صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


أبوبكر عثمان في بلاط الدبلوماسية و السلطة (1 (/مصطفي عبد العزيز البطل
Jul 23, 2008, 20:05

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

غربا باتجاه الشرق

 

أبوبكر عثمان في بلاط الدبلوماسية و السلطة (1  (

 

مصطفي عبد العزيز البطل

mustafabatal@msn.com

 

 

بعث إليّ، عبر بحر الظلمات، العم و الصديق رجل الاعمال ابراهيم كبارة بنسخة من كتاب ( في بلاط الدبلوماسية و السلطة – مواقف و مشاهد ) للاستاذ ابوبكر عثمان محمد صالح السفير و الأمين العام لرئاسة الجمهورية  ووزير رئاسة مجلس الوزراء الاسبق. صدر الكتاب عن المكتب المصري الحديث بالقاهرة في اربعمائة صفحة بالتمام و الكمال. و قد صيغت فصوله التسعة بلغة سلسة و مبسطة و أنيقة يتنقل القارئ خلالها في خطي منتظمة بين مراحل متعددة من حياة أبي بكر الخصيبة الماتعة الشديدة الرواء، مترافقة مع صفحات وقائع و تجليات من الحياة السياسية والاجتماعية المصاحبة لتلك المراحل. وتغطي هذه الوقائع إجمالا السنوات المسترخية في مسار الزمان منذ مبتدأ اربعينات القرن العشرين و حتي غياب شمس الالفية الثانية، وهي فترة طويلة تذخر بالكثير مما يسترعي التأمل والتبصّر والتماس المعاني. و برغم أن الغلاف لا يحمل عبارة ( الجزء الاول ) فإن القارئ يفاجأ في نهاية الصفحات الاربعمائة بفهرس الجزء الثاني مع اشارة " تحت الطبع "، فالذي بين يدينا اذن هو الجزء الاول. اما الجزء الثاني فإنه بحسب تفصيلات فهرسه يحتوي علي سبعة فصول اخري إضافيه  تغطي محطات غنية و مؤثرة في تاريخ السودان المعاش.

 

 و لابد أن أبي بكر قد عاني الامرّين و كابد من نفسه عنتا ما بعده عنت هو يخط  سطور هذا الكتاب. فالرجل، الذي عرفت مظهره و مخبره و قد عاصرته و عملت بجواره ردحا من الزمن، كثير الحياء جمّ التواضع لا يُحسن الاعلام عن نفسه ولا يحب لذاته ان تكون مَسقط ضوء او مدار حديث. فلا غرو انه صرف جانبا من مقدمة الكتاب في المناورة والمداورة إلتماسا للمخارج و الاعذار عن الجنحة التي أتاها لمجرد انه فكر في كتابة مذكراته. و لعل هذا التنازع المُمض هو الذي قاده الي حل وسط  يزحزح به عن نفسه هواجسها، وهو أن يزعم بأن ما كتبه لا يرقي مرقي المذكرات، و إنما هو مجرد ذكريات! ثم إجتهد الي فيصلٍ فارق بين هذه و تلك فقال: (  الذكريات تحفل بسرد الاحداث، والمذكرات توثيق في بعض جوانبها للاحداث... الذكريات ضرب من الرواية و المذكرات تاريخ و توثيق). لكأنه يخاطب قارئيه: أنا أروي و ( أهترش) فلا تحفلوا بما اقول!  و الكتاب – في الحق – يؤرخ و يوثق لمراحل مؤثرة  و مواقف معبرة، في مسيرة نصف قرنية غنية و عامرة بالاحداث والتحولات الكبري، كأفضل ما يُؤرّخ التاريخ  و كأوثق ما يوثق الثوثيق.

 

و قد بلغت خصال الحياء و التواضع و الايثار و إنكار الذات من أبي بكر، وهذا من عندي لا من  عند سطور الكتاب، مبلغا انه كان حين يأتي – و هو وزير – الي اجتماعات اللجان العليا والوزارية و غيرها، التي انعقدت له رئاستها وقيادتها، يتفادي الجلوس في مقعد الرئاسة المخصص و يتخير لنفسه احدي المقاعد العادية أو يغير من وضع الطاولة بحيث يتساوي الجلوس فلا يتميز رئيسها عن أعضائها. و لم يُعرف عن ابي بكر قط أنه طلب من موظفي العلاقات العامة في يوم من الايام أن يأتوا له بالطاقم التلفازي الذي كان يرابط في مبني الرئاسة، ليصوروه و يبثوا صوره و أخباره في نشرة الساعة التاسعة كلما نهض الي منهض او هبط الي مهبط، كما يفعل غيره من شاغلي المناصب الدستورية. و كان البعض من هؤلاء اذا رفع الواحد منهم قلما في الهواء ولم تكن هناك كاميرا تسجل صنيعه أبتأس وأغتم وركبه الهم وصبّ جأم غضبه علي الموظف المسئول كونه اخفق في تغطية حركات الوزير و سكناته، لكأنه لم يسمع قول العزيز الحكيم: ( و قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون).  فكانت " رؤية الله و رسوله " للعمل عند هذه الثلة من المسئولين لا تساوي جناح بعوضة إن لم تصحبها " رؤية المؤمنين " لهم علي الشاشات الفضية في العشيات! و لعلك تحتار مثلي – يا رعاك الله – ان رويت لك بعض ما رأيته و انا في خدمة الحكومات السنية المتعاقبة من ولع كبار المسئولين بالاعلام. و ربما كفاك مثال شاغل المنصب الدستوري الذي وصل ركبه الي احدي الشركات الكبري المنتجه للزيوت بالخرطوم بحري و كان مدراء الشركة  و كبار موظفيها قد اصطفوا امام المدخل لاستقباله وفقا للمراسم المتبعة، غير ان طاقم المصورين التلفزيوني تاه عن الموقع فغضب الزائر الكبير و انتظر داخل سيارته وقتا طويلا والمستقبلون وقوف تحت صهد الشمس، حتي اذا استيأس ترجّل عن سيارته و شرع في مصافحة مستقبليه، و عندما اكتملت مراسم الاستقبال و توجه الجمع الي داخل المبني ظهر فريق التصوير. وهنا أمر المسئول الكبير الجميع بالعودة الي الخارج و الاصطفاف مرة اخري لاعادة مراسم الاستقبال من جديد، ثم عاد هو الي سيارته و خرج منها و توجه الي المصطفين و أعاد مصافحتهم للمرة الثانية امام فلاشات و كاميرات التلفزيون! فماذا تقول – يا حبيبنا – في مثل هذا؟! أما عن ورع  أبي بكر و تعففه عن إمتيازات المنصب وارتفاع هامته عن اللمم و ومغريات المادة فأعجب ما شاء لك العجب. فهذا مثقف تستكتبه صحيفة ( الشرق الاوسط ) ثم ترسل اليه شيكا شخصيا بالعملة الصعبة مشتملا علي المبلغ الذي تدفعه الصحيفة اللندنية لكتابها، فيأمر بإحالة الشيك الي الخزينة العامة، و يرد الموظف المالي المختص بأن لا سبيل الي تنفيذ هذا التوجيه فليس هناك من بند يمكن ادراج المبلغ تحته فيعيده للوزير، ولكن الوزير يصر علي عدم استلامه علي أساس أن الصحيفة حين نشرت مقالاته عرّفته علي أنه وزير رئاسة مجلس الوزراء السوداني! و حدث أن تقدم بعض اللصيقين به من كبار مسئولي الرئاسة يطلبون توصيته علي طلبات لمنحهم قطع أراض في العاصمة فهش لهم و بشّ، ثم وضع طلباتهم بين يديه و أخذ يكتب عليها بهمة عالية سطورا طويلة و المسئولون يرقبون و ينتظرون وقلوبهم تتراقص فرحا، ثم تسلموا الاوراق و غادروا المكتب بعد ان أوسعوه شكرا و دعاءً. و عندما نظروا في التوصيات بعد ذلك وجدوا انه كتب أسفل كل طلب: ( أوصي بمنحه قطعة أرض في حدود الضوابط و القوانين و متي كان مستحقا و مستوفيا ومستكملا لكل الشروط المقررة)، فانتابهم الغضب و مزقوا الطلبات ثم القوا بمِزَقها في سلال المهملات وقد علموا ان مثل هذه التوصيات  تبعدهم عن منال الهدف عوضا عن ان تقربهم اليه زلفي.  فهذا وزير لا يوصي الا في حدود القانون، لم يشنه قط ولم يخنه، و لم تمتد يده الي مال عام الا لتصُنه.

 

و لا أعود – يا هذا - الي الكتاب لأستعرضه معك قبل ان أحدثك عن ظلم بيّن فادح، يثقل الضمير الحر، أوقعه كاتب هذه الكلمات علي أبي بكر في زمن مضي،  وتحمل الاخير من جرائه  تعديا و جرأة و صنوفا من الاساءات وجهها اليه علي الملأ الشيخ حسن الترابي و عدد من اقطاب الحركة الاسلامية، فضلا عن آخرين منهم الاستاذ حسن ساتي رئيس تحرير صحيفة الايام خلال العهد المايوي، متهمين إياه بالتآمر عليهم و تزويد رئيس الجمهورية السابق عمدا بتقارير مضللة بهدف إضعاف مراكزهم وازاحتهم عن مواقع النفوذ. و أصل الامر ان الادارة السياسية برئاسة مجلس الوزراء، في اطار بعض اختصاصاتها و مسئولياتها  المتمثلة في تقديم تقارير دورية عن أداء الجهاز التنفيذي عهدت اليّ، وكنت وقتئذٍ موظفا مبتدئا، بإعداد تقويم عام للتجربة التي عرفت في بداية الثمانينات بحملات الانضباط العام. و قد قمت بالفعل بإعداد تقرير مطول خلاصته أن حملات الانضباط موضع التقويم انحصرت واقعيا في قهر السواد من عامة الشعب علي الالتزام بالتشريعات و اللوائح المحلية، وكانت من نتائجها ان عددا كبيرا من البسطاء تتم معاقبتهم يوميا علي مثل هذه المخالفات، ولكن الجهاز التنفيذي في مستوياته العليا يفتقر هو نفسه الي الانضباط. و استفاض التقرير في عرض محاضرة كان الشيخ الترابي، الذي كان يشغل وقتها منصب النائب العام، قد ألقاها في جامعة الخرطوم و انتقد فيها حملات الانضباط العام ووصفها بالسخف والرداءة و مفارقة القانون و الاعتداء علي الحقوق الدستورية، و كان آخرون من القانونيين، من عتاة المعارضين للنظام، قد قالوا كلاما مشابها في ندوة اخري اقيمت في تاريخ أسبق بالجامعة. و كانت النقطة الرئيسية في التقرير ان الترابي هو المستشار القانوني الاول لرئيس الجمهورية والنائب العام للحكومة، و إن قيامه بالهجوم علي الحكومة و الاساءة اليها من منبر اتحاد طلاب جامعة الخرطوم يمثل مفارقة صارخة لابسط قواعد الانضباط التي ينبغي علي الوزراء والمستشارين توخيها، وانه كان من الاوفق و الاحري بالشيخ الترابي ان يضمّن ملاحظاته و انتقاداته أحشاء مذكرة رسمية يرفعها الي رئيس الجمهورية والي مجلس الوزراء مشيرا و موجها و ناصحا، بدلا من ان يدلي بها الي الطلاب محرضا و منددا و شانئاً. كما اشتمل التقرير علي انتقاد لاداء صحيفة ( الايام ) و معالجاتها الاعلامية المضطربة لحملات الانضباط. و قد وجد ذلك التقرير طريقه عبر القنوات العادية الي وزير الدولة الاستاذ محمد الحسن احمد الحاج، اذ كان الوزير المركزي أبي بكر خارج العاصمة في ذلك الوقت. و لم يتردد وزير الدولة في إحالة التقرير الي رئيس الجمهورية. و أظن ان ابي بكر لو كان موجودا وقتذاك لاطلع علي التقرير وأعاده من حيث أتي اذ لم يكن من عادته ان يرفع الي رئيس الجمهورية مثل هذه التقارير التي تتضمن نقدا حادا لزملائه الوزراء من غير علمهم. و  لا يراودني شك ان وزير الدولة، الذي كان قد اُشتهر في الدوائر السياسية علي أنه صنيعة المرحوم الرشيد الطاهر، الذي عرف بدوره بمعاداته للترابي و جماعته و سعيه الحثيث، مع آخرين، لتقليم اظافرهم، قذف بالتقرير علي منضدة الرئيس عامدا متعمدا بغية تعبيد الطريق الي أهداف بعينها. و لكن الذي حدث بعد ذلك فاق تصورات وزير الدولة بما لا يقاس. فقد دعا رئيس الجمهورية جميع قادة أجهزة الحكم الي اجتماع عام بقاعة الصداقة، و هناك جلس الجميع و كأن علي رؤوسهم الطير اذ لم تكن هناك أجندة معلنة لذلك الاجتماع. و عندما صعد الرئيس الي المنبر فتح حقيبة اوراقه وأخرج منها حزمة أوراق ثم خاطب الحضور قائلا انه سيقرأ عليهم تقريرا رفع اليه في أمانة مجلس الوزراء، ثم و لدهشة الجميع بدأ الرئيس يقرأ ذات التقرير الذي كتبته من أوله الي آخره. فلما فرغ من القراءة وضع التقرير جانبا و توجه بالخطاب الي الشيخ حسن الترابي و سلقه بلسان حاد استنادا علي المعلومات التي وردت في التقرير، وكان واضحا لي شخصيا أن الرئيس قد اختلطت عليه بعض فقرات التقرير، إما لضعف في الصياغة من جانبي او ضعف في الاستيعاب من جانبه، ففهم ان محاضرة الشيخ الترابي  المشار اليها جاءت في إطار ذات الندوة التي تحدث فيها قانونيون معروفون بمعاداتهم للنظام، و لم يكن ذلك صحيحا اذ ان الترابي كان قد تحدث في ندوة اخري منفصلة تماما دعا اليها اتحاد الطلاب. و لكن الرئيس – وفقا لقراءته و فهمه الملتبس- استبشع علي الترابي مثل ذلك السلوك المظنون ثم غادر القاعة دون ان يترك له فرصة الرد والتوضيح.

 

و كان الغضب قد بلغ بالشيخ، الذي أُخذ علي حين غرة، كل مبلغ فطلب الكلمة في الجلسة التي عقدت بعد ذلك برئاسة النائب الاول لرئيس الجمهورية، حيث توجه بهجوم مسئ الي ابي بكر اذ اتهمه بأنه هوكاتب التقرير. ثم أضاف ان هذا التقرير ( كُتب من وراء الظهر، واريد له ان يبقي وراء الظهر ولكن الرئيس فضح كاتبيه ). ثم عاد الترابي في الاسبوع التالي و كرر نفس الاتهام بصورة غير مباشرة في جلسة لمجلس الوزراء بحضور أبي بكر اذ عقب علي موضوع ذي حساسية سياسية معينة كان يرتجي منه المساعدة في  صياغته بالقول: ( والله اذا عايزين صياغة مضللة الا تشوفوا ابوبكر عثمان هو الوحيد البقدر يصيغ صياغات مضللة)!! وفي ذات الوقت خصصت صحيفة ( الايام ) افتتاحية كاملة كتبها رئيس تحريرها الاستاذ حسن ساتي هاجمت فيه ابوبكر هجوما قاسيا، و إن كانت قد حجبت اسمه، و اتهمته بأنه يسعي عن طريق كتابة و دس التقارير الي ( تبديد روح العمل الجماعي لقاء أوسمة زائفة يضعها علي صدره ).  واذكر في ذلك العهد انني كنت أتولي مسئولية السكرتارية الفنية للجنة يرأسها الشيخ الترابي وكنت اتردد عليه في مكتبه بصورة منتظمة، وكانت اعمال تلك اللجنة قد وصلت مرحلة  صياغة التقرير النهائي. فحملت  ذات صباح مسودة تقرير اللجنة لعرضه علي الشيخ الترابي، و  عندما جلست اليه و لدهشتي فتح موضوع التقرير الذي قرأه الرئيس مرة اخري، و قد كان واضحا ان قلبه ما زال يمور بالغضب علي ما لحق به، فقال لي: ( شفت وزيركم ابوبكر بيتآمر علي الناس كيف؟ بالله العمل السياسي المسئول ممكن يكون بالطريقة دي؟)، فتمتمت في صدد الرد عليه بكلمات قليلة: ( والله شئ غريب)! و ربما وقع من ذهن الشيخ أن الغريب هو ما فعله ابوبكر، و لكن الذي إرتد علي ذهني بطبيعة الحال ان الموقف في جملته يتسم بالغرابة! و كنت قد سألت ابي بكر في أعقاب تلك الازمة ان يُجلي الحقيقة في  أمر ذلك التقرير و عقابيله وان يرد عن نفسه الاتهامات الباطلة التي رماها به البعض ظلما و عدوانا، ولكنه تمسك بموقف مبدئي وهو أنه طالما كان التقرير قد كتب في رئاسة مجلس الوزراء و هو وزيرها و رفع لرئيس الجمهورية فهو يتحمل المسئولية عنه، و لا يليق بوزير  يحترم نفسه و يعرف للمنصب كرامته ان يدرأ عن نفسه المسئولية عن تقرير خرج من وزارته الي مكتب رئيس الدولة، بدعوي انه لم يكتبه و انما كتبه شخص آخر.  و قد ظل عداء الاسلاميين للرجل يضطرد عبر العهود التي تلاحقت منذ سقوط النظام المايوي تأسيسا علي قرينة تآمره المتوهم عليهم. و كان اسم ابو بكر قد ورد في مجلس ضم كاتب هذه الكلمات و عدد من قيادات الاسلاميين في دار الاستاذ احمد عبد الرحمن محمد بحي الرياض عام ١٩٩١ حيث أشاد احدهم بدور الراحل الاستاذ احمد عبد الحليم في خدمة الانقاذ ثم تساءل عن مكان أبي بكر من النظام و عما اذا كانت السلطة تتوقع و تتحري رغبة لديه في التعاون مع حكمها فرد الاستاذ احمد عبد الرحمن، الذي عمل وزيرا للشئون الداخلية في نفس سنوات وزارة ابي بكر، بالنفي القاطع مستبعدا ان يكون لدي صاحبنا أية استجابة او رغبة كهذه إبتداءً، ثم  أعاد الي الاذهان قضية التقرير الذي قرأه النميري علي اجتماع قاعة الصداقة كدليل علي موقفه المعادي للاسلاميين.  وأجدني في يومي هذا علي مبعدة ربع قرن من تلك الاحداث استعيدها بتفصيلاتها للمرة الاولي لأرد عن ابي بكر رداء الظلم الذي طال واستطال، و أنفي عنه أنه كتب ذلك التقرير او حتي علم بوجوده قبل ان يقرأه الرئيس السابق علي المنصة. و ربما قال قائل و ما عسي في يومنا هذا أن يكون شأن شبهة تآمر فردي في الظلام، بكتابة تقرير رسمي واحد ضد الاسلاميين، مقارنة بتآمر الاسلاميين، قلبا واحدا و كيانا جامعا، علي السودان كله شعبا و شرعية و نظاما ديمقراطيا، و مآلات ذلك التآمر علي واقع السودان اليوم كما تراه العين، و ذلك – و لا شك – سؤال وجيه مشروع لا أملك عليه جوابا!

 

 يطوف ابو بكر بقارئه ما شاء له الطواف في مراتع الصبا و مدارات الشباب في وادي حلفا و مدينة ام روابة ثم مراحل الدراسة الوسطي بالابيض والثانوية بحنتوب التي تعرف فيها و زامل وصادق عددا كبيرا من الشخصيات التي ستلعب فيما بعد ادوارا محورية في التاريخ السياسي والحياة العامة مثل جعفر نميري والرشيد الطاهر و حسن الترابي، و محمد ابراهيم نقد، و عمر نورالدائم و الجزولي دفع الله و عبد الله زكريا وخلف الله الرشيد و محجوب محمد صالح و فتح الرحمن البشير و قائمة من الاسماء تطول. غير ان المرحلة الدراسية المتقدمة في كلية الخرطوم الجامعية هي التي فتحت له آفاقا رحبة للتعرف علي الحياة السياسية و المبادئ الفلسفية وانتهت به الي مواقع اليسار.  ثم نتابع مظاهر الخلاف والانقسام الذي دب في اوصال اليسار بين الحرس القديم و العناصر التي نادت باشاعة إسباب الديمقراطية داخل الاجهزة حتي وجد صاحبنا نفسه ضمن حضور المؤتمر التأسيسي لمجموعه التجديد الذي عقد بمنزل التيجاني الطيب عثمان في أقصي حي ود نوباوي و قام فيه عوض عبد الرازق و حسين وني بطرح ملامح الفكر الجديد و السبل المثلي لبلوغ مراقيه. وقد اطلق علي هذا الفريق المنشق لقب المنشفيك بينما عرف الفريق الاصلي باسم البلشفيك. كانت اولي خطوات أبي بكر في الحياة العملية ملأي بالاثارة والحيوية,  و قد كانت اول وظيفة تولاها بعد تخرجه هي التدريس بمدرسة التونج الثانوية في بحر الغزال. و قد هبط اولا في مدينة جوبا في صحبة اثنين من المعلمين الجدد، ثم بدأ رحلة الذهاب الي بحر الغزال عبر غابات الاستوائية الساحرة فوق طرق عالية تنافس الطرق الاوربية، وما ان وصل الركب الي مندري حتي قصدوا دار السلطان جامبو، الذي جلس علي كرسي وثير في قلب دهليز مصنوع من " النال "تحف به أشجار عالية وصبايا يتحلقن حول الدار تعلو اصواتهن بالاغاني العذبة. و ما أن علم السلطان انهم سيقضون فترة قصيرة ثم يعودون الي الخرطوم حتي أخرج من جيبه ساعة عتيقة و طلب إليهم ايصالها الي الصاغ صلاح سالم، الذي سبق ان أهداه اياها، مشفوعة بتحيات السلطان ورجائه بأن يوجه باصلاح الساعة التي اصابها عطل و اعادتها اليه بعد ذلك! و يحس القارئ بمشاعر متضاربة عندما يقرأ عن جمال منطقة التونج والحياة الزاهية الممتلئة بالمباهج التي عاشها المعلمون الجدد هناك بصحبة رفاق افذاذ، ثم يعود ليقرأ عن الحزن الذي ران علي عيون ابي بكر بعد عودته الي الشمال بأسابيع قليلة و هو يتلقي محادثة تليفونية من الشيوعي مصطفي ابو حسنين ينبئه فيها بانطلاق شرارة التمرد في الجنوب، ثم توالي الانباء المأساوية عن مصارع اعداد كبيرة من أصدقائه و خلصائه الذين قضي في صحبتهم اجمل الايام في رمبيك و التونج. 

 ( نواصل )
 

عن صحيفة ( الاحداث )


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات و تحليلات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • تنامي ظاهرة اغتصاب الاطفال ...! بقلم / ايـليـــا أرومــي كــوكــو
  • مؤتمر تمويل التنمية/د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
  • بين مكي بلايل والعنصرية والحركة الشعبية /الطيب مصطفى
  • قالوا "تحت تحت" الميرغنى ماااااا "داير الوحدة"/عبد العزيز سليمان
  • الصراع الخفي بين إدارة السدود والمؤتمر الوطني (4-12) بقلم: محمد العامري
  • قواعد القانون الدولى المتعلق بحصانات رؤساء وقادة الدول/حماد وادى سند الكرتى
  • هل يصبح السيد مو ابراهيم حريرى السودان بقلم: المهندس /مطفى مكى
  • حسن ساتي و سيناريو الموت.. بقلم - ايـليـا أرومـي كـوكـو
  • الجدوي من تعديل حدود اقليم دارفور لصالح الشمالية/محمد ادم فاشر
  • صلاح قوش , اختراقات سياسية ودبلوماسية !!؟؟/حـــــــــاج علي
  • أبكيك حسن ساتي وأبكيك/جمال عنقرة
  • نظامنا التعليمي: الإستثمار في العقول أم في رأس المال؟!/مجتبى عرمان
  • صندوق إعادة بناء وتنمية شرق السودان .. إنعدام للشفافية وغياب للمحاسبة /محمد عبد الله سيد أحمد
  • )3 مفكرة القاهرة (/مصطفى عبد العزيز البطل
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان: الصادق حمدين
  • جامعة الخرطوم على موعد مع التاريخ/سليمان الأمين
  • ما المطلوب لإنجاح المبادرة القطرية !؟/ آدم خاطر
  • الجزء الخامس: لرواية للماضي ضحايا/ الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • مبارك حسين والصادق الصديق الحلقة الأولى (1-3) /ثروت قاسم
  • ماذا كسبت دارفور من هذه الحرب اللعينة !!/آدم الهلباوى
  • الأجيال في السودان تصالح و وئام أم صراع و صدام؟؟؟ 1/2/الفاضل إحيمر/ أوتاوا
  • النمـرة غـلط !!/عبدالله علقم
  • العودة وحقها ومنظمة التحرير الفلسطينية بقلم نقولا ناصر*
  • المختصر الى الزواج المرتقب بين حركتى العدل والمساواة والحركة الشعبية لتحرير السودان /ادم على/هولندا
  • سوداني او امريكي؟ (1): واشنطن: محمد علي صالح
  • بحث في ظاهـرة الوقوقـة!/فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
  • سقوط المارد إلى الهاوية : الأزمة مستمرة : عزيز العرباوي-كاتب مغربي
  • قمة العشرين وترعة أبو عشرين ومقابر أخرى وسُخرية معاذ..!!/حـــــــــــاج علي
  • لهفي على جنوب السودان..!! مكي المغربي
  • تعليق على مقالات الدكتور امين حامد زين العابدين عن مشكلة ابيي/جبريل حسن احمد
  • طلاب دارفور... /خالد تارس
  • سوق المقل أ شهر أسواق الشايقية بقلم : محمدعثمان محمد.
  • الجزء الخامس لرواية: للماضي ضحايا الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان أموم/ الصادق حمدين
  • رحم الله أمناء الأمة/محجوب التجاني
  • قصة قصيرة " قتل في الضاحية الغربية" بقلم: بقادى الحاج أحمد
  • وما أدراك ما الهرمجدون ؟! !/توفيق عبدا لرحيم منصور
  • الرائحة الكريهة للإستراتيجي بائتة وليست جديدة !!! /الأمين أوهاج – بورتسودان
  • المتسللون عبر الحدود والقادمون من الكهوف وتجار القوت ماشأنهم بطوكر /الامين أوهاج