(3) دار المعلم
رحلة الى جنينة اندوكا مع قافلة السلام والتنمية في ذكرى دروتي
تاج الدين سلطان
يا فارس....
سرج جوادك ليس يلامس ظهر الأرض
وحسامك مثل البيرق يخترق الظلمات
يا فارس.....
مثل الصقر إذا ما انقض
بييتك عالى الشرفات
نارك لا تخبو . . لا تسود
وجارك موفور العرض
يا فارس....
حتى مات !
الشيئ الوحيد الذي لا يمكن ان يفارقك ، ويظل يطل على ذاكرتك بين الفينة والاخرى وانت في الطريق الى جنة المدائن (الجنينة دار اندوكا ) هو ظلال قصيدة الشاعر محمد مفتاح الفيتوري عن ملحمة (دروتي الخالدة) بكل ثوريتها في تجسيد الملحمة ، اذ انها تفتح الافق واسعة على تاريخ المنطقة الغربية من بلادنا كلها ، وتحاول ان تنقل اليك ذلك الماضي حيا كنبض قلب وجيف ، تاخذك في مسار واعد نحو الوعد المخمل لمستقبل بلادنا بمفاهيم الثورة المعاصرة .
العام 1909 ف. بلغ الخلاف السياسي بين السلطان على دينار والسلطان ادريس ابكر مرحلة متقدم عقب قتل شعب القمر لمفرزة دينارية يقودها الجنرال ود الشريف ، وارسلت الفتيات القمراويات اغانيهن بلغتهن العربية السلسة في ركاكتها ، والعذبة في رقصتي (البادو والهجوري) شماتتة بالسلطان دينار وجيشه المنكسر . برواية (الكلباسة) جاءت منها مقطع وحفظها التاريخ عن ذلك الماضي ( ود الشريف راي كمل ، كمل ،جييوا جيبوا لي شاليتوا من دار قمر ) المعزوف على موسيقى استقلال السودان الاول من المستعمر الاول .
وخاصة ان السلطان دينار سبق ان استصهر سلطان القمر ادريس ابكر على ابنته الميرم الخالدة (عزة ) ووافق الاخير ثم عاد نكص العهد ، وفي خضم الحرب الاعلامية التي كانت تدور بين السلطنتين ارسل السلطان على دينار الجنرال ادم رجال رئيس هيئة اركان جيشه شخصيا للاستيلاء على بلدة كلبوس وتاديب القم وضم شعب القمر الى مملكته الدينارية بالفاشر .
دارت معارك لم تكن متكافئة بين الطرفين اذ يقدر جيوش السلطنة الاتحادية بعدد القبيلة الصغيرة في كلبوس ومواشيهم ، انتهت بهزيمة القمر ، لكن في الحقيقة انتهت بابادة القمر الكلبوسيين ، ابادة شبه نهائية . ودخل القائد الديناري كلبس عاصمة القمر والتحق ادريس (ابسريجان برة ) سلطان القمر المهزوم الى (نيجري) عاصمة (دار تامة) وقتها ، و التي تقع الان داخل الاراضي التشادية ، وما كان من ادم رجال الا ان استولى على نيري هي الاخرى ، ثم عسكر ادم رجال ما بعد (ترجي) الحدود بين شعب التاما وشعب البرقو . ارسل السلطانين المعزولين رسالتين الى الكلونيل مول حاكم اقليم ابشي وقتها طالبينه الاسراع بالتدخل لانقاذهما من سطوة السلطان على دينار . نشرت جزء من الرسائل بصيحيفة الليموند الباريسية في جانيوير من عام 1910 ف.(تابع ملحمة دروتي) . (و كتاب اخر سلاطين دارفور، لالن ثيوبولد ).
والقمر اول ثلاث سلطنات بالشريط الغربي للسودان المتاخم للحدود مع تشاد ظهرت السلطنة ضمن مماليك القرن الثامن عشر ، ثم المساليت الى الشرق ، ثم الزغاوة (كبقا) الى الغرب لكن الذي يهم ان القمر السلطنة مقدمة ، والقبيلة تشكل ضمن ثمانية قبائل تكون دار المساليت عقب اطلاق الادارة الاهلية في عام 1924 ف. الى جانب المسيرية جبل ، والارنجقا ، البرقوا ، والتاما ، وبعض بطون الزغاوة والفور . هؤلاء يمثلون اكبر الاعراق من السكان الاصليين .
توجد اعراق صغيرة تحسب في كثير من الاحيان الى احد اؤلائك القبائل منها (المراسي والعورة والشالح )وبينما تحسب حاليا الى الارنجا تقول روايات انها بيوت تابعة للقمر ، ولنختيجال رواية تؤكد ان الارنجا نفسها هو فصيل من القمر ، مما يثبت صحة رواية الشالح والعورة . بينما جميع هذه الاعراق شمال جنة المدائن تتبع لريفي دار مساليت . سنفصل اكثر حين نقوم بزيارة مشابهة لزيارة ام المدائن الى حاضرتهم (كلبوس) .
هواري محمود واسماعيل الوراق احد قادة القافلة اللطالبية كانوا اكثر المطلعين على تاريخ المنطقة الغربية ، وكانوا في حلقات كثيرة يمارسون التنوير العام عن التاريخ ، وهكذا تبدا خيوط المعرفة تتسلل الى الفتيان الشبان .
كانت فرنسا لديها تخوف من طموح السطان على دينار . وكان لعلي دينار طموح بضم اقليم شعب البرقو شرقي تشاد الحالية . ترى فرنسا ان دينار لربما يصل ابشي ويضم الاقليم وخاصة ان على دينار قد اظهر حرصه على ذالك في رسائل الى انكلترا نشرت بعضها في صحيفة التايميز اللندنية من نفس العام يتدعي فيها دينار تبعية اقليم البرقو والقبائل الصغيرة هناك الى دارفور . ارسلت فرنسا فرقة عسكرية احتلت ابشي ، وتقدمت شرقا لملاقات الجنرال ادم رجال عند (الترجي) غربي بلدة (نجيري) العاصمة التامية. تراجع ادم رجال الى شرقي بلدة ( كلبوس الحالية) .
بدات منطقة القبائل الغربية تدب فيها الفوضى امام الغزو الديناري شبه المنظم من الشرق والفرنسي المنظم من الغرب . وعروش كثيرة لملوك وسلاطين اتيحت بها من قبل القوتين : السلطان ادريس سلطان شعب دار القمر ، السلطان دود بنجي سلطان شعب دار البرقو ، وسلطان التبستي وسلطان دار تاما ، ثم انضم اليهم سلطان الداجو. ولم يبقى عرش ثابت بين المماليك الصغيرة تخوم الجارتين فيما بعد سوى عرش شعب المساليت ، الذي كان عليه السلطان تاج الدين .
مع انها تعلم انه ليس لتاج الدين طموح توسعية لكن فرنسا كانت متخوفة من قيام سلطنة المساليت بايواء السلاطين الهاربين من يدها وخاصة ان للسلطان دود بنجي علاقات وطيدة مع سلطان شعب المساليت مما يرجح انه سوف يعيد قوته ويتوجه لاستعادة (ابشي) من يد الفرنساويين قريبا . لذالك قررت فرنسا الزحف شرقا للاستيلاء على (دارجيل) وضمها الى النفوذ الفرنسية بافريقيا الاستوائية. فكانت ملحمة دروتي والملاحم التي سبقتها .
دار المعلم
انيخ حوامل القافلة الصغيرة بدار (المعلم) . وهو دار لمعلمي مقاطعة غرب دارفور . يتكون من بناية واحدة تحتوي على قاعة ومكتبين . وملحق بناحيته الشمالية ثلاث حجرات واسعة عبارة عن مساكن . يحيطه من الشرق مسجد بنته جماعة انصار السنة عالي الشرفات وظاهر بجمال بنائه وحسن مظهره . و(دار المعلم) بوسط مدينة الجنينة بذاته يقيم على تلة عالية تنحدر شرقا حيث ساحة من الرمل القاري يفصل بين الربوة وادي (كجا) العظيم احد الانهر الموسمية في غرب السودان ورافد مهم من روافد بحيرة شيري في تشاد.
كان عبد الماجد الطويل طالب القانون وسيدة عبد الله طالب الموارد الطبيعية هما ضمن طلبة القافلة من جنينة اندوكا اذن سيغدوان مفتاحي التعامل في المدينة .
كانت المدينة حتى تلك الساعة اي عند دخول القافلة منقسمة في ولائها بين نفوذ الجنرال الدابي الحاكم العسكري المعين حديثا. والسيد ابراهيم يحي الوالي المدني المخلوع ، وبين الرجولين كأن ما صنعه الحداد ، و تسري مشاحنات لدودة . وبينهما رجال ونساء كل لزويه ، ومن المنطقة والمدينة . واي يكن الطرف الذي تقرر الاتصال به وانت قادم حديثا الى جنة المدائن وقتها تكن قد خسرت الطرف الاخر ، ويبدا الكيد لك على حساب احدهما.
وكان الشبان في القافلة سيدخلون الى نفق الامتحان بين الولاء لايهما. ما داموا قد انضموا الى حالة الولاية . فقد اصدر الجنرال امر الى كلونيل من سلاح المشاه يدعى عبد الواحد سعيد يعمل في المجال المالي بالاستجابة لكل مطالب القافلة المادية شريطة ان يحسبون الى جانبهم ويحسب ما يوقمون به من عمل تطوعي له ولانجازاته وحسناته وبالضرورة تكون ضمن سيئات غريمه الاستاذ . لانه هو من اتى بهم كما يقول . ونفذ الكلونيل ما ارد في البداية حتى حصل صدام في الشرط . فتدخل ميجور برهان . وهو ضابط يتبع لقسم اسخبارات الجيش من سلاح المظلات ، ومقرب من الجنرال الدابي و له من النفوذ اعلى من الكلونيل .
كان من الطبيعي ان يحدث الصدام مع الطرف الثاني . وكان قد بدا مساء ذلك اليوم حين جاء الاستاذ ادم النعمان الامين المسئول عن دار المعلم محتجا حول عدم استاذانه في نزول ضيوف بداره. كان شديد في هجومه (القدومي) . كان على الطلبة ان يظهروا له احترامهم وتقديرهم لمكانته كمعلم في الحديث والمعاملة ، وكان كفيل ذلك التصرف الحكيم ان يساعد على امتصاص غضب النعمان المعلم . ويفتح الطريق الى اكتساب ثقته اذ هو ضمن صف الاستاذ يحي ، وبالتالي كسب ود شقائف النعمان بالمنطق . وان يكن ان طالب كلية التربية فتحي موسى مسئول قسم التعليم في القافلة الطلابية قد اشار الى انه في حاجة الى معلمين من الولاية في قسمه يجب ان البدا بالتعرف النعمان لكن يرجى فضل هذا التصرف الى الطالبين محمد بخاري من كلية العلوم مسئول الشئون الاجتماعية ، ومحمد ابراهيم من كلية الهندسة مسئول الاتصال .
في مساء اليوم الاولي ارسل ابراهيم يحي الوالي المجمد صلاحياته من يدعو الطلبة الى عشاء اعده بداره في جنوب وسط المدينة . كان ادراة القافلة بين امرين : فالاستجابة للدعوة يصنفها عند طرف الجنرال انهم ساروا يتبعون للاستاذ . بذا تقطع عنهم المعونة . وليس من المؤكد ان لابراهيم يحي ما يكفي لتكفل باعاشة وتسكين وترحيل الطلبة بالقافلة للمدة المنتظرة. وفي حالة رفض تلبية دعوة الاستاذ يكونوا قد تم تصنيف انفسهم فعليا انهم اتباع الجنرال وبذا فما هم الا ادوات في يد جماعة القصر الشمالين لتحريك الاشياء في وسط اهليهم . تعيد ادارة القافلة التذكر حول المخزى من اللقاء مع الجنرال الدابي الاول .
يجب ان تجد رئاسة القافلة طريقا وسطا للمحافظة على العلاقات مع الطرفين لتنفيذ اهدافها . وبذالك اكملوا في تلك الليلة مشروع البقاء من اجل الاهداف والمبادئ العامة التي اعيدت رسمها . بينما استعدوا لتحمل القطيعة من كليهما ، استعدوا لملاقاة الشارع العام ، والارتباط به ، مع عدم تجاهل الاتصال بكل الاطراف. واستجابوا لدعوة الاستاذ في اليوم الثاني.
غد نلتقي
منعم سليمان
مركز دراسات السودان المعاصر
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة