السودان
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

إضاءات في تاريخ النوبة على وتيرة التتبع والتعقيب بقلم م/ محمود جودات

سودانيزاونلاين.كوم
sudaneseonline.com
6/8/2005 1:21 م

إضاءات في تاريخ النوبة
على وتيرة التتبع والتعقيب

الإطلاع على الماضي ضرورة علمية مفيدة في أستجلاء الحقائق التاريخية وكشف
وتبيان الأنماط الفكرية المتحاورة في ضوء الصراع الحضاري على مستواه بكل
مقتنياته الحسية والمادية والمعطيات الأنية للشعوب المتواجد في دورة الحياة
ويفيد ذلك في أن يتعرف البعض على المكونات الفكرية للآخرين والمحاور التي بنيت
عليها المجتماعات تاريخياً وكيف أنها استطاعت الاستمرار والعبور عبر بوابة
الأزمان المختلفة واحتوت كل اشكال التنوع الثقافي والاثني والديني وشعب النوبة
هم العمق التاريخي في تناول المواضيع والاحداث التاريخية منذ بدء النشاط البشري
في وادي النيل حيث أسسوا مماليك عظيمة تعرف عليهم العالم من خلالها وتواصلت
شعوب عبر القرون إلى الآن وظلت جذورها مرتبطة بها جيل بعد جيل وعلى الرغم من
تناثر المجتمعات القديمة على وجه البسيطة تحديداً السودان إلا أن ذلك لم يقطع
حبل التواصل مع بعضها تماما فأن الماضي لا يفيد الإنسان ماديا أقتصاديا ونحو
ذلك ولكنه أكثر فائدة للإنسان من ناحية الموروثات الحضارية في الأمجاد الفكرية
السياسية والابداعية العادات الاجتماعية والتقاليد والمعتقدات والمصادر
الايجابية للتعامل الإنساني ولزوميات الحياة من حوله .
الهدف من هذا المشروع هو :
تفنيد الأحداث التي وردت في كتب التاريخ والتي أوردها الكتاب العرب والرحالة
ولهم منا جميعهم الشكر والعرفان قبل كل شيء فجزاهم الله عنا خيراً في ما صدقوا
به ونسأل الله لهم المغفرة .
ونخص بالبحث المواضيع التي كتبت عن شعب النوبة منذ عصوره الأولى وبعد اكتشاف
القلم وكتابة التاريخ حيث وردت فيه الكثير من الغموض مما يدعو للشك والريبة
ونخشى أن ذلك سيكون عامل مؤثر سلبي في فكر المجتمعات القادمة من الأجيال ولكي
نتجنب الأخطاء العلمية التي قد يكتسبها جيلا من الزمان لابد من العمل من هنا
فصاعداً على تمحيص كل ما ورد في تأريخ السودان القديم وإعادة صياغته بالشكل
والمفهوم الصحيحان .
ابراز الحقائق التاريخية وإعطاء الإنسان موقعه الفعلي عبر الحدث تفيد في تعزيز
كرامة الإنسان وإحساسه بالقوة مداً من أصالته وجذوة كيانه تلك هي القوة التي
يمكنه التعامل به مع الآخرين بثقة وعزة نفس.
كثير من الناس يشكو بأن هناك محاولات عدة لطمس الحقائق عندما تم كتابة تاريخ
السودان وبشكل متعمد ولن ينتهي الأمر عند هذا الحد بل استمر ذلك في تطور لدرجة
الوصول إلى حروب إبادة وإقصاء الشعوب القديمة من على أرض السودان ذلك ما يدعونا
في هذا العصر الحاسوبي المتقدم أن نسعى إلى تثبيت الحقائق ودحط الأفتراءات
المغرضة.
تعريف عن : جبال النوبة هي عدة جبال منتشرة في الجزء الأوسط الجنوبي الغربي من
السودان وهي تمتد جنوباً وشرعلى النيل الأبيض وغرباً على دارفور وفي الكثير
منها ينابيع وعيون مياه عذبة واشجار تنتج ثمار طيبة وفواكه شتى وتختص بها أنواع
من الأشجار دون غيرها مثل التبلدي والعرديب والدليب واللالوب والنبق والحميض
والزولي والجوغان واشجار السنط والبان وأنواع كثيرة من الخضر والثمار التي تنبت
مع هطول الأمطار في فصل الخريف واشيع أنها تسعة وتسعين جبل ولكن هذا كلام لا
أساس له فهي أكثر من ذلك بكثير.
لقد أختلف المحققون في أصل تسمية المنطقة بجبال النوبة فمنهم من قال أنه اسمها
القديم وأن النوبة الذين يسكنونها هم أصل النوبة الذين على نيل دنقلة بدليل ما
وجدوه من تشابه بين لغة القومين وعدم اشتقاق لغة النوبة الذين على النيل من
لغات الساميين الذين وفدوا إلى إفريقيا من آسيا، ومن قال أنها سميت كذلك لأن
النوبة الذين على النيل ملكوها وأدخلوا إليها لغتهم ( ولكن هذا راي ضعيف )
ومنهم من قال أنها سميت بأسم النوبة الذين فروا إليها بعد إنهيار ممالكهم في
الشمال من دنقلا وسوبا بعد خرابها ( وهذا القول الراجح والأقرب إلى الصواب حسب
قرآءات المؤرخين )
يسكن منطقة جبال النوبة عدد كبير من قبائل النوبة وتوجد العديد من اللغات
النوبية وتشترك كل مجموعة في منطقة جغرافية معينة بلغة وعادات وتقاليد وأعراف
ويحترف النوبة الزراعة والرعي و بعض الصنعات اليدوية .
من تاريخ النوبة المسيحية : أن بلاد النوبة التي نتحدث عنها هي الجزء من وادي
النيل الواقع بين أسوان شمالا وملتقى النيلين جنوباً ( الخرطوم العاصمة ) في
هذا الجزء عرفت المماليك النوبية الثلاث التي اهتدت إلى المسيحية في العصور
الوسطى وعرف الكتاب العرب كل تلك المنطقة ببلاد النوبة قامت لهم في ذلك ثلاث
ممالك وهي :
1- مملكة نوباطيا ما بين الشلال الأول باسوان حتى آخر الشلال الثاني ولقد عرفها
بعض الكتاب بأسم المريس.
2- مملكة المقرة ما بين الشلال الثاني والشلال الخامس ( بالقرب من مدينة بربر
).
3- مملكة علوة ما بين الشلال الخامس إلى ملتقى النيلين ( الخرطوم العاصمة وما
حولها ).
وكان الكتاب العرب القدامى والمعاصرين قد عرفوا ممالك النوبة بمملكة النوبة
العليا وتضم مملكتي المقرة وعلوة ومملكة النوبة السفلى وهي مملكة نوباطيا.
وعندما كان النوبة في عصرهم الذهبي ازدهرت ممالكهم وامتد نفوذهم وبسطوا سيطرتهم
على أرجاء واسعة من السودان إلى كردفان موطنهم ومناطق آخرى بعيدة عن وادي النيل
شرقاً وغرباً وجنوباً وهذه المنطقة كلها أطلق عليها أسم النوبة .
كانت قبائل القرعان والزغاوة وغيرهم من القبائل القاطنة في دارفور وكردفان تحت
سيطرة ملك المقرة كما كانت القبائل في الجزيرة والمناطق الواقعة على الحدود
الأثيوبية تحت سيطرة ملك علوة وذلك في القرن العاشر،
كانت عاصمة مملكة نوباطيا هي مدينة فرص وعاصمة مملكة المقرة مدينة دنقلا العجوز
وعاصمة علوة هي سوبا آخر عواصم بلاد النوبة ( هذه إضاءات مشرقة في تاريخ
النوبة ) .
عاشت شعوب النوبة على صفتي النيل من جنوب مصر و شمال السودان إلى وسط السودان
وبين النيلين وكانت الزراعة على كل الأراض الخصبة مصدر رزقهم من مزروعاتهم
النخيل والكروم والشعير والبقول والذرة والموز واعتاد النوبة امتلاك المواشي
بأنواعها ومنها الخيول والبغال والحمير والجمال والكثير من الدواب وبالنسبة
للمعدن لقد عرف النوبة المعدن اللماع منذ زمن بعيد وكان ماهراً في استخلاص
الحديد من الحجارة ومما نشهد به على ذلك وحتى عهد قريب جداً كنا نعلم أن النوبة
في مناطق جبال النوبة يعملون النفير لجمع أنواع معينة من الحجارة الصغيرة ثم
يقوم مجموع من المختصين في صناعة الحديد بأستخراجه وهم يستخدمون افران صممت
خصيصاً لذلك وكانو يصنعون من ذلك المعدن وسائل العمل وخصوصاً في الزراعة مثل
الحشاش والكربة لقطع الأشجار وتنظيف الأراض للزراعة وغير ذلك .
عرف النوبة صناعة اسلحته منذ زمن بعيد ولقد استخدم الحديد في صناعة الحراب
والرماح والفوؤس والدروع ولقد اشتهرت مدينة مروي بصناعة الحديد منذ القرن
الخامس قبل الميلاد بعد مدينة نبتة ( كريمة ) ومازالت أهرامات ملوك وملكات مروي
تشهد على عظمة العهد المروي كان ملوك مروي من الأصول أي من الأفارقة السود
الذين سكنوا شمال السودان آنذاك وكان ملك مروي في بدء العصر الميلادي اسمه
ناتاكا ماني آخر ملوك مروي وهو اكبر ملوك مروي ولقد بسط نفوذه على ساحل الجبال
الاثيوبية شرقاً وغرباً إلى كردفان ودار فور وجنوباً إلى منطقة الجزيرة وما بين
النيلين ولقد استطاع المرويين حكم السودان ثلاثة عشر قرن متواصلة بقوة وعزم
ويبدو لنا أن الأسم عبارة عن كلمة لها معان بلغة النوبة في منطقة الجبال ناتا
معناها حامي أي يحمي أو يتصدى وكا معناه عنهم أو عنه وماني حقه أو حقهم .
ولقد استطاع النوبة أن يصدوا الحملات العربية في القرن السابع، ومنعهم من
الدخول إلى السودان بالقوة وعرف النوبة رميهم بالنبل والحراب والتصويب الجيد
ولقد ورثوا استعمال النبال عن اجدادهم في القرون الوسطى فهم مهرة في رمي النبال
( الحراب والكوكاب ويبلغ طول الواحد منهم نحو مترين ) ولقد أخذ منهم أهل الحجاز
واليمن رمي النبال لقد استطاع النوبة التصدي لجميع الهجمات ومنعهم الدخول إلى
أراضيهم حتى أمام جيوش المماليك ولم تضعف قواهم إلا في القرنين الثالث عشر
والرابع عشر ( كما ذكر المسعودي في كتابه )
والدليل على أن النوبة أهل لكل تلك المقتنيات والصناعات هو أن كل ما ذكر مدرج
في قصص واساطير النوبة فهي أمور لا تدع مجال للشك وقائع حقيقية اغفلها التاريخ
وهناك اسباب لذلك ومنها أنه ليس للنوبة من يكتب عنهم بصدق وأمانة ولقد ضاعف في
تلك المسببات جملة أحداث تاريخية كانت في حقب متتابعة مثل تدافع مجتمعات آخرى
على أرضه قد أدت بدورها وأعاقت الفكر النوبي وحجبت عنه الرؤية مما جعله في بعض
الأحيان ضيف شرف على لما جرت من أحداث تاريخية في أرضه.
وقولنا بأن ليس للنوبة من يكتب عنهم بصدق هو لأن الكتاب الذين تناولوا الكتابة
عن تاريخ النوبة أغفلوا جوانب مهمة من تاريخ النوبة منها لقد كتبوا عن ممالك
النوبة ومواقعها وعواصمها ولم يذكروا اسماء الملوك كافة والأمراء وتفاصيل نظام
الملك في تلك الحقب التاريخية بل ذكروا أسماء الألهات مثل آمون ويوصف بأنه يمنح
الأرض خصوبة وأصل العبادة تعود إلى الفراعنة وإله أهل النوبة السفلى وأسمه
مندولس إله الشمس وأن البطالسه بنوا له معبداً ضخم في كلابشة ولقد أعاد القيصر
الروماني بنائه بعمارة رائعة تودداً إلى النوبيين لكسب ولائهم والاله
ابيديماك حسم إنسان وعليه رأس أسد ( في كبوشية ) وكذلك الاله هورس وصورته جسم
إنسان عليه رأس نسر ونذكر مما ذكر الاله ارنسنوس ويشترك فيه عبادته النوبة
والبجة وهو على هيئة صياد ممسك بيده غزال وبيده الآخرى باقة زهور .
وعملية أن يتخذ النوبة تمثالا للألهة في هيئة جسم أن إنسان ورأس حيوان مفترس أو
طير جارح يقود بالتفكير في لاعب رقصة الكمبلا في منطقة جبال النوبة فأن راقص
الكمبلا يرتدي من ضمن زي الكمبلا قرنان على رأسه وفي أثناء تأدينه لرقصة
الكمبلا فأنه يصدر صوت يشبه خوار الثور وهو يستخدم القرون على رأسه تمتما كما
يستخدمها الثور حتى في حالات التحرش بالآخرين ومناطحتهم.
ويظهر في المصورات الصفراء كان للفيل دور عظيم وخصوصية في العبادة وكانت تقام
مراسم واحتفالات يسير فيها الناس مواكيب مهيبة تكريماً للفيلة ملاحظة:
توجد في منطقة جبال النوبة عادة فريدة من نوعها بالنسبة لمجتمعات السودان ويمكن
أن توجد لدي لعض الشعوب الآسيوية مثل الهنود مثلا ألا وهي أن أن النوبة يعتقدون
بأن التوأم من الأبناء يكون لهم قرائن من الفيلة تعيش في الغابة وإذا اصابها
مكره يتأذى منهم التوأم أي أن التوأم يشعرون بما يحدث للفيلة فأن النوبة لا
يصيدون الفيلة أي أن لحومها محرمة عليهم فأن للتوأم خصوصية في حياة المجتمع
النوبي وتتصف تلك الخصوصية في بعض الأحيان بالدلال يتحاشى الآخرين ازعاجهم ولا
يجب أن يغضب الواحد منهم لآن ذلك قد يودي إلى أزعاج الفيلة في الغابة وإذا مرض
أحد التوائم يمرض الآخر وإذا قدمت هديه لهم لابد أن تكون الهدية متساوية ويرضى
عنها كل الطرفين والعرف السائد لذلك هو ما يسميه النوبة بلغتهم ( تميسو أو
تميزو ) وهو سبر التيمان وله طقوس واسبار عظيمة هذا بالنسبة بما يتعلق بالفيلة
والصلة بينهم والنوبة وما ذكر في كتب التاريخ والعلاقة بين الفيل والعبادات
النوبية القديمة .
كان النوبة يؤمنون بالحياة بعد الموت لذلك بنوا مقابر تدل على عودة الروح على
الجسد بعد الموت من حين إلى آخر وكانت فبور موتاهم كأنها غرف يوضع فيه مع جثة
الميت كل ما يمكن أن يحتاجه في حياته الآخرى من عتاد والأسلحة السكاكبن والبسة
وحتى بعض الطعام حسب ما يعقده النوبة.
في مناطق جبال النوبة يوجد نفس المعتقد حيث أنه ولعهد قريب كان الناس في منطقة
جبال النوبة يزينون قبور موتاهم ويدفنون مع موتاهم كل ما يعتقدونه مفيد
للأستعمال في الحياة الآخرى ولكن يوجد لدي النوبة ما هو أعظم فأنهم يمارسون
طقوس وممارسات روحية لها علاقة وطيدة بالحياة بعد الموت حسب أعتقادهم وذلك في
دائرة بما يعرف بالكجور الشيء الذي بمارسه عدد كبير من الأفارقة في السودان
دينكا ونوير وشلك ونوبة ولكن لكل مجموعة طريقة خاصة بها في ممارسة طقوس الكجور
فالنوبة يستخدمون الكجور في التحدث مع ارواح الموتى وعن طريقهم يتعرف الكجور
على الكثير من الأمور الغيبية فهو مستخدم في الكشف عن الأمراض واسبابها
والارشاد إلى طرق علاجها وذلك ما يسمى تمزلا ومعناه تصغير للإله فيدعون الله
سبحانه وتعالى بأن يتمم لهم المقاصد فيطلقون على الله سبحانه وتعالى أمزلا
تعظيماً للخالق فأن النوبة لا يعبدون الكجور ولكنهم يستخدمونه كوسيلة لقضاء بعض
حاجاتهم وبالأخض في الزراعة والعلاج فهم لم يجدوا بديلا عنه عبر سنين . هذا
بأختصار ما أردنا تبيانه عن علاقة النوبة بالموتى وأعتقاداتهم .
في سنة 580 م تم أنتشار الدين المسيحية على طول وادي النيل وساحل البحر الأحمر
إلى اثيوبية وذلك على امتدات ملك النوبة واصبحت الديانة المسيحية دين المملكة
الرسمي ( حسب حديث المؤرخ يوحنا الافسسي ) بعد أن انصر النوبة بفترة وجيزة
شيدوا الكنائس في عواصم ممالكهم واشهر كنيسة كانت في فرص وأطلق عليها علماء
الأثار ريفر جيت ( المطلة على البحر ) كلمة أثيوبيا أصلها يونانية وتعني بلاد
السود وهي من الشلال الأول عند اسوان جنوباً على طول ساحل البحر الأحمر حتى
جبال اثيوبيا إلى أقاصي الحبشة.
ويقال عن أثيوبيا هي أول مملكة قامت على هذه الأرض واشتهر لاثيوبيا عاصمتان وهي
نبتة عند جبل البركل ومروي عند البجراوية ولقد عاصرت مملكة اثيوبيا الفرعنة
والفرس والبطلسة والرومان الذين حكموا مصر على التوالي وبقيت إلى آخر عهد
الرومان في مصر سنة 640 ب- م فزالت دولة اثيوبيا وقامت مكانها مملكتان هب مملكة
النوبة على النيل بين الشلال الأول والحبشة ومملكة البجة في الصحراء الشرقية .
بقية أن نبحث عن من هم النوبة وما موطنهم الأصلي؟
نسرد هنا بعض ما جاء في كتاب تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة ( الأب
ج. فانتيني )للعلماء المعاصرين آراء مختلفة في هذا الصدد . يقول بعضهم أن
النوبة في وادي النيل هاجروا إليها من منطقة جبال النوبة في كردفان على دفعات
رويداً رويدأ وذلك على مدى قرن من الزمان والدليل على ذلك هو وجود التشابه
والاتصال بين لغة النوبيين من دار المحس والدناقلا بلهجات مختلف شعوب النوبة في
منطقة الجبال.
ويقول البعض الآخر أن النوبيين هاجروا إلى وادي النيل قادمين من ليبيا عبر
الصحراء الكبرى.
ولا شك فأن كلمة نوب ترتبط بكلمة مصرية قديمة معناها الذهب وكان المصريين
القدماء على يقين من أن في هذه البلاد معادن الذهب فاطلقوا أسم نوب على كل
البلاد الواقعة جنوب اسوان ( وهي ذات الكلمة التي يعرفها أهالي بعض مناطق جبال
النوبة وتحمل نفس المعنى . الذهب . ) ويقول النوبة في منطقة الجبال نوب نبي
ونياب ونوبني بمعنى الذهب فكلمة نوبة تعنى عند بعض قبائل جبال النوبة في ليما
وكانقا وكوفا وأبو سنون وماسنق وبعضم مناطق ميري برا وأنحاء من كادقلي كلمة
تعني ثمين أو شيء قييم أو مدهن كثير الشحم .
كما أن الاقباط أحفاد المصريين القدماء اطلقوا أسم آنوبة على أهالي السودان ومن
هنا فسماهم العرب نوبة أما الكتاب اليونانيون سموهم نوباي ولقد ذكرهم المؤرخ
كوبيوس وبعض الكتاب اليونانيين والسرانيين نوباطي وذلك في القرن الرابع ميلادي
قائلين أنهم شعب قادم من المغرب متنقل من واحة إلى واحة حتى استقروا في وادي
النيل بلاد النوبة ( السودان )
( نتابع ما كتب عن النوبة )
بعد أن أنهارت الدولة المروية اشتهر في اثيوبيا أمتان هم النوبة على النيل شرقه
وغربه والبجة في الصحراء الشرقية وأن النوبة اعتنقوا النصرانية في القرن السادس
ميلادي وبعد ذلك كان الإسلام ففتح المسلمين مصر وكان لهم مع النوبة والبجة ما
نبينه هنا وهو نقلا عن مؤرخي الإسلام الذين كتبوا عن ذلك العهد وينقل مما كتبوه
أنه كان للنوبة مملكتان قويتان :
مملكة النوبة السفلى أمتدت من الشلال الأول إلى الشلال الرابع وكانت عاصمتها
دنقلة العجوز
مملكة النوبة العليا ولقد عرفت في التاريخ أيضاً بمملكة علوة أمتدت من الشلال
الرابع إلى أعالي سنار وكانت عاصمتها سوبا على يمين النيل الأزرق ومسافة خمسة
عشرة ميل عن الخرطوم العاصمة.
قال المسعودي : وأما النوبة فأفترقت فرقتين فرقة في شرق النيل وغربه وانتشرعلى
شاطئه فاتصلت ديار النوبة بديار القبط من أرض مصروالصعيد من بلاد اسوان واتسعت
مساكن النوبة على شاطيء النيل مصعدة حتى أعاليه واقاموا مملكة عظيمة تدعى دنقلة
.
الفريق الآخر من النوبة يقال لهم علوة بنوا مدينة عظيمة سموها سوبة.
وقال أبو الفدا عن ابن سعيد: ومن أمم السودان النوبة وهم يجاورون الحبشة من جهة
الشمال والغرب ويقال أن لقمان الحكيم الذي كان مع داود النبي عليه السلام هو من
النوبة ومنهم ذو النون المصري وبلال بن حمامة .
قال المقرزي نقلا عن كتاب أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل لعبد الله
بن أحمد سليم الأسواني :كان يسكن في بلاد النوبة ( السفلى ) قوم يقال لهم
المقرة ومدينة ملكهم يقال له نجراش ويقال أن موسى عليه السلام غزاهم قبل مبعثه
في أيام فرعون فخرب قرية لهم اسمها نافة قريبة من مدينة اسوان . نواصل
فالنوبة والمقرة جنسان بلسانين وكلاهما على النيل فالنوبة هم المجاورون لأرض
الإسلام ويقال أن سلها جد النوبة ومقرى جد المقرة من اليمن وقيل النوبة والمقرة
من حمير وعلى أنهم جميعا من ولد حام بن نوح عليه السلام.
الجزء المبتور من تاريخ النوبة وذلك في تاريخ النوبة السفلى دخلت النصرانية
إلى بلاد النوبة من الأسكندرية سنة 545 من ثم بعد ذلك انقطعت الأخبار عنهم حتى
كان الإسلام وفتح المسلمون مصر سنة 18 هـ 640 م قال ابن الأثير غزا المسلمون
بلاد النوبة فرجعوا بالجراحات وذهاب الحدق لجودة رميهم وسموهم رماة الحدق ( ذلك
شهادة على أن النوبة موصوفون بالجودة في الجندية منذ زمن بعيد وليس حقا أن يكون
المسلمين قد غزوا بلاد النوبة بالقوة أو عن طريق المنازلة الميدانية بين الجيوش
ونحو ذلك لأن النوبة كقوة متحدة لم يستطع أي جيش هزيمتهم ولكن يمكن أن يكون
القصد من معنى الغزو في هذه العبارة دخول المسلمين إلى بلاد النوبة وهذا الأصوب
) بدليل ما قاله المقرزي في كتابه : وفي سنة 21هـ بعث عمرو بن العاص عبد
الله بن سعد بن أبي السرح في عشرين ألف مقاتل إلى النوبة فمكث بها عبد الله بن
سعد زمانا وصالحهم وقرر عليهم شيئا معلوما من المال ( وهنا أيضا ليس بالضرورة
أن هناك انتصار للعرب على النوبة ولكن يمكن أن يكون الوصول إلى حالة السلم
والتعاهد بين الجانبان في بروتوكولات فيها مصالح للطرفين ) مما يؤكد عدم مقدرة
العرب الدخول إلى بلاد البنوبة بالقوة ذلك عندما فتح العرب المسلمون مصر سنة
638 م كان يوجد على أرض مصر البيزنطيين وكان هرقل زعيم الروم على رأس
الامبراطورية زحفت الجيوش العربية بسرعة وحاصرت مصر فلما رأى هرقل ذلك جمع
جيوشه من كافة انحاء مصر وتوجه بها إلى حدود اسوان حيث تجاوره من الجنوب بلاد
النوبة والبجة وظل يدفع للقطيع التي قررها على نفسه وعلى جيشه لمدة ثلاث سنوات
تدفع للمسلمين وكانوا يسمونها ( البقط ) أي أنه بقط رؤوسهم ومات الكثير من
الناس من التعب ولقد وردت هنا لأول مرة كلمة البقط وهي كلمة يونانية ومعناها
اتفاق وكان ابقط عبارة عن ضريبة من غلال كان البيزنطيين يجمعونها من سكان مصر
لتزويد جيوشهم بالمؤن فأخذوا يدفعون هذا الضريبة للمسلمين الذين يحاصرون مدينة
مصر ( بابليون ) وأن كلمة البقط صارت فيما بعد تدل على اتفاق التبادل التجاري
الذي تم بين العرب والنوبة وفق ما جاء في ( كتاب فتوح مصر والاسكندرية ) وبعد
أن فتح العرب مصر بمدة قصيرة صممواعلى غزو بلاد النوبة على غزو بلاد النوبة
فجهزوا لذلك جيشاً جراراً من المشاة والفرسان وحاولوا غزو النوبة للمرة الأولى
سنة 641 م وظل عمرو بن العاص يوفد الطلائع فرقاً من الفرسان إلى النوبة كل سنة
ولم يستطع العرب هزيمة النوبة حتى عزله الخليفة عثمان بن عفان من ولاية مصر سنة
646 م وولى فيها عبد الله بن سعد بن أبي السرح بدلاً منه .
ورد في كتاب فتوح البلدان لأحمد البلاذري أرسل عمرو بن العاص غلى بلاد النوبة
الفرسان ليطئوها بحوافر خيولهم وذلك بقادة عقبة بن نافع أخاً لعمرو ين العاص (
كما يقال ) فدخلت الخيول أرض النوبة واحتدم القتال بينهم فتراشقوا بالنبال وسقط
عدد كبير من الموتى والجرحى بين صفوف العرب فانكفئوا على اعقابهم ولقد فقئت
أعين الكثيرين منهم لذا كنوهم برماة الحدق .
وفي رواية آخرى على لسان شيخ من حمير قال: سهدت النوبة مرتين في ولاية عمر بن
الخطاب ( 634 – 644 ) فلم أرى قوما أشد بأساً من النوبة ولقد سمعت احدا يقول
للمسلم اين تحب أن اضع سهمي منك؟ فربما عبث الفتى منا فقال: في مكان كذا فلا
يخطئه وكان النوبة يجيدون الرمي بالنبل مما يكاد لا يرى من نبلهم على الأرض من
شيء .
ورد في ( كتاب الفتوحات ) لأحمد الكوفي أن عمرو بن العاص وزع على جنده ما جمعه
من الضرائب والخراج في المغرب وأمرهم بغزو النوبة فانتشر الفرسان إلى كل الجهات
ونهبوا القرى وكل ما وجدوه في طريقهم إلى النوبة فكان هجوما مباغت ولكن تصدى
النوبة بجسارة لذلك الهجوم ولحق بالنوبة دمار كبير فجهز النوبة جيشاً جرارا
يزيد عدده على المائة ألف مقاتل وهاجموا جيوش المسلمين ودارت بينهم رحى حرب
طاحنة تكبد فيها المسلمين خسائر فادحة لم يشهدوا لها مثيل من قبل سقط منهم عد
كبير من القتلى والجرحى ومفقوي الأعين .
ونستنتج من كل الأحداث والحروب التي دارت رحاها بين العرب والنوبة أن العرب لم
يتمكنوا من فتح بلاد النوبة بسبب المقاومة الشديد التي لاقوها في بلاد النوبة
زلم يستطع العرب دخول السودان إلى عبر معاهدات وفي ظروف السلم والتسامح.
تأكيدات من المؤرخين :
ابن عبد الحكم وهو الذي دوينت في كتابه ( ديوان الفسطاط ) وثيقة التصالح بين
النوبة والعرب وأسموها البقط / اليعقوبي / البلاذري الواقدي / الطبري
نواصل: ثم أن عمرو بن العاص كتب إلى عبد الله بن سعد يأمره بالرجوع إليه
( إلى مصر ) فرجع .
وفي سنة 23هـ 644 م قتل الأمام عمر بن الخطاب وتولى بعده الخلافة عثمان بن عفان
وكان عبد الله بن سعد من أقارب عثمان بن عفان فأقدم عثمان بعزل عمرو بن العاص
عن ولاية مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن ابي السرح وفي أول ولايته نقض
النوبة الصلح ( المعاهدة ) الذي كان بينهم وبينه وأرسلوا سراياهم على صعيد مصر
فخربوا وافسدوا في صعيد مصر ( هذا الكلام فيه شك لأن النوبة شعب متحضر ولهم
نظام ومملكة قوية بشهادة المؤرخين ولا يعقل أن يتدنى مستوى النوبة إلى ذلك
الوصف المنحط وان يكونوا مخربين ومفسدين ولكن يبدو أن الكاتب أراد بذلك الوصف
تحقير النوبة ) نواصل : فغزاهم مرة ثانية عبد الله بن سعد بن أبي السرح وهو على
ولاية مصر وذلك سنة 31هـ 652 م وحاصرهم بمدينة دنقلة حصاراً شديداً ورماهم
بالمنجنيق ولم تكن النوبة تعرفه وخسف بهم كنيستهم بحجر فبهرهم ذلك وطلب ملكهم
قليدورون الصلح ( وهذا الحالة تنفي كلمة الغزو بمعنى أنهم أي الفريقين توصلوا
إلى اتفاق لوقف الحرب بأي صورة من الصور ) وخرج قليدورون إلى عبد الله بن سعد
فتلقاه عبد الله ورفعه وقربه ثم قررالصلح معه على ثلاثمائة وستين رأساً من
الرقيق ترسل إلى مصر في كل سنة ، في المقابل يقدم المسلين إلى النوبة حبوب
الذرة هنا لنا وقفة وتساؤلات وهي لو علمنا أن عبد الله بن سعد لقد تولى مصر سنة
23 هـ 644 م بعد مقتل سيدنا عمر بن الخطاب فنقض النوبة العهد الذي كان بين عبد
الله بن سعد وبينهم بتاريخ 31هـ 652 م إذاً كيف كان الوضع في المدة منذ أن تولى
عبد الله بن سعد الولاية إلى ذلك التاريخ حيث هناك فارق زماني وهو ثمان سنوات
كيف كانت العلاقة بين الطرفين؟ هل هي سنين حرب أم سلم أو أن النوبة قد وقفوا
سداً منيعا أمام محاولات جيوش المسلمين ولم يستطع عبد الله بن سعد الحصول على
معاهدة مرة أخرى إلا بعد مرور ثمان سنوات؟ مما يعني أن المعاهدة لم تنفذ من
الجانبان كل تلك الثمان سنوات.
وكان كتاب العهد بعد البسملة هو :
عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي السرح لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته .
عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حد ارض اسوان الى حد ارض علوة.ان
عبدالله بن سعد جعل لهم امنا وصدقة جارية بينهم وبين المسلمين ممن جاوروهم من
اهل صعيد مصر وغيرهم من المسلمين واهل الذمة انكم معاشر النوبة امنون بأمان
الله وامان رسوله محمد النبي صلى الله عليه وسلم ان لانحاربكم ولاننصب لكم حربا
ولا نغزوكم ما اقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على ان تدخلوا بلدنا
مجتازين غير مقيمين فيه وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه.وعليكم حفظ من نزل
بلدكم او بطرفه من مسلم او معاهد حتى يخرج عنكم وان عليكم رد كل ابق خرج اليكم
من عبيد المسلمين حتى تردوه الى ارض الاسلام ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه
ولا تتعرضوا لمسلم قصده وجاوره الى ان ينصرف عنه.وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه
المسلمون بفناء مدينتكم ولا تمنعوا منه مصليا.وعليكم كنسه واسراجه وتكريمه
وعليكم في كل سنة ثلاثمائةوستون رأ سا تدفعونها الى امام المسلمين من اوسط رقيق
بلدكم غير المعيب يكون فيها ذكران واناث ليس فيها شيخ هرم ولاعجوز ولاطفل لم
يبلغ الحلم تدفعون ذلك الى والي اسوان. وليس على مسلم دفع عدو عرض لكم ولا منعه
عنكم من حد ارض علوة الى أرض اسوان فان انتم اويتم عبد المسلم او قتلتم مسلما
او معاهدا او تعرضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم او منعتم
شيءا من الثلاثمائة رأس والستين رأسا فقد برأت منكم هذه الهدنه والامان وعدنا
نحن وانتم على سواء حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين . بذالك عهد الله
وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولنل عليكم بذلك اعظم
ماتدينون به من ذمة المسيح وذمة الحواريين وذمة من تعظمونه من اهل دينكم وملتكم
الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك . كتبه عمر بن شرحبيل في رمضان سنة 31 ه اه
" . وهذه الجزيه التي تدفعها النوبه تسمى بقطا.
ويذكر أن البقط الذي كان قد دفعه النوبة للعرب المسلمين هو عبارة عن اسرى الحرب
وبعض الضعفاء لدي النوبة فأن النوبة لم يقدوا من بني جلدتهم بقطاً
وكانت النوبة قد دفعت إلى عمرو بن العاص ما صولحوا عليه من البقط قبل نكث عهدهم
وأهدوا إلى عمرو أربعين رأساً من الرقيق فلم يقبلها ورد الهدية إلى كبير البقط
ويقال له سمقوس فأشترى له بذلك جهازا وخمراً ووجهه إليه وبعث إليهم عبد الله بن
سعد ما وعدهم من الحبوب والثياب والخيل ثم تطاول الرسم فصار يأخذونه عند دفع
البقط في كل سنة الأربعين رأساً يأخذها والي مصر والثلاثمائة وستون رأساً
للمسلين في المقابل يحصل النوبة على القمح والشعير والخمر ، ملاحظة كيف يتعامل
المسلمين بالخمر ؟ ( وهل يعقل أن يصنع المسلمين الخمر في ولاياتهم ويقدموها
للنوبة هذا الأمر فيه شك ) وهناك العديد من بنود المعاهدة تحتاج إلى مراجعة
وتدقيق وكذلك لا ندري كم سنة استمر تنفيذ هذه المعاهدة بين النوبة والمسلمين
ولنفترض جدلا أن ذلك العهد استمر منذ سنة 31 هـ حتى سنة 132 هـ 750 م نهاية عهد
عثمان وانتقال الخلافة إلى بني العباس فأن المدة مائة وواحد سنة وفي كل سنة
يرسل النوبة إلى مصر ثلاثمائة وستون رأساً ذلك يساوي أجمالا ( 36360 ) ستة
وثلاثون ألف وثلاثمائة وستون رأساً من النوبة والأدهى أن في بعض الرويات تقول
بقي البقط ساري المفعول لمدة ستمائة سنة وحتى عصر المماليك فاتفق ملوك النوبة
والعباسيين وغيرهم على تعديل البقط إلى اتفاقات تجارية ولو كانت المدة ستمائة
سنة في ثلاثمائة وستون رأساً من الرقيق بالكاد يساوي ( 216000 ) مئتان وستة عشر
ألفاً رأسا من الرقيق هذا بلا شك عدد كبير من السود كانوا يدخلون إلى مصر كل
عام مما يعني أن هناك عدد كبير من الشعب المصري يجري في عروقهم الدماء النوبية
أي الإفريقية ومن جانب أخر لا توجد لدينا إحصائية دقيقة عن المسلمين الذين
كانوا في مصر آنذاك ولكن مهما يكن عددهم فأن الرقم المذكور عن النوبة وعبر سنون
عدة لابد أن يتركوا أثر كبير في تركيبة السكان في مصر هذا إذا اعتبرنا أن
الثلاثمائة وستون رأساً زأئداً الأربعين هم شباب من الجنسين في عمر الزهور فكان
لابد أن يترك أثر ولكن إذا لم يظهر منهم أثر أين هم ؟ ومن المسئول عن أختفائهم
؟ وماهي الظروف التي أدت إلى عدم ظهورهم أو حتى بقاياهم . والسوأل الأكثر أثارة
هل هذه المعاهدة أن صحت هي عمل إسلامي مشروع ؟ أم عمل عربي ممتد من الفكر
الجاهلي ؟ وفي حالة النوبة فهم ليسوا أسرى حرب إذاً كيف يرسخ الإسلام ممارسة
السخرة والعبودية على البشر ؟ وأن عمل كهذا لا يمكن أن يتم على يد صحابة رسول
الله ( ص ) مثل سيدنا عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن سعد بن أبي
السرح وعمرو بن العاص، فأن العقل يأبى أن يتقبله بشكله المزل للإنسان
والإنسانية كان يمكن أن يتقبله أن كانت المعاهدة في شكل أن المسلمين يأخذون
النوبة عندهم كعمال أو حراس أو بأي صفة غير العبودية وبهذا تنتفي كلمة رقيق
نحتاج لمراجعة كتب الفقه في ذلك. ونتمنى أن ذلك كله غير صحيح .
قال ابن وصيف شاه : لما انتقلت الخلافة إلى بني العباس وولى عبد الله السفاح
سنة 132هـ 750 م توجه عبد الله بن علي العباسي إلى الشام في طلب من بقي من بني
أمية ثم أرسل بالقبض على الأمير عبيد الله بن مروان أمير مصر فلما بلغ الخبر
الأمير عبيد الله دخل إلى خزائن امواله وأخذ منه عشرة آلاف دينار ذهباً ثم أحضر
أثني عشر بغلاً وحملها ذلك المال وشيئاً من القماش والفرش وغير ذلك وأخذ معه
جماعة من العبيد والغلمان ثم شد على وسطه خريط فيها جواهر فاخرة وخرج من مصر
هارباً فتوجه نحو بلاد النوبة .
فلما وصل إلى هناك وجد مدائن خراباً وبها قصوراً محكمة البناء فنزل في بعض تلك
القصور ( بما يعني ان تلك القصور كانت مهجورة وكانت بعيدة عن العمران أي متطرفة
عن المدينة الحقيقية ) وأمر غلمانه بكنسها فكنست وفرش فيها ما كان معه من تلك
الفرش الفاخرة ثم قال لبعض غلمانه وكان ممن يثق بعقله امض الى ملك النوبة وخذ
لي منه امانا على نفسي من القتل فخرج الغلام وتوجه الى ملك النوبة فغاب ساعة ثم
عاد ومعه قاصد من عند ملك النوبة فلما دخل عليه قال له ان الملك يقرئك السلام
ويقول لك امحاربا جئت اليه ام مستجيرا فقال له الامير عبيد الله رد عليه مني
السلام وقل له قد جاء اليك ليستجير بك من عدو يريد قتله فمضى ذلك القاصد
بالجواب فغاب ساعة ورجع وقال له ان الملك قادم عليك في هذه الساعة فقال عبيد
الله لغلمانه افرشوا ما معنا من الفرش الفاخرة وجعل مرتبة في صدر المكان برسم
ملك النوبة وجلس يرتقب مجيئه فبينما هو على ذلك اذ دخل عليه غلامه وقال له ان
ملك النوبة قد اقبل فقام الامير عبيد الله وصعد على اعلى القصر ونظر الى ملك
النوبة فاذا هو رجل اسود طويل القامة ( أسود طويل القامة ينطبق ذلك الوصف على
الكثير من قبائل النوبة في منطقة جبال النوبة ) نحيف الجسم وعليه بردان قد
ائتزر بأحدهما وارتدى بالاخر ومعه عشرة من السودان ( من جماعته السود ) حوله
ومعهم حراب بأسنة تلمع فلما راه عبيدالله استصغر امره واحتقره فلما قرب من
المكان الذي فيه عبيدالله اتاه من عسكره نحو عشرة الاف رجل من السودان في
ايديهم الحراب فلما وصل ملك النوبة على عبيدالله واحاط ذلك العسكر بالمكان الذي
فيه عبيدالله ووقعت عين ملك النوبة على الامير عبيدالله بادر الى يد الامير
عبيدالله وقبلها
( تعليقنا أن العقل والمنطق لا يقبلان أن يأت شخص مستجير ضعيف مهزوم هارب يطلب
النجدة من ملك فيقوم الملك بتقبيل يد ذلك المستجير بيد أن شعب النوبة شعب مدني
متحضر وملوكه عظماء يعرفون معنى الهيبة والوقار فلا يمكن أن يجهل الكاتب هذه
النقطة في أن النوبة أصحاب ملك وعظمة وليس هناك ما يجعلهم أذلاء لأحد حتى ولو
كان ذلك الأحد ضيف كما أن عادة تقبيل الأياد ليست من عادات الشعوب الإفريقية ،
هذا الكلام يحتاج إلى مراجعة )
نواصل : فأشار اليه عبيدالله بأن يجلس على تلك المرتبة التي وضعها اليه فأبى
وصار يدفع تلك الفرش الفاخرة برجله فقال عبيدالله للترجمان لم لا يقعد الملك
على تلك المرتبة التي وضعناها له فقال له الترجمان في ذلك فقال ملك النوبة قل
للامير كل ملك لايكون متواضعا لله فهو جبار عنيد متكبر ثم انه جلس بين يدي
الامير عبيدالله وجعل ينكت في الارض باصبعه طويلا ثم انه رفع رأسه الى الامير
عبيدالله وقال له كيف سلبتم ملككم واخذ منكم وانتم اقرب الناس الى نبيكم فقال
له عبيدالله ان الذي سلبنا ملكنا الى نبينا منا فقال له ملك النوبة فكيف انتم
تلوذون الى نبيكم بقرابة وانتم تشربون ما حرم عليكم من الخمور وتلبسون الديباج
وهو محرم عليكم وتركبون في سروج الذهب والفضة وهي محرمة عليكم ولم يفعل نبيكم
شيئا من هذا وبلغنا انك لما وليت على مصر كنت تخرج الى الصعيد وتكلف اهل القرى
ما لايطيقون وتفسد الزرع على الناس وتروم الهدايا والتقادم من اهل القرى وكل
هذا لأجل كركي تصيده قيمة سبعة انصاف او ثمانية فصار ملك النوبة يعدد على
الامير عبيد الله جملة ذنوب والامير عبيدالله ساكت لايتكلم بحرف واحد ثم قال له
ملك النوبة فلما استحللتم ما حرمه الله عليكم سلبتم ملككم اخذ منكم واوقع الله
بكم نقمة لم تبلغ غايتها منكم وانا اخاف على نفسي ان انزلتك عندي ان تحل بي تلك
النقمة التي احلت بكم والبلاء عام والرحمة مخصوصة ثم قال له ارحل من ارضي بعد
ثلاثة ايام والا اخذت جميع ما معك وقتلتك شر قتلة فلما سمع الامير عبيدالله ذلك
خرج من ارض النوبة من يومه ورجع الى مصر وقبض عليه عمال الخليفة المنصور
العباسي وبعثوا به الى بغداد فسجنه المنصور حتى مات في السجن اه عن ابن اياس.
نواصل

م/ محمود جودات dorban12@hotmail.com

للمزيد من االمقالات

للمزيد من هذه الاخبار للمزيد من هذه البيانات و المنشورات
الأخبار المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع


| اغانى سودانية | آراء حرة و مقالات | ارشيف الاخبار لعام 2004 | المنبر العام| دليل الخريجين | | مكتبة الراحل على المك | مواضيع توثيقية و متميزة | أرشيف المنبر العام للنصف الاول من عام 2005

الصفحة الرئيسية| دليل الاحباب |English Forum| مكتبة الاستاذ محمود محمد طه | مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان | مواقع سودانية| اخر الاخبار| مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد


Copyright 2000-2004
SudaneseOnline.Com All rights reserved