاجزً نفسياً بينه والمدرسة وهو السبب الرئيس لتسرب التلاميذ لذلك نجد هنالك مدارس أسست في ستينات القرن الماضي ولم يمتحن منها أحد للمرحلة التي تليها
وثانيا : للحفاظ على هذه اللغات السودانية من الانقراض وهي بدون شك إرث إنساني عظيم وكنز معرفي ثمين.. وهي إناء يحوي قيم ، مثل ،عادات ، تقاليد وفنون الإنسان البجاوي ويقع عبئ المحافظة عليها إلى جانب المثقفين من أبناء البجا على عاتق الحكومة السودانية حسب ما نصت عليه اتفاقيتي السلام الشامل و الشرق فهي ملزمة بإتاحة فرص متساوية لكل اللغات السودانية دون تفضيل واحدة منها على الأخريات .. كما أن هذا التلميذ من حقه ( حسب وثيقة حقوق الطفل ) التمتع بدراسة لغته الأم حتى ينشأ سويا معتدا بنفسه و بهويته غض النظر عربيا كان أو غير ذلك كما أن الفهم المغلوط بالربط ما بين الإسلام والعروبة هو أمر ضار بالدعوة إلى الدين الإسلامي الحنيف ولا يشترط أن أكون عربيا لأكون مسلما ولا فضل في هذا الدين لعربي على أعجمي إلا بالتقوى .
وإلي حين صياغة المناهج الجديدة التي يجب إن تضمن التدريس بلغة ألأم يجب إزالة الحواجز من إمام أبناء البجا للعمل بالتعليم لمقدرتهم على توصيل المعلومة للصغار أكثر من غيرهم وفهمهم لنفسية التلميذ والظروف المحيطة به .
وبعد فإن هذه الكلمات لا تأتي من باب الفزلكات السياسية التي اعتدنا عليها هذه الأيام ولا من باب الترف الفكري ولكن لأننا واطين الجمرة ونقف حقيقة لا مجازا في الميدان ميدان المعركة مع الجهل باعتبارنا معلمين في أرياف الشرق والذي يده في الماء ليس كمن يده في النار
وهنالك الكثير الذي ينقص لوحة التعليم بشرقنا الحبيب أن تكتمل والأمر يحتاج إلي سفر وليس بعض كلمات أملتها وتمليها دوماً المصلحة العامة وحب الخير للإنسان والوطن .
shillo99@hotmail.com E mail:
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة