طبول الحرب الأهلية في السودان
السودان من الدول التي مناه الله بنعمة التنوع في الموارد الطبيعية والبشرية ولكن هذا التنوع إذا لن يستغل بصورة صحيحة وتصاحبه خطط واستراتيجيات واضحة في جميع النواحي التي تكوّن منظومة حقيقة للدولة ربما تودي إلى عواقب خطيرة لا يعلم مداها إلا الله؛ ويصبح هذا التنوع مصدر للصراعات وحروب وتشرد وقتل ودمار وتهدد وجود الدولة السودانية بمفهومه الراهن 0إذن عملية التنوع البشري من حيث العرق والثقافة والمعتقد دون أن تنضوي طوعاً تحت آلية قوية وعادلة تحفظ للكل الحقوق والواجبات المشروعة ؛ تكون كالصهارة التي توجد في باطن الأرض فمتى ما شعرت بضعف القشرة الأرضية تنفجر بركاناً وتذهب بالأخضر واليابس ؛لا يميز بين صغيرٍ وكبير ولا بين صاحب جاه وفقير معدوم 0 وعملية عدم الترميم السياسي والتصلب في الموقف بمثابة مؤشر واضح ومعطيات حقيقية تنذر بوقوع حرب أهلية شاملة تعسف بالبلاد 0وأعتقد أن طبول الحرب بدأت تصدر دويها ؛وذلك يعود لعدة أسباب :0
أولاً :يعتقد النظام الحاكم في الخرطوم أنها ارتكب أخطأ فاضحة منذ استيلاءها للسلطة بانقلاب عسكري عام 1989م ولا يمكن أن يغفر لها الشعب السوداني ؛ فبداية بالحرب الدينية التي أعلنتها الحكومة ضد الإخوة الجنوبيين ثم اتفاق نيفاشا ذات الطابع الثنائي الذي صار مسمار جحا في عنق الحكومة ؛ومن ثم تمرد دارفور والذي بات كابوساً تلاحق عناصر السلطة لتقديمهم إلى محكمة لاهاي ؛ ولهذه الدواعي نرى أن عناصر النظام يتمسكون بالسلطة مهما كلفتهم ولو كانت هذا على حساب وحدة السودان 0
ثانياً : بروز الجهوية والعنصرية بصورة سافرة وعلنية ؛فمسألة الجهوية والعنصرية كانت موجود منذ الاستقلال ولكن ليست بهذه الصورة المكشوفة أو نستطيع أن نقول كثير من الأطراف المهمشة بهذه الصبغة كانت تتحمل هذه اللعنة أو تتجاهلها ظناً منهم الغوص في هذا الإطار بالمفهوم المحلي البسيط قد تودي إلى تقويض تركيبة الدولة السودانية ؛إلا أن ظهور الشبكة المعلوماتية واهتمام الكل بالتعليم وضع الجميع في صياغته الطبيعية 0 يعتقد كثير من أبناء الشمال لا ينبغي أن يخرج السلطة منهم ؛ فخروج السلطة تعني عندهم خطوط حمراء ؛ هذا المفهوم شجع أرباب السلطة في ارتكاب جرائم كثيرة في حق المواطنين في الغرب وفي الجنوب دون أن يضعوا أي حسابات مستقبلية 0وصول حركة العدل والمساواة للعاصمة وضعت الحروف على النقاط في كثيرٍ من القضايا الاجتماعية العالقة ؛كثير من أبناء الشمال كانت ليس لديهم موقف واضح فيما يحدث في دارفور أي بمعنى يبدو أنهم قلباً مع الحكومة ولكن ظاهرياً خلاف ذلك ؛فدخول دكتور خليل إبراهيم العاصمة الوطنية أجبرهم على إعلان موقفهم الحقيقي مما شجع عناصر الأجهزة الأمنية على الاعتقالات التعسفية وارتكاب جرائم في حق أبناء الغرب الذين يقطنون في العاصمة القومية 0
تريد الأحزاب السياسية السودانية الكبيرة ( حزب أمة ؛ الحزب الشيوعي السوداني ؛ الاتحادي الديمقراطي ) التحالف مع حركات دارفور في بداية اندلاع التمرد وتجعل من هذه الحركات حصان طروادة للإطاحة بنظام المؤتمر الحاكم ولكن هذه القوة السياسية بدأت تخشي من منحى القضية التي أخذت الطابع العرقي ؛ وربما أرادت المؤتمر الوطني أن تقحم هذا الدور العرقي في مشكلة دارفور حتى تجبر القوة السياسية الأخرى الابتعاد او الحياد أو التحالف معها ؛ومن المعلوم هذه الأحزاب تسيطر عليها عناصر من أبناء الشمال ؛ولذلك كان دور هذه القوة ضعيفة جداً في سبيل الحفاظ على كيان الوحدة الوطنية ناهيك الوقوف مع أصحاب الحقوق المشروعة ؛ وكيف رأينا هذه الأحزاب أدانت هجوم أمدرمان ؛ بل ذهب حزب الأمة أبعد من ذلك مطالباً بإنزال أقصى عقوبات لأسرى حركة العدل والمساواة ؛ ثم قام بتطبيع علاقته بالحزب الحاكم والذي سمي باتفاق التراضي ؛ هذا الاتفاق فجر مرارة أبناء الغرب ؛ أشعرهم بان الإمام الصادق المهدي الذي ساندوه طيلة فترات حكمه تخلى عنهم واختار أبناء عمومته ؛ هذا الدور ذات بعد سلبي في إذكاء طبول الحرب الأهلية 0
ثالثاً : ظهور الصين كقوة استثمارية في السودان في مجال النفط ؛أثارت حفيظة الولايات المتحد الأمريكية مما جعلها أن تدير الأزمة السودانية بزوايا وأبعاد مختلفة؛ عندما عجزت الولايات المتحدة في تغير مسار سياسة الحكومة السودانية التي تحتمي بالصين قدمت بعض الحوافظ للنظام بإيماءات ؛ ولاحظنا ذلك في مقال المبعوث الأمريكي لدى السودان السيد اندرو لاتسيوس الذي قال فيه "كلما تزايد ضغط المجتمع الدولي لعقد محكمات جرائم الحرب وكلما تزايد نشاط المنظمات الغربية من أجل دارفور كلما ازدادت شراسة المؤتمر الوطني في مقاومة قوات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وسوف تزداد حتى لو تم نشر تلك القوات بالكامل " وقال ايضاً " إن البنية التحتية للمؤتمر ضخمة ومعقدة ولا تقف عند حد ولن تختفي من الوجود ؛ فان النظام لن يذهب في هدوء إذا انغلقت أمامه كل السبل" 0 وإذا أطيح بحكم المؤتمر فأنه سيعيد تشكيل نفسه تحت الأرض على هيئة مليشيات قبلية أو مافيا إجرامية " وأردف قائلاً في مقاله " وقد هدد عدد من قادة المؤتمر في مجالس خاصة بأنهم سيجعلون البلد غير قابلة للحكم في حالة إزاحتهم من السلطة " 0 المعلوم ان الولايات المتحدة أفرغت مجموعة من الخبراء في الشأن السوداني لوضع إستراتيجية ودراسة حالات الساسة السودانيين خاصة عناصر المؤتمر الوطني بغرض كيفية التعامل وتحريكهم بطرق غير مباشرة ؛ولذلك عندما يكتب لاتسيوس مثل هذا المقال فأنه يعلم جيداً بان عناصر الحكومة تأخذ كلماته في محمل الجد ؛ هذه العبارات تحمل أكثر من مدلول ومعنى ؛ في الظاهر توحي الولايات المتحدة للنظام يمكن أن يستمر في السلطة إذا تعاون معها ؛ لأنها تدرك سلوك هؤلاء وتصرفاتهم العشوائية و الاندفاعية تدفع السودان نحو الهاوية ؛ ولكن في الحقيقة تريد أمريكا تفكيك السودان إلى دويلات من بوابة الحروب الأهلية التي تشعلها المؤتمر الوطني ؛ لان مقال لاتسيوس قد يشجع النظام التمادي في ارتكاب جرائمه خاصة في دارفور 0تعند المجموعة النيلية في إدارة دفة السلطة بالمفهوم التقليدي ليس في صالحهم لان المجموعات العرقية الأخرى التي تمثل الأغلبية الساحقة ستتجه لإيجاد أرضية مشترك فيما بينهم 0
رابعاً : يظن بعض الإخوة الشماليون في حكومة الإنقاذ تفكيك النسيج الاجتماعي في دارفور قد يطيل أمد حكمهم في السودان ولذلك نجد إنها سخرت كل أجهزتها الأمنية وجعلتها فوق الأجهزة التنفيذية الولاية خاصة في ولايات دارفور وذلك بغرض زرع الفتن بين القبائل ؛ فبدأها بفتنة الزرقة والجنجويد ؛ ثم القتال بين قبيلة الهابنية والسلامات ؛ وبين قبيلة الترجم والرزيقات الابالة ؛ وبين قبيلة برقد والرزيقات البقارة ؛ وبين قبيلة المساليت والرزيقات الأبالة ؛ و بين قبيلة الزغاواة والرزيقات في عام 1996م ولكن الطرفان تداركا الحبكة بسرعة وتم حسم الموقف دون أن يتدخل أي طرف اخر0 وبين قبيلة الفلاتة والهبانية ؛ وأخرها بين قبيلة الترجم وبني هلبة في الايام الماضية التى راحت ضحيتها مئات من الأرواح البريئة ؛ علماً بأن الحكومة تعطي كل القبائل العربية في دارفور سلاح سراً بغرض الاقتتال في ما بينهم 0
خامساً : اعتقاد كثير من القوة السياسية السودانية وبعض المنظمات الاقليمية خاصةً بعد مذكرة لويس أوكامبو لتوقيف الرئيس عمر البشير الحل السلمي السياسي لقضية دارفور قد تحافظ على وحدة السودان دون الانزلاق في الحروب الأهلية ؛ ولكن في اعتقادي الحلول السياسية دون تحقيق العدالة امام المحكمة الجنائية يصبح كحل نصفي وهذا قد يودي بدوره إلى تفكيك السودان ؛ولذا أي حل سياسي سلمي يجب أن يصاحبه محاكمات جنائية 0
بقلم \ بحر هاشم ضرار السعودية
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة