د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
النفط و تهدئة الاسعار
لم تتوقف مشكلة اسعار النفط عند ارتفاعها فحسب و انما تحولت الي التذبذب فيها. لقد ارتفعت اسعار النفط الي معدلات فاقت التوقعات عند بداية العام الحالي 2008م عندما كان يطرح السؤال حول امكانية وصول سعر البرميل الي 150 دولار امريكي، لكن الاسعار ارتفعت بشكل رفع سقف التوقعات لتصل في بعض الاحيان حتي الي 300 دولار للبرميل. و بالفعل فقد ارتفع سعر الخام الي ان اقترب من حاجز ال 150 دولار و لكنه فجأة اخذ في الانخفاض ليصل الي سعر اقل مما كان عليه قبل نحو اسبوع بمبلغ 10 دولارات تقريبا. حدث ذلك كما تقول تحليلات الاسواق الغربية لزيادة مفاجئة في الاحتياطات الامريكية و لكنني لا اصدق ذلك التحليل و اميل الي الاعتقاد بان سبب ذلك التراجع عائد للتهدئة الامريكية مع ايران لدرجة وصلت الي حد حضور نائب وزيرة الخارجية الامريكية للمحادثات الاوربية - الايرانية حول الملف النووي الايراني و ما يسمي بالحوافز المصاحبة له. يضاف الي ذلك التوقعات حول زيارة المرشح الديمقراطي للرئاسة الامريكية باراك اوباما و التقارب السياسي في القمة الشرق اوسطية و غيرها من مؤشرات سياسية اضافة الي عوامل السوق.
يحاط النفط بكل تلك الاهمية لدوره الكبير في النشاط الاقتصادي و لارتباطه بنمط الحياة في المجتمعات المتقدمة . لقد وصل استهلاك الفرد في العالم الآن الي حوالي لترين من النفط يوميا ( البرميل يساوي 159 لترا) ، يستهلك المواطن الامريكي في المتوسط 9 ليترات في اليوم و الفرنسي من 4,5 الي 5 ليترات يوميا بينما يبلغ استهلاك الصيني حوالي لترين و اقل من 0,5 ليتر للافريقي. يعكس ذلك تقلبات الاقتصاد و النمط الاستهلاكي و لا يعني بالطبع ان قلة الاستهلاك الفرنسي مثلا مع الامريكي تعني ان الاخير يتمتع برفاهية تساوي رفاهية الاول مرتين. مع ذلك فان الدول التي تعاني من ارتفاع اسعار النفط و الاسعار الاخري مثل الغذاء او ارتفاع معدلات الاسعار بشكل عام ليس بالضروررة هي الدول الاغني او المستهلكة الكبري لتلك المواد فامريكا و اوربا وحدهما يستحوذان علي 42% من الطلب العالمي و يبلغ متوسط دخل الفرد الامريكي في اليوم حوالي 104 دولار بينما يبلغ مستوي الدخل المماثل للفرد في افريقيا جنوب الصحراء حوالي 1،5 دولار و بالتالي فان حصول الامريكي علي 9 ليترات من النفط في اليوم يستهلك 3،8% من دخله اليومي في حالة ان سعر البرميل يساوي 70 دولار. في نفس الوقت نجد ان الافريقي ينفق نسبة اكبر من دخله للحصول علي عدة سنتيليترات من النفط لليوم الواحد.
الوضع الذي اشرنا اليه مقروءا مع ارتفاع اسعار المشكلات الغذائية و ارتفاع تكاليف المعيشة اصبح لا يطاق في اغلبية الدول النامية. يقودنا ذلك الي سياسات الدعم التي تتبعها الدول الغنية بشكل مباشر او غير مباشر عبر فرض رسوم جمركية عالية علي بعض الواردات و من ضمنها الواردات الغذائية و المواد الخام التي تشكل الثقل المرجح من صادرات الدول النامية ، يتم ذلك رغم ادعاءات التحرير و شروط منظمة التجارة العالمية و البنك و صندوق النقد الدوليين علي الدول النامية. اذا اضفنا لذلك المشكلات البيئية و مشكلة تناقص المياه يزداد الاوضع قتامه.
تلجا الدول الي خيارات متعددة للتغلب علي المشاكل الخاصة باسعار النفط و مشكلات الطاقة و من الاجراءات التبعة في ذلك تكوين مخزون احتياطي من النفط لمواجهة التقلبات المستقبلية . كما تجري محاولات جادة للتحول للطاقة البديلة اضافة للحد من استخدامات الطاقة عن طريق زيادة كفاءة الاستخدام و الحد من الكميات المستخدمة في الانتاج لكن كل ذلك لن يتم بالشكل المثالي الذي يروج له علي الاقل في الامد القريب.
من الحقائق الواضحة ان العالم لا زال مليء بالاحتياطات النفطية و كل يوم نسمع باكتشاف حقول جديدة من ذلك الخام كما ان بعض الدول تتوفر لديها مساحات هائلة غير مستكشفة كما هو الحال في روسيا علي سبيل المثال. بالتالي اذا قلت حدة التوترات العالمية و تراجعت الولايات المتحدة الامريكية خاصة بعد وصول رئيس جديد للحكم مطلع العام القادم عن منطق القوة و استفزاز الدول الاخري مثل ايران وروسيا و فنزويلا و غيرها فان اسعار النفط مرشحة للانخفاض كما تشير معظم الدراسات. لكن حتي ذلك الوقت علينا التاقلم مع الاسعار المرتفعة للنفط و مستويات الاسعار المرتفعة و توفيق اوضاعنا الاقتصادية علي ذلك الاساس و هنا يجب اتباع اساليب تهدئة الاسعار عبر سياسات الدعم مثل دعم اسعار الوقود و القطاع الزراعي و استهلاك الماء و الكهرباء و الخدمات الاساسية مثل التعليم و الصحة ، و تعتبر تلك الاجراءات مهمة حتي لا يتحول الدعم الي دعم للاثرياء و حتي لا تؤدي سياسات السوق و التحرير الاقتصادي الي مفاقمة مشكلات الفقر و البطالة و زيادة التوتر الاجتماعي. علي السودان كدولة مصدرة للنفط ان يدرس خياراته المناسبة في السياسة الاقتصادية التي تمكنه من توفيق اوضاعه مع المسار الاقتصادي المتبع في العالم و في نفس الوقت التصدي لتحديات التنمية الاقتصادية و محاربة الفقر و رفع مستوي المعيشة. و الجدير بالملاحظة ان السودان مواجه بتحديات اكبر من الدول المماثلة له في النمو و الدخل و مستوي التطور مثل تحديات السلام و استحقاقات التحول الديمقراطي و لكنه في نفس الوقت يتمتع بوفرة الموارد و استراتيجية الموقع و ذلك امر مشجع في حالة معالجة الملفات السياسية العالقة.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة